ديسمبر 06, 2021

من يعتذر للشبيبة المهاجرة

immigrantsفي السابعة و 42 دقيقة بتوقيت غرينتش مساء السبت 10/7/2004، وفي غمرة التعبئة للتعريف بقرار محكمة العدل الدولية حول جدار الفصل العنصري، وصلنا خبر عاجل من وكالة فرانس برس يتحدث عن اعتداء وقع بحق امرأة فرنسية من عائلة يهودية اعتدى عليها (وفقا لدعواها ووصفها) ستة من الشبيبة ذوي السحنة المغاربية. قالت أنهم مزقوا قميصها وبنطالها وقصوا شعرها واعتدوا على طفلها البالغ من العمر 13 شهرا ورسموا على بطنها صورة الصليب المعقوف (علامة الحزب النازي). على التو، أصدر وزير الداخلية بيانا يدين بحزم “هذا العدوان الذي يزيد من خطورته تصرفات عنصرية ومعادية للسامية”. والحقيقة أنني اهتزيت من أعماقي من سماع الخبر، لكنني توقفت عند قصة الصليب المعقوف، الذي لا يملك أي معنى إيجابي عند شبيبة الهجرة الذين أعتقد أني أعرفهم جيدا. مما جعلني أتعامل مع الحدث بحذر شديد.

هذا الحذر لم يشاطرني فيه لا الطبقة السياسية الفرنسية، ولا منظمات حقوق الإنسان في فرنسا، كان بعد ذلك يوم الاثنين يوما للصحافة المعادية للمهاجرين والأحياء الصعبة. ورغم نداءات رئيس الوزراء رافران إلى الشجاعة للدفاع عن ضحية عدوان جبان وعنصري، وتدخل رئيس الجمهورية وتحرك كل الأحزاب السياسية، لم يتقدم شاهد واحد من الحافلة المذكورة للشهادة. كما ولم تعثر إدارة المحطة على صور ستة أشخاص نزلوا في محطة سارسيل. عندها اضطر البوليس لفحص التلفون النقال للضحية، ليجد مكالمة عادية تمت وقت وقوع الحادث المزعوم من باريس، حيث أن السيدة هذه لم تركب القطار ولم يعتد عليها أحد. مع كل ذلك، وقف وزير الاقتصاد السابق دومينيك ستروس كاهن ليقول: “حتى لو كان ما حدث عملية مدبرة، فإن هذا لا يغير في الأمر شيئا لأنها المرة العاشرة أو العشرين التي يحدث فيها اعتداء من هذا النوع”. لقد تعدت تصريحات المزاودة اليمين واليسار، حيث استنفر فيها ميشيل توبيانا رئيس الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان وتبعه مولود رئيس (المراب). قامت الدنيا ولم تقعد لإخبارنا بأن العداء للسامية في صفوف الشبيبة المغاربية الأصل ظاهرة مخيفة.

بعد اتضاح فبركة القصة من قبل امرأة لها سوابق مع البوليس ومصنفة مهووسة بالكذب (ميتومان)، لم يطرح مسئول فرنسي واحد على نفسه قضية الاعتذار لكل ما قيل عن الشبيبة المغاربية الأصل في جريمة وهمية. لا من السياسيين ولا من الصحافيين(الذين وصل الأمر عند البعض منهم لاعتبار هؤلاء “أعداء طبيعيين للسامية”). عودتنا لهذه القصة إنما الغرض منه التأكيد أن على غياب الاعتذار ليس مجرد مسألة شكلية أو ذات أهمية ، ولكنها نهج عام سلكته الطبقة السياسية وصار من عوامل ترسيخ العنصرية اليومية تجاه أبناء وأحفاد المهاجرين،غياب الاعتذار ترجمة لغياب الاعتبار.

كم من حوادث القتل وقعت بخطأ بوليسي بحق شاب مهاجر الأصل، كم من اعتداء على حرمة البيوت وعلى السلامة النفسية والجسدية لهذه “الفئة من المواطنين” حصل ولم تستتبع كلمة حسن نية واحدة من مسئول سياسي؟  لماذا نطالب اليوم مراهقي الضواحي بحمل قيم الجمهورية التي تخونها الطبقة السياسية في فرنسا على قمة الأشهاد؟

عندما يصنف المرء خارج إنسانيته، كيف يطلب منه استعمال أغلى ما عند الإنسان، عقله، في الرد على التطبيع العام مع عدوان يومي اسمه التمييز؟

اليوم، عندما تنفجر ضواحي شمال باريس بعد مصرع مراهقين هاربين من الشرطة، لا تجد الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان ترجمة لما يحدث إلا بالحديث عن “ثلاثة عقود من الفشل وثلاث سنوات من العسف المعتبر سياسة حكومة”. وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، الذي وصف القائمين بأعمال مشابهة قبل أربع سنوات “بالزعران غير المسيسين”، اختار هذه المرة تعبير (راكاي)، أوباش أو حثالة لوصف المتمردين. ولم يجد تفسيرا لتصاعد هذه الأعمال بعد تصريحاته الاستفزازية إلا القول أن هناك شبكة منظمة وراء ما يجري. ولم يبق إلا أن يخرج من جعبته “أبو مصعب الباريسي”.

“بلغ السيل الزبى”، عنونت افتتاحيتها إحدى أهم الصحف اليومية الفرنسية كأنها مع مظاهرة اليمين المتطرف تريد قصدا صب الزيت على النار، وقد صبته وأوصلت الحريق إلى ساحة الجمهورية وعدة مدن.

بأكثر التعبيرات هدوءا نقول بأن الحكومة الفرنسية قد فشلت تماما في تحديد سياسة ناجعة لأبناء المهاجرين. سياسة تجعلهم يشعرون بالانتماء الفعلي، وليس الاسمي للجمهورية. فوزير الداخلية، الذي لا يحلم بصوت يساري واحد في أية انتخابات رئاسية أو نيابية، يريد كسب اليمين المتطرف لجعل طموحاته الشخصية ذات أمل أكبر بالتحقق. الحكومة تقبل بمبدأ الحل الأمني في الأوساط الإفريقية والإسلامية لأن فيها من يعتقد أن هذا الحل يضرب أكثر من عصفور بحجر: حرب على الإرهاب، قطع للمهاجرين عن مشاكل الشرق الأوسط، ترهيب من كل تعبير متميز عن الهوية أو الانتماء، خلق شعور عند عامة الفرنسيين بالطمأنينة اليومية في أحياء صعبة العيش صعبة المذاق.

قبل قرابة عقد من الزمن، طالبتُ بلجنة تحقيق لمتابعة ملف العنصرية في الشرطة الفرنسية. وقد أثبتت اللجنة تقديراتنا عن تصاعد العنصرية بشكل كبير في أجهزة الأمن. في 15/3/2000، نشر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان تقريرا جاء فيه أن 70 بالمائة من الفرنسيين يعترفون بأن لديهم مشاعر عنصرية. يومها اتصلت اللجنة العربية لحقوق الإنسان بالعديد من نشطاء حقوق الإنسان الفرنسيين لدق ناقوس الخطر. وكان هناك نوع من الاطمئنان الكاذب أحيانا، كأن فرنسا بلد “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” لا يمكن أن تسقط في الإيدز العنصري. بعدها بقليل، بيّن إحصاء خاص أن 60 بالمائة من الفرنسيين يعتقدون بأن نسبة المتحدرين من أصول أجنبية عالية. بمعنى آخر، أصبح العديد من أطروحات اليمين المتطرف أمرا مقبولا من أغلبية مهمة في البلاد. وصار من المفترض أن يكون هناك سياسة قومية لكل الأحزاب الجمهورية ضد أي استعمال رخيص أو تسييس لغايات قصيرة النظر لهذا الملف في الصراعات السياسية الداخلية.

لماذا هي صعبة هذه الأحياء؟ لماذا تم تصنيف أكثر من عشرين منطقة باعتبارها ذات وضع خاص؟ هل لأن فيها أكثر من مائتي رجل دين متطرف كما يحاول البعض إقناعنا؟ هل لأنها ترسل المتطوعين للعراق كما يدعي بعض آخر (لم يتجاوز عددهم العشرة؟) هل لأنها تغذي العداء للسامية بتعاطفها مع الفلسطينيين؟ هل لأنها تنتج الرقص الإفريقي وتعيد الاعتبار للطوطم والتابو والمشعوذ والمعالج المارابو؟ أم لأنها تؤثر الحجاب على موضة كشف البطن؟

المشكلة أعمق من أسلوب عرض الصحافة الرخيصة في فرنسا لها بكثير. فعندما تصل نسبة البطالة عند السود والسمر في هذه الأحياء إلى خمسين بالمائة، وتسود القناعة بأن الكفاءة الفردية تأتي بعد لون البشرة أو طبيعة المعتقد، يصبح أبناء الضواحي مدافعين أشاوس عن فكرة عنصرية الدولة. هذه الدولة التي تجعل الفاشل دراسيا وحامل الدكتوراه فئة منبوذة بالعافية، تمنح أبناء جاليات في طور التفكك الطبيعي إحساسا قويا بالانتماء إلى مصير مشترك. إنها تكوّن جماعات ثقافية مميزة تمتلك كل عناصر الوجع الطبقي والنفسي، المعززين بإحساس الأقلية غير القادرة على تحصيل حقوقها. التكسير في هذا الوضع اللا إنساني ليس فقط رغبة في التصدي اللا عقلاني لعملية النبذ والطرد الاجتماعيين، وإنما الوسيلة المتبقية للتعبير لمن حرمه المجتمع الفرنسي من كل وسائل التعبير الأخرى. باستعارة تعبير باتريك جارو في صحيفة الموند: “متمردو اليوم ليس لديهم آفاق من تكرار عملية قتل وقتهم بدون فائدة، اللهم إلا إخراج أوضاعهم البائسة إلى الملأ. هؤلاء “الحثالة”، وخلافا لثوريي كومونة باريس، ليس لديهم ذاكرة أو حلم”.

يتعقد الأمر عندما تتناسى الحكومة وجود هؤلاء الشبيبة وجدية وعمق مشكلاتهم، مزدرية إياهم بالحديث الدائم عن الحلول الأمنية في الأحياء الصعبة. هذه الحلول التي تتجلى في زيادة عدد أفراد البوليس والدوريات، الحزم في التعامل مع هذه الفئة من البشر بغض النظر عن العمر… يتعقد الأمر أكثر عندما تسعى مجموعات ضغط، تخشى ولادة لوبي عربي في أوربة، لعرقلة اندماج هذه الفئة المؤثرة من حيث العدد والعمر. ويزداد الموضوع تعقيداً عندما تتحول الشبيبة المهاجرة إلى مادة استعمال سياسي رخيص، تبحث فيه الطبقة السياسية عن عرب خدمات أو سود ببغاوات عوضا عن البحث عن سبل الشراكة الحقيقية في المواطنة، أو يراهن هذا السياسي أو ذاك على كسب أصوات اليمين المتطرف والعنصريين بزيادة دوريات الأمن واستعراضات القوة. هذه الطبقة السياسية الرديئة لم تترك للشبيبة المنبوذة سوى العصيان من أجل العصيان.

هل يمكن لعملية التهميش والنبذ السياسي والثقافي والاجتماعي أن تعطي مواطنين يقبلون بقواعد منظومة رفضتهم بالأساس؟ عندما نطالب وزير الداخلية الفرنسي بالاعتذار أو الاستقالة، فذلك من أجل كرامة الجمهورية وحسب. أما الحل الحقيقي لمشكلة أبناء المهاجرين فلا يكفي له حتى رحيل الحكومة..

 لا بد من سياسة مختلفة بشكل راديكالي عن الموجود والمتبع للخروج من نفق الشرخ الاجتماعي والثقافي الذي حفرت فيه الحكومات المتتابعة، مبعدة شرائح اجتماعية واسعة لم يكن من خيار لها إلا أن تدير ظهرها لدولة القانون.

———————-

6/11/2005