حقوق الإنسان: السلاح الأخير في مواجهة التوحش
salaf
السلف والسلفية
militarization
العسكرة واختطاف القرار السوري
HM
الكتلة الوطنية السورية: اليوم وغدا

ملم تنجح الإدارة الأمريكية في توظيف واحتواء سقوط جدران برلين ونهاية “الحرب الباردة” بالسيطرة الكاملة على المنظومة العالمية (system-world). وكشفت هشاشة أطروحات “نهاية التاريخ” و”صراع الحضارات” مدى هشاشة الأنموذج، إذ لم تقتنع مجتمعات وثقافات خصبة وغنية بضرورة اللحاق أو التبعية. استمر الفكر الحر والنضال المدني من أجل عالم أفضل، وخاضت الحركة الحقوقية والمدنية في تسعينيات القرن الماضي صراعات هامة من أجل عالم أكثر عدلاً وأقل همجية.

لقد حققنا نجاحًا نسبيًا في عولمة العدالة الجنائية الدولية، وبرزت حركة دولية مهمة لإصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كما دخلت موضوعات التنمية في مواثيق الأمم المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، كنا نعي نقاط القوة والضعف التي نعيشها، وقد أشرت إليها في مقدمة كتابي “الإمعان في حقوق الإنسان” عام 2000:

“إن كان من السذاجة التصور أن حقوق الإنسان يمكن أن تنتزع عن السياسة تاجها بسهولة ـ السياسة بمعنى السيادة والتمثيل، الهيمنة والانقياد الطوعي، الغاية التي تبرر الوسيلة، فإن السياسة بالمعنى النبيل للكلمة ـ كمشاركة عامة في الشأن العام، كتقاسم واسع للمسؤوليات والواجبات ـ تترجم الحاجة الملحة أكثر فأكثر إلى ضوابط ونظم حقوق إنسانية وأخلاقية ترفضها الطبقة السياسية بدرجة أو بأخرى ولكن تؤكد عليها ضرورة البقاء البشري وضرورة تحجيم بربرية أصبحت متغلغلة في كل خلية من خلايا الوجود المادي والمعنوي للبشر.

إن دخول ثقافة حقوق الإنسان بيوت الناس وليس فحسب مكتبة النخبة وأرشيف المحامين يعتبر شرطًا أساسيًا للخروج من حالة الاستعصاء الفكرية والسياسية التي تهيمن على حقبتنا”.

هذا الاستعصاء، المتمثل في اغتيال السياسة، وانهيار الإيديولوجيات، والتغييب المريع للحلم، أتاح تسرب أشكال غير حصرية من التعصّب والانغلاق الشوفيني والطائفي، بالتوازي مع تصاعد الوجه القبيح للعولمة: تحوّل رأس المال إلى سلطة مطلقة تسخّر الدول والمجتمعات، وتجدد أشكال استعمار البشر للبشر، وتسارع وتيرة نبذ الأضعف، والانشطار غير المتكافئ للعالم، وتفاقم تلوث البيئة، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والمخدرات، والسلع الغذائية السامة…

كانت الصدمة الأولى كبيرة. فمع انطلاق ما سُمّي بـ “الحرب على الإرهاب” عام 2001، ظهر جليًّا أن المنظومة العالمية السائدة لن تتورّع عن استخدام كل الوسائل الممكنة لتعزيز بقائها واستمرار هيمنتها.

جاءت “الحرب على الإرهاب” لتطعن الحركة الحقوقية العالمية خنجرًا في الصدر، فتوقف الحديث عن إصلاح الأمم المتحدة، وأُلغيت عمليًا “عشرية المنظمة الدولية لإعلاء ثقافة اللاعنف والسلام من أجل أطفال العالم (2001–2011)”، وتراجعت الجهود الثرية لتطوير مفهوم “الأمن الإنساني”. وبهذا، جرت عولمة لحالة الطوارئ، في انتصار مدوٍّ لمنطق الحرب والأمن القومي على حساب الحقوق والعدالة والسلام؛ انتصار أشدّ عارًا من كثير من الهزائم.

نعم، في مستهل قرن جديد، صار من “حق” القوي/الغربي/الأبيض أن يُحلّل، ويتفلسف، ويقول، ويفعل… فمنطق القوة – بأبعاده العسكرية والاقتصادية والسيبرانية – هو ما يمنح الشرعية للكلام، وهو ما يعرّف الخير والشر، والحق والباطل، والمسموح والمحظور. إنه من يمنح شهادات “المعرفة”، ويُوزّع جوائز السلام، ويحدّد معايير “حسن السلوك”.

وهو من يمنع، مثلًا، معاقبة محتلّ عندما يكون إسرائيليًا، ويعلنها حربًا ضروسًا على المحتلّ إذا وُجد في “المكان الخاطئ” من نهاية التاريخ، أي في ما يُسمى “محور الشر”.

هذه الثنائية المانوية أعادت البشرية ليس فقط إلى ما قبل الإيديولوجيات والفلسفات التي أنجزها عصر التنوير “الغربي”، بل إلى زمن العقائد الشمولية الأولى، حين كانت كل عقيدة تعلن أنها أتمّت للناس رؤيتها، وأتمّت عليهم نعمتها، ورضيت لهم دينها إلى يوم القيامة.

أصبح مجرد الحديث عن حقوق الإنسان في ظلال “الحرب على الإرهاب” يُعد هرطقة، وصار الدفاع عن ضحايا “الخسائر الجانبية” التي ترتكبها قوات الاحتلال يُصنّف دعمًا غير مباشر للإرهابيين.

وعادت “القارة العجوز” إلى أقاصيص السجون السرية، والقوائم السوداء، والاعتقالات الخارجة عن سلطة القضاء… وتفعّلت اختصاصات جديدة في أجهزة المخابرات الغربية: الاختراق (infiltration)، التلاعب (manipulation)، والتوظيف الأداتي (instrumentalisation).

فـ “الحرب على الإرهاب”، في ظل غياب تعريف قانوني أو أممي مشترك، باتت أداةً حَمّالةَ أوجه.

ترافق هذا الصخب بظواهر جديدة – قديمة: مقاتلون بلا حدود، إيديولوجيات مدمّرة للذات المجتمعية، ملل ونِحل قابلة للاحتواء والتوظيف، وصيرورة المال هي السيّد الذي يُملي القرار، ويمنح الأغنى سلطة النفوذ. في المقابل، جرى تهميش القوى المدنية، وتسفيه الخطاب حول الديمقراطية، ودُعِم كل من يبدي قابلية للتبعية والخضوع. باختصار، أصبح البرنامج السياسي رهينًا بالمصالح المباشرة وتقاطعاتها، وصُنّفت هذه المعطيات المتشابكة في تبسيط ساذج، لكنه فعّال: ضمن ثنائية “معسكر الخير” و”معسكر الشر”.

على مستوى منطق اللجوء إلى القوة – سواء عبر إعلان “الحرب على الإرهاب”، أو “الجهاد”، أو “التحرير” – لا تعاني الدول والجماعات المسلحة من نقص في الوسائل ولا في الذرائع، ولا حتى في “المنظّرين”. يمكن لأي حكومة أن تستحضر نهجًا “تاريخيًا” لتبرير أفعالها ومحاولة إضفاء الشرعية على سلوكها، فتدّعي أنها تتحرك دفاعًا عن النفس، أو باسم الأمن القومي، أو “المصلحة القومية العليا”، أو مقاومة الإرهاب والتطرّف، سواء أكان إسلامويًا أو نازيًا جديدًا.

وقد ينخرط المهتم في رياضة ذهنية لتفنيد هذه الذرائع أو لغربلة أسبابها المباشرة وغير المباشرة، متسائلًا عمّا إذا كانت الدولة قد استنفدت فعلًا كل الوسائل الدبلوماسية والسلمية قبل اللجوء إلى العمليات العسكرية. غير أن الإشكالية المعرفية الكبرى تبدأ من سؤال بسيط:

هل بالإمكان اعتبار عسكرة أي صراع تمثل قضية حتمية في حال انسداد السبل الأخرى؟

ذلك السؤال هو ما يعيدنا إلى نقطة الانطلاق المركزية: شرعية وشرعنة الحرب في الوجود البشري.

فالتجارب الإنسانية توضح بما لا يدع مجالًا للشك أن عبارة “انسداد السبل الأخرى” ليست سوى اختراع جَهمني، يهدف إلى إعطاء صك غفران لجريمة العدوان، باعتبارها أمرًا لا بد منه.

العنف، كالبضاعة، لا يعرف حدودًا، ولا لونًا، ولا دينًا، ولا معتقدًا. وهو، للأسف، يملك قدرة هدم تتجاوز كل تصور. فبعد كل نزاع مسلح، يُطرح السؤال المرّ:

كم نحتاج من سنوات لنعود إلى لحظة ما قبل اندلاع الأعمال العدائية؟

وكم نحتاج من مليارات لاستعادة الحد الأدنى من شروط البقاء؟

وما خلا “أمراء الحروب”، يخرج “المنتصرون” من الحرب حفاة عراة، لا يجدون ما يسدّون به رمقهم إلا عبر السطو على من يعتقدون أنه من “المعسكر المعادي”. يعود البشر إلى شريعة الغاب، ويغدو الحديث في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ترفًا لا تطيقه حالة التوحّش التي تسيطر على القلوب والعقول.

إلا أنّ “المنظومة العالمية” التي تقودها الولايات المتحدة تستثمر هذا البؤس العام في تشغيل وتطوير صناعة السلاح ووسائل القتل والهدم. ولعل المثال الإسرائيلي، على الرغم من تنصيبه من قبل هذه المنظومة فوق التصنيف ومنحه كل عناصر التسلّح والسيطرة على حساب الحقوق الفلسطينية، يقدّم أوضح صورة عن دفاع هذه المنظومة عن آخر أنموذج للأبارتايد في العالم، وتحويلها المجتمع الإسرائيلي نفسه إلى أنموذج بالغ القبح في إنتاج التمييز والكراهية والعدوانية.

لقد رأينا ذلك جليًا في الحرب الهجينة على كل من تجرأ على الوقوف ضد الإبادة الجماعية في غزة، وفي ذلك الدعم الهائل وغير المسبوق للقاتل في جريمته، وفي ملاحقة الضحايا حتى في أبسط حقوقهم بالوجود. هذه الحرب وما رافقها من حملات واصطفافات، دفعت زملاءنا إلى القول، في صيغة موجعة:

حقوق الإنسان، كفكر وقيم أو كمعايير وقوانين، كما وُلدت في ظروف دولية شجعت على ظهورها، فهي بالتأكيد مهددة بالزوال والاضمحلال في السياقات الراهنة التي تتسم بتراجع مكانة القيم الإنسانية وتبخيسها، واستبدالها بمنطق القوة وسياسة الهيمنة والعنف، الذي يتغذى من الإفلات من العقاب وازدواجية المعايير...

وأنا أقول لأحبّتي في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان: لم تولد حقوق الإنسان لا في مجلس الأمن، ولا في قصور الحكّام، ولا في أسواق البورصة. لقد وُلدت في قلب النضالات المؤلمة والقاسية، التي خاضها البشر من أجل الانعتاق، والتي مكّنتهم من تحقيق نقلات نوعية في اكتشافهم لذواتهم ولإرادتهم في مقاومة الظلم والطغيان.

وأذكّركم أن دخول ثقافة حقوق الإنسان إلى بلداننا لم يكن امتيازًا مؤسساتيًا، بل جاء عبر نضال عائلات الضحايا، التي وجدت في الحقوقيين والحقوقيات خط الدفاع الأول عن المعتقلين والمعتقلات، وعن المفقودين والمفقودات من أحبّائهم. وقد رأوا في الحركة الحقوقية سلطة مضادة لكل أشكال التعسّف والظلم والانتهاك.

إن حقوق الإنسان كانت، وستبقى، ويجب أن تتعزّز وتتقدّم، كلما ازدادت بشاعة المنظومة العالمية التي تحاول – بدهاء الأقوياء أو بغباء المتوحشين – إما تحييدنا واحتواءنا، أو مواجهتنا بكل ما تملكه من وسائل التوحش المعاصرة…

من الرباط إلى دمشق

اسمحوا لي أن أتوقف قليلًا عن الحديث كمواطن في هذا العالم، لأعود إلى ذاك الطفل المولود في درعا، جنوب سوريا، الذي أطلق في نيسان/أبريل 2011 صرخة واضحة:”لا للعنف، لا للعسكرة، لا للمذهبة، لا للتدخل الخارجي”، دفاعًا عن أكبر حركة مدنية سلمية في تاريخ سوريا والمنطقة.

لكن ما واجهناه من تهميش، وازدراء، وتصفية، بل من حرب متعددة الجبهات، شُنّت علينا من مختلف أطراف الصراع في/وعلى سوريا، يفوق الوصف. رأينا رجل دين يُحلّل عسكريًا كيف أن قصف الناتو في ليبيا كان “نظيفًا”، ويفتي بدعم تدخله العسكري لـ “إنقاذ شعوب المنطقة من الديكتاتورية”. رأينا دولًا تصدّر ما لديها من “جهاديين سلفيين”، وأخرى ترسل “مقاومين حسينيين” إلى ساحة القتال في بلاد الشام.

كان الدعم مفتوحًا، بل لنقل منهجيًا، للأطراف التي اختارت العسكرة، وساهمت في تمويل وتجهيز أكثر من 120 ألف “سلفي جهادي” من مختلف دول العالم، وأكثر من ستين ألف مقاتل من فيلق سليماني، من مخيمات الأفغان إلى لبنان. هكذا صار خيار العسكرة جزءًا أساسيًا من استراتيجيات مختلف أطراف الصراع على سوريا.

لقد قدمت الحالة السورية، بوضوح الشمس، الدليل على أن العنف هو الوسيلة الأسرع لانتصار الموت على الحياة، والظلم على العدل، والهدم على البناء، والعقليات التسلطية على طموحات الحرية والانعتاق.

كما انتهت الحرب الأفغانية بتسليم السلطة لمن يغلق مدارس البنات، ويقمّط النساء، ويُلزم كل موظف حكومي بإطلاق لحيته، ولو كان اسمه سيد قطب أو رجب طيب أردوغان، كذلك انتهت “الحرب” السورية إلى ساحة لم يبق فيها سوى العصابات المسلحة وفيالق الدول المتدخلة لأسباب شديدة “الإنسانية”، تمنحها “الحق” في القيام بأكثر الأعمال قذارة.

بعد أربعة عشر عامًا من الخراب، حكمت الديكتاتورية الدموية العاصمة، بينما حكمت “الديكتاتوريات المسخ” الأطراف. عادت المخابرات التركية والبريطانية والأمريكية إلى قاعدتها الشرعية المعروفة: لا يوجد شر مطلق”! يمكن إعادة تأهيل “القاعدة” و”هيئة تحرير الشام” وتلبيسهما ثوبًا جديدًا مزخرفًا، طالما أدركوا أن الغرب ليس عدوهم، بل وسيلتهم الوحيدة لإشباع نهمهم إلى السلطة. فلا عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة.

لقد كشف دونالد ترامب، منذ دخوله مراكز القرار في واشنطن، أن حربه على الديمقراطية وحقوق الإنسان أكثر فعالية من شعاراتهم الزائفة. وبعد سنين، اكتشف أن “السلفية الجهادية”، لا الموساد، هي من نقل العدو الرئيسي من تل أبيب إلى كابول.

ويحدثنا السفير الأمريكي روبرت فورد، الذي شارك في تجهيز “الكونترا” في نيكاراغوا في شبابه، عن “مآثر” السلفية الجهادية، تلك التي شكّلت المادة الخام في “الحرب على الإرهاب” التي استمرت عقدين من الزمن، وكيف نجحت “الأجهزة الغربية” في استقطاب أبناء القاعدة، ليصبحوا منفذين طائعين لما تطلبه المنظومة العالمية.

أما الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت، والنصف مليون الذي سقط، والملايين التي هُجّرت، فالمسؤولية فيها – بحسب السردية الرسمية – تقع على “الفلول”. بينما يغيب عن المحاسبة كل رموز السلطة البائدة وأركانها، يُختزل مفهوم “الفلول” في “أم سامر” و”أبو علي”، وفيمن قضى أكثر من عشر سنوات في سجون الأسد، فقط لأنهم: علويون. ويصيح الغوغاء، وهم يلاحقون الموحدين الدروز: “إلا رسول الله!”

بعد جريمة قصف المستشفى المعمداني من قبل قوات الأبارتايد الإسرائيلي، كتبتُ مقالة بعنوان: “المشفى المعمداني أو الفصل الأخير في الحرب على الإرهاب.” كنت أظن أن الإبادة الجماعية في غزة ستُسقِط ورقة التوت الأخيرة عن هذه الحرب القذرة. لكني لم أتوقف كفاية عند نقطة جوهرية: هذا الاستعمال المتجدد والمقزّز لـ “الحرب على الإرهاب” ليس طارئًا، بل هو عضوي وبنيوي، وجزء لا يتجزأ من استراتيجية هدم الحقوق الإنسانية في بلدان الغرب نفسه، واستعباد شعوب المنطقة.

ذلك أن “الإرهاب”، ومن يشنّ الحرب عليه، هما معًا جزء من استراتيجية ضرورية لسيادة التوحّش في أرض الأبجدية، ومهد الحضارات والديانات.

لهذا، أرغب اليوم في تسجيل نقطة نظام:

  • إعلان نهاية “الحرب على الإرهاب”،
  • الكشف عن احتواء هذا “الإرهاب” من قبل من مزّق دولًا وشعوبًا باسم هذه الحرب القذرة،
  • الدعوة إلى توسيع جبهة المقاومة المدنية العالمية.

نحن في زمن، نحن فيه بأمسّ الحاجة، من أجل البقاء الجماعي، إلى الدفاع عن حقوق الإنسان، وعن البيئة، وعن السلام.

مداخلة الدكتور هيثم مناع في ندوة “دور الحركة الحقوقية العالمية في تعزيز ودمقرطة منظومة حقوق الإنسان في ظل الواقع الدولي الحالي”، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الرباط، 22 مايو 2025م

Scroll to Top