مايو 18, 2024

هل يتوجه العالم نحو شتاء أسود ؟ ماذا بعد الهروب إلى العسكرة؟

لم تصمد الحكومة البريطانية سوى 44 يوما، ولن تكون مهمة خليفة ليز تراس مرصعة بالورود، اليمين المتطرف الشعبوي نجح في الحصول على أغلبية برلمانية في إيطاليا وأصبح التعامل معه إلزاميا لحفظ ماء وجه “التضامن الأوربي”، الحكومة الفرنسية تمرر سياساتها عبر المادة 49-3 لافتقادها الأغلبية البرلمانية، الحكومة الألمانية تواجه أعنف أزمة هجينة الطابع تضع على الطاولة السياسات الألمانية منذ مطلع هذا القرن: اعتبرت ألمانيا الصين مصنعا لها، وروسيا مصدر الطاقة لصناعتها والولايات المتحدة قبتها العسكرية، مع الاعتزاز اليومي بزواج ألماني- فرنسي يشكل عصب الاتحاد الأوربي!! مع توجه الدبابات الروسية إلى الأراضي الأوكرانية تهاوت معظم أركان هذه السياسات، واضطر الائتلاف الألماني الحاكم لاتخاذ قرارات اقتصادية وعسكرية قومية على مبدأ:
(كل مين يده له chacun pour soi, et Dieu pour tous ).
الإدارة الأمريكية تحاول عبر رفع أسعار الفائدة لوقف ارتفاع معدلات التضخم وتقدم لأوكرانيا مساعدات عسكرية وأمنية واقتصادية لا سابق لها، الكرملين يعلن تعبئة عسكرية جزئية ويوسع نطاق المواجهة العسكرية ويستعد للخروج من حرب الأسلحة التقليدية، مع الهروب الجماعي لعدد كبير من الشبيبة الروسية من الخدمة العسكرية. حُزم العقوبات الاقتصادية تتصاعد بشكل لا سابق له في التاريخ البشري المكتوب، تعبير الأمن الغذائي أصبح موضوعا مؤجلا، إن لم نقل منسيا… التغييرات المناخية لم تعد موضع شك حتى عند أكثر المعادين لأطروحات التلوث البيئي والانبعاثات الحرارية، وتضرب بقوة في باكستان وآسيا وأوربة والقائمة تتسع يوميا، تنفض أوربة الغبار عما أغلقت من مفاعلات نووية لمواجهة أزمة الطاقة، غلاء المعيشة يمس الدول الغنية والفقيرة، بلغت معدلات الفقر حدا لم تتوقعه أكثر المؤسسات البحثية تشاؤما، وانتشر وباء “العسكرة” في العقول والسياسات كما لم يحدث حتى بعد 11 سبتمبر 2001، يترحم الكثيرون على أيام “الحرب الباردة” مع اتساع نطاق الحروب الساخنة…
هل دخلنا، كما يقول الفيلسوف السلوفاكي سلوفاي جيجيك “حقبة ما فوق الجنون”؟
“لم أكن أريد ذلك” ICH HABE DAS NICHT GEWOLLT، بهذه الجملة، عبّر الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني Guillaume II في 9 نوفمبر 1918؛ عن المأساة التي آلت إليها الأوضاع، عندما تنازل عن العرش ولجأ إلى هولندا، فهل منع ذلك فظاعات الحرب العالمية الأولى؟
الوضع الدولي اليوم أسوأ، فهل ثمة من يخرج من امتهان صناعة الكذب التجميلية والمخدرة للناس؟ هل يمكن بمختزلات تافهة اعتبار التصعيد العسكري والحرب الاقتصادية والإعلامية انتصارا لهذا الطرف أو ذاك؟ لقد بدأت العولمة النيو ليبرالية بالانحسار منذ أزمة 2008 الاقتصادية، فماذا ستقدم موسكو للعالم، وقد بدأت لوحة عالمٍ متعدد الأقطاب ترتسم قبل الأزمة الأوكرانية في 2014؟ كذلك خرجت واشنطن ذليلة من حربها في أفغانستان قبل “العملية العسكرية الخاصة” الروسية بأشهر فماذا ستجني مما يسميه خبراء الناتو “Perfect War” أي بتعبير واقعي: صناعة الوهم … تجمعُ “مثقفي” الحرب المشهدية يستنفر للدفاع عن الناتو، من دانييل كوهين بنديت الأخضر إلى دافيد فيليبس “الحقوق إنساني” إلى برنار كوشنر “الإنساني” وبرنار هنري ليفي “بتاع كله”… من كان يتصور كوهين بنديت، ابن 1968 والزعيم الأخضر الذي وقف معنا ضد احتلال العراق وضد تدخل الناتو في ليبيا يصرخ: “البارانويا المعادية لأمريكا سلاح من أسلحة بوتين”…
كتبت في شهر مارس/آذار 2022: “كغيرها من الحروب، هذه الحرب قذرة بالضرورة، لذا ليس المهم قياس درجة القذارة والتوحش… المهم في حرب كهذه، أنه لا يوجد رابح وخاسر، بل خاسر وخاسر، الأمر الذي لا يمنع تجار وأمراء الحرب من الاحتفال “بغنائمهم”.
هل هو الدفاع عن “الديمقراطية” كما يؤكد السياسيون والباحثون الغربيون؟ منذ متى تبنى الديمقراطية على ظهر المؤسسات الأكثر فسادا في أوربة؟ وفقًا لتقرير خاص نشرته محكمة المراجعين الأوروبية في 23 سبتمبر 2021 “لا يزال الفساد الكبير و”الاستيلاء على الدولة” متفشيًا في أوكرانيا، على الرغم من الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي والتي جعلت مكافحة الفساد في هذا البلد أولوية شاملة”. يذكّر التقرير بأن “المفوضية الأوروبية خصصت ما يقرب من 5.6 مليار يورو لبرامج المساعدة المالية الكلية (MFA) و 2.2 مليار يورو لبرامج المساعدة منذ عام 2014. كما ضمنت المفوضية القروض الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي والتي تبلغ 4.4 مليار يورو. وأن الاتحاد الأوروبي هو المانح الرئيسي للأموال لأوكرانيا. إلا أنه يعترف بعدم القدرة على التأثير “في الاحتكارات الفاسدة واحتكارات الأوليغارشية الأوكرانية”… فهل يمكن لاقتصاد الحرب تحرير الاقتصاد الأوكراني من سرطان الفساد؟
بل ومنذ متى، يمكن لمن تتراجع الديمقراطية في عقر داره يوما بعد يوم، أن يساعد على بنائها وراء الأطلسي؟ تذكرنا الباحثة الأمريكية راشيل كلينفلد Rachel Kleinfeld بالمؤشرات الدولية للانحدار السريع للديمقراطية الأمريكية وما آلت إليه في الولايات المتحدة. هل من الضروري التذكير، أن كل المقاييس الدولية الرئيسية للديمقراطية في العالم اليوم، صناعة غربية مسجلة، وهذه المقاييس نفسها، تدل على تراجع خطير للولايات المتحدة، وللمثال لا للحصر: يرسم مؤشر أنواع الديمقراطية تنامي الاستبداد منذ عام 2010؛ خفّضت وحدة المعلومات الاقتصادية من تصنيف الولايات المتحدة إلى “ديمقراطية معيبة” “flawed democracy” في عام 2017؛ يصنف “المعهد الأوروبي الدولي للديمقراطية والانتخابات” الولايات المتحدة الآن على أنها “ديمقراطية متراجعة” “backsliding democracy”. ويظهر تقرير فريدوم هاوس الأخير الولايات المتحدة في أحد أسرع المسارات الانحدارية في أي بلد، ويصنف حاليا الجودة الديمقراطية للولايات المتحدة إلى جانب رومانيا وكرواتيا. فعن أية ديمقراطية يتحدثون؟
هل يمكن وقف تفسخ العولمة النيو ليبرالية الأحادية القطب عبر الحروب؟
قبل الحرب الحالية، لم تنجح الولايات المتحدة في الاستثمار في الحروب التي شاركت بها مباشرة أو خاضتها بالوكالة، ولن تشكل هزيمة الروسي العسكرية بل حتى تفتيت الاتحاد الروسي، وهما الفرضيتان التي يجري الرهان عليهما من حلف الناتو، وقفا لعملية تراجع العولمة الحتمية Deglobalization التي وصلت إلى حلقتها الخلدونية الأخيرة. وكما لن يكون للاتحاد الأوربي مكانة متقدمة في النظام العالمي طور التكوين، سيكون للاتحاد الروسي المصير نفسه.
المأساة التي يعيشها العالم اليوم، هي في الهروب إلى العسكرة أمام مشكلات وجودية تتعلق ببقاء الجنس البشري في بيئة صالحة لحقه في الحياة. وكلما أغمض الأغنياء والأقوياء العين عن الهوة الساحقة بين الأفقر والأغنى، واستمروا في النظر إلى المشكلات الجوهرية من منظار مصالحهم السياسية والاقتصادية الآنية والضيقة، فلن يكونوا بمنأى عن المستقبل القريب الأسود الذين اعتقدوا بأنه من حصة منسيي المنظومة العالمية التي اكتفت حتى الآن بتسجيل أرقام وفيات الأطفال عندهم ونسبة التصحر في أراضيهم الزراعية “سابقا” وزيادة الفقر المدقع في قراهم ومدنهم، وصيرورة الهجرة إلى الشمال المشروع الأول لشبيبة لا تجد حولها سوى البطالة والنفايات والأوبئة، ووسائل القمع “المحدثة” من أشباه ديكتاتوريات في أشباه بلدان.
لم يعد الحديث عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الكبرى القادمة، التي اعتاد العالم حصرها بالدول الفقيرة، من مواضيع النخب وذوي الاختصاص. وقد تعدى الأمر المؤسسات المختصة والخبراء إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام العمومي. الصحافة البريطانية الشعبية تدلي بدلوها، CNN الأمريكية تطرح “سؤال المليون”: متى تعلن أمريكا دخول اقتصادها مرحلة الركود؟ موقع “فرنسا 24” يعنون: ركود في أوروبا عام 2023؟
قبل هؤلاء، وفي مقابلة مع “عربي 21″، نبه المفكر الاقتصادي الفلسطيني الدولي محمد عبد العزيز ربيع من يود أن يسمع: “إن استمرار الركود الاقتصادي الحالي من شأنه أن يقوي احتمالات حدوث انهيار اقتصادي عالمي في العام المقبل، وذلك على غرار ما حدث في عام 1929، خاصة إذا فشلت اقتصاديات الغرب والصين من التعافي مع نهاية العالم الحالي ومعاودة النمو ولو بنسبة ضئيلة في العام المقبل”…
يبدو أن نتائج معركة خيرسون والانتخابات الأمريكية القادمة، أهم بكثير عند أصحاب القرار في الولايات المتحدة من نبوءة الفلسطيني المولود في يافا، أما السياسيين الأوربيين، فلا يجدون إجابة على الأوضاع البائسة التي تنتظر مواطنيهم سوى القول: “تتطلب الحرب في شرقي أوربة، الخروج من اقتصاد السلم والتأقلم مع فكرة “اقتصاد الحرب”…
ما زال أصحاب القرار، من موسكو إلى واشنطن، يعتبرون “الحل العسكري” ممكنا في تعاملهم مع القضية الأوكرانية، فهم يمارسون التحطيم الذاتي لكل المعنيين بهذا الصراع الذي ارتقى، أو بالأحرى انحدر، إلى حرب دولية هجينة كارثية النتائج. الأمر الذي يعني أن الشتاء الأوربي لن يكون قاسيا وحسب، بل سيكون أسودا…
—–
مفكر وحقوقي
عن “العربي 21” في (25/10/2022)