أبريل 12, 2024

أوكرانيا.. الاختبار الكبير لمنظمات حقوق الإنسان الغربية

شكلت التسعينيات هزة عالمية كبيرة على صعيد المجتمع المدني وحركات حقوق الإنسان. فقد نجحت حركات مدنية تلقائية أو بدائية التنظيم وبإبداعات غير عنفية، في مواجهة النظام الشمولي الذي قام في الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو، وتقاربت منظمات الشمال والجنوب في قضايا أساسية مثل مأسسة العدالة الجنائية الدولية، مناهضة العقوبات الاقتصادية الأحادية الجانب لتأثيرها الكارثي على الفئات المستضعفة في الدول التي تخضع لها، تطوير مفهوم الأمن الإنساني، في مواجهة استراتيجيات “الأمن القومي” والمصلحة القومية العليا”، تعزيز دور وأهمية الوساطة والتفاوض في الصراعات الحادة والمقاومة المدنية في مواجهة التعسف والاستبداد، إصلاح منظومة الأمم المتحدة ودمقرطتها، المطالبة بحل الأحلاف العسكرية، إعادة النظر في مفهوم التنمية وآليات عمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي تهيمن على رقبة سياساته الولايات المتحدة الأمريكية، ابتكار الأشكال العملية الممكنة لتحقيق الحد الأدنى من احترام الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلدان الأكثر فقرا..

لم تكن هذه الحركات من السذاجة لتعتقد بأن سادة المنظومة العالمية سيقدمون لها الورود،  فالأطروحات الجديدة تقف بصرامة ضد نقاط ارتكاز العولمة النيو ليبرالية التي أعلن منظروها “نهاية التاريخ” وصادروا إنجازات الشعوب معتبرين إياها انتصارا لسحر السوق على سحر التخطيط، وصوابية النموذج النيوليبرالي، ليس فقط على الأشكال التسلطية والشمولية لإدارة الدولة، بل على التيارات “الاشتراكية الديمقراطية” والتقدمية الغربية التي وضعت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في برامجها، بنسبة أو بأخرى، باعتبارها ترسانة وقاية ضرورية في وجه التفاوت الهائل في توزيع الثروات والامتيازات في المنظومة العالمية World-System… 

رفضت الولايات المتحدة الأمريكية منظومة الحقوق الخمسة (السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية) منذ الخمسينيات، ولم تصدق حتى اليوم، على العهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وحدها، مع الصومال، لم تصدق على اتفاقية حقوق الطفل، ووقفت في وجهنا بقوة لمواجهة أي ميثاق دولي ملزم فيما يتعلق بالحق في التنمية. حيث صوتت ضد الإعلان عن الحق في التنمية مع بريطانيا واليابان. 

كذلك كان موقفها سلبيا على صعيد العدالة الجنائية الدولية حيث أصرت، مع الاتحاد الروسي والصين الشعبية وبريطانيا، على دور مركزي لمجلس الأمن في مباشرة الملاحقات الجنائية وفي وقفها بعد عام، ومع ذلك رفضت ثلاث دول أعضاء في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، الصين الشعبية والاتحاد الروسي) الإنتساب لمحكمة أعطت لمجلس الأمن دور “الحكم المقرفص المتربص”، في بدعة على النظام القضائي العالمي، المؤسس على مبدأ القضاء الواقف والقضاء الجالس، أي قضاء المقاضاة الذي يكفل حق الدفاع. فرنسا، أجلت دخول ميثاق روما حيز التنفيذ سبع سنوات، تكفل الموت الطبيعي لآخر مجرمي الحقبة الاستعمارية في استثناء لم تطرحه أية دولة عضو في المحكمة، أما الولايات المتحدة الأمريكية فقامت بتوقيع 64 اتفاقية ثنائية مع دول وقعت على اتفاقية روما تضمن حماية “المواطن الأمريكي” من أية ملاحقة قانونية بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. أما على صعيد “حقوق البيئة”، فلم تكن المعركة أقل حدة وشراسة. ولم تكن فترة “الحرب الترامبية”، وغياب الالتزام الصيني والروسي وحدهم في مواجهة نضال المدافعين عن وقف التدهور البيئي على صعيد كوكبنا، فمنذ انتهج الرئيس جو بايدن سياسة تأمين احتياجات السوق من الغاز والنفط عبر الوسائل التقليدية لمحاصرة موارد الطاقة التقليدية الروسية في الحرب الأوكرانية، لم تعد دول الناتو تعير أي اهتمام عملي للقضايا البيئية الحيوية والعاجلة. 

عود على بدء

بدأ الهجوم غير المباشر على المجتمع الحقوقي والمدني العالمي، عبر البطن التاريخي الرخو للمنظمات الحقوقية الغربية: إسرائيل والكوسوفو. كان قصف الناتو لصربيا أول حرب دون جرحى أو قتلى في صفوف المعتدي، وكما قال لنا أحد الجنرالات الغربيين وقتها: “لن يكون هناك مراسيم كفن واحتجاجات من أهالي جنودنا… هذه أول حرب نظيفة”. بالمعنى النفسي ـ الاجتماعي، كان جنرال الناتو يعني ما يقول، فالنصر العسكري السريع الذي حققه الناتو أعاد فكرة “الحرب الضرورية” والحرب العادلة” إلى الحياة.. 

أما في اسرائيل، فقد شكل نجاح بنيامين نتانياهو في تشكيل حكومة يمينية في 1996 ضربة قاتلة لاتفاقيات أوسلو. وبعد أن كانت المنظمات الحقوقية والمدنية الشمالية تراهن على هذه الاتفاقيات لنجاح حل الدولتين، وجدت نفسها أمام عدو لهذا المشروع يسمي الأراضي الفلسطينية المحتلة “يهودا والسامرة” ويعتبرها جزءا من إسرائيل. 

المنظمات الشمالية، رغم خضوعها لتسونامي الحرب المشهدية في أوكرانيا اليوم، فهي أمام اختبار تاريخي: إما أن تتمكن من القيام بمهماتها، باستقلالية تامة، عن حلف الناتو ومراكز الضغط الغربية، الأمر الذي سيعيد هيومان رايتس وتش إلى “هلسنكي وتش”مكرر بعد ثلاثين سنة، أو أنها ستخوض معركة الحقوق والحريات والسلام، بعيدا عن الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها؟

قسم غير قليل من الحقوقيين الغربيين خرج منذ ذاك العام بإطروحة تقول: “لا يحق لنا التدخل في سياسة حكومة انتخبت ديمقراطيا”؟ ثم بدأت هذه المنظمات بالعمل منفردة ومع من استقطبت، على موضوعة جديدة تربط بين نقد دولة إسرائيل وسياساتها والعداء للسامية، ولا يغيب عن القارئ ما حققته من “إنجازات” على الصعيد القانوني في الولايات المتحدة وأوربة في مناهضة المنظمات المدافعة عن الحقوق الفلسطينية. كان لهذين الحدثين أثرا كبيرا في اختراق أكثر من جبهة نضالية: جبهة النضال ضد العنصرية والتمييز العنصري، وجبهة مناهضة الحرب والعنف. 

لم نعد نشهد بيانات مشتركة بين الرابطة الدولية لمكافحة العداء للسامية والعنصرية LICRA وحركة مناهضة العنصرية والصداقة بين الشعوب MRAP. وقد فشلنا في طرد الجمعية الإسرائيلية للحقوق المدنية من الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، واكتفى المكتب التنفيذي بتجميدها لسنة إلى أن تغير رئيسها (الذي حاكم أطفال الانتفاضة). وبقدرة قادر، ولدت منظمات احترافية “غير حكومية” ممولة بشكل جيد نالت الصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة مهمتها محاربة كل من يناضل من أجل الحقوق الفلسطينية إلخ. 

شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 منعطفا كبيرا على صعيد الحقوق والحريات، فقد جمدت كل مشاريع الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان لسنوات، وعولمت حالة الطوارئ، وطبّعت مع كلمات كادت تنقرض في القارة الأوروبية (السجون السرية، القوائم السوداء، المقاتلون الأعداء، معسكر الخير ومعسكر الشر، التعذيب، الأمن أولا.. والأمن أخيرا…) وفتحت أوتوسترادا واسعا للحروب، باعتبارها “الطريق الأمثل للسلام والأمن”. ولكي يبلع الجمهور الأمريكي والغربي الحبوب المخدرة الجديدة، أصبح تعبير “الحرب على الإرهاب” هو اللازمة الضرورية لضرب مكتسبات البشر على صعيد الحقوق الإنسانية وحقوق الشعوب في الصميم.

لم ترضخ المجتمعات المدنية والحقوقية العالمية لهجمة “المحافظين الجدد” المسلحة، وإن كان من الصعب بناء جبهة واسعة ضد الهجوم العسكري على أفغانستان، فقد استطعنا بناء جبهة واسعة ضد الحرب في العراق. وكم كانت سعادتنا كبيرة في اليوم التاريخي الذي نجحت فيه المنظمات الحقوقية والمدنية والسياسية التقدمية من تنظيم مظاهرات احتجاج على الحرب في 15فبراير/شباط 2003 شارك فيها ربع مليون شخص في باريس وحدها و11 مليون شخص في أنحاء العالم. لم تمنع هذه التظاهرات المليونية التحالف الأمريكي-البريطاني من غزو العراق، ولكن الطرف الأول، للأسف، الذي أدرك خطورة المجتمعات المدنية العالمية على “بلدوزر الحرب على الإرهاب” كان استراتيجيو الدولة الأمريكية العميقة، وأنصار حلف شمالي الأطلسي في بروكسل. 

ومنذ مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية في صيف 2003، جرى إغراق “السوق” بالمنظمات الممولة تحت الطلب، وبدأت “تجارة البؤس” تدخل الأوساط المدنية بقوة، عبر منظمات الموظف الواحد والتمويل السهل، والاحتراف “النضالي” وخردقة الأوساط المدنية من داخلها. في أكبر هجوم غير مرئي ومخملي على المنظمات غير الحكومية. هجوم لم يلبث أن أمسك برقبة العديد منها وعرقلة أشكال التحالف والتشبيك بينها.. وما زلت أذكر تلك اللحظة التي جلسنا فيها نناقش تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان، ووقف فيها وكيل وزارة الخارجية الأمريكي مايكل بوسنر، أي مؤسس منظمة “حقوق الإنسان أولا” وقبلها محامون من أجل حقوق الإنسان الأمريكيتين، والذي تحول إلى مدافع عن السياسة الأمريكية والإسرائيلية في منصبه الجديد. لقد نجح الاتحاد الأوربي والإدارات الأمريكية بعد 15فبراير/شباط 2003، في خردقة وزعزعة أكبر قوة تلقائية عالمية هائلة للسلام وحقوق الإنسان، وما من شك بأن الميزانيات التي خصصت لذلك، كانت أكثر من بليونية بكثير. 

إن تسييس المساءلة القانونية الجنائية، الذي تجلى في الضغوط العلنية والمستمرة، لإغلاق ملفات جرائم الحرب في أفغانستان من قبل دول الناتو، وإضفاء الطابع الاستثنائي على إسرائيل والمماطلة في بحث الشكاوى المقدمة ضدها للمحكمة الجنائية الدولية، في الوقت الذي يرسخ فيه الفصل العنصري ونظام الأبارتايد يوما بعد يوم، سيطعن في مصداقية التحقيقات والملاحقات القضائية في أية قضية تتعلق بأوكرانيا.

عنما تلقيت مسودة بيان من الصديق نظام عساف حول “الأزمة الأوكرانية، شعرت بسعادة كبيرة لأن هناك من ما زال يحمل “روح 15/2″، بيان خال من الحسابات والتدقيق الضروري “لعدم الإزعاج”. وكانت سعادتي أكبر عندما وافقت 99 منظمة غير حكومية على التوقيع عليه. وقد اتصلت، بدون أوهام، بعدد من وكالات الأنباء الدولية، إلا أن الأمر لم يعنيها من قريب أو بعيد، بمجرد قراءة الأسطر الأولى.. أما المنظمات الغربية “الصديقة”، فاعتذرت بأدب، اعتذار أقل ما يمكن أن يقال فيه “قليل الأدب”. 

لقد وقعت ضغوط هائلة على المنظمات الشمالية في الأيام الستين الأخيرة، للإصطفاف المسبق والتناغم “الحقوقي” مع المواقف السياسية لحلف الناتو والاتحاد الأوربي.. بما في ذلك إحباط مبادرات لجمع رموز من المجتمع المدني الروسي والأوكراني، حتى محاولة مجلس الكنائس العالمي لجمع بطاركة الكنيستين الأرثذوكسيتين في أوكرانيا وروسيا في جنيف، تم إجهاضها من قبل “الحياد السويسري” الذي رفض إعطاء تأشيرة دخول للوفد الروسي.. 

لقد أسقطت الحرب في أوكرانيا الكثير من الأقنعة، وأظنها فرصة ليس فقط للفرز، بين من يعيش من حقوق الإنسان ومن يعيش من أجل حقوق الإنسان، بين من يوظف حقوق الإنسان وضحايا انتهاكاتها وحسب، وإنما بين حقوق الإنسان والشعوب كقيمة عليا، وبين نظام عالمي جائر، يسحقنا عند توافق الكبار فيه، ويسحقنا ثانية، في صراعاته البينية. 

عمى الألوان وازدواجية المعايير

في جملة مرعبة ولكن صادقة، قال لي المحامي دانييل جاكوبي Daniel Jacoby، وكان رئيسا للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، قبيل مشاركتي في بعثة تحقيق في آزاد كشمير في 1992: “أول ما ستكتشف في هذه البعثة، قوة التأثير والفعل للمنظمات الدولية. نحن نعمل على الانتهاكات في كل دول العالم، ولديك نشرة أخبارية أسبوعية وتقرير أو اثنين في الشهر، أي أن أصحاب القرار في المنظمة هم الذين يحددون في الأوقات الهادئة سياسة توجيه الأضواء وتحديد الأولويات. وكوننا بشر ولدينا خلفيات سياسية مختلفة، تختلف هذه الأولويات. أي بلد يفشل في تحويل مشكلته إلى قضية دولية، سيتعرض حكما للإبتعاد عن الأضواء وبالتالي عن أولوياتنا.. ما ثبت لي من تجربتي الطويلة، أننا لسنا سلطة مضادة contre pouvoir دولية، بل للأسف، وفي كثير من الأحوال طرف يخضع لقوانين الفعل ورد الفعل السياسية ويجري خلفها”. 

رغم خلافي المبدئي مع الفقيد جاكوبي، في قضايا جوهرية، كنت أحترم عنده هذه الأمانة في تقييم أداء “المنظمة الدولية الحقوقية” في بلدان الشمال. وكنت دائما أشدد على أن هذه المشكلة “ليست قدرا” وأن تشخيص المرض بشكل جيد يسمح بالشفاء منه. لذا لم أكن أجد حرجا من وصف أوديل سوديم بولان الأمينة العامة للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، لي بأصولي fondamentaliste حقوق الإنسان. 

رغم كون منظمة العفو الدولية قد حددت مجال اختصاصها بأربع مواد من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مواد تتعرض لموضوعات حلت مبدئيا في أوربة الغربية (الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري، التعذيب وحكم الإعدام)، وأن هيومان رايتس وتش هي الإبنة غير الشرعية لمنظمة “هلسنكي وتش” المحددة الدور والمهمة في الحرب الباردة، وأن الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، كان 90 بالمئة من بعثات التحقيق التي تقوم بها يتعلق بالمراقبة القضائية حتى 1992. كان لدينا قناعة بأن هذه المنظمات الشمالية لن تنجح بالبقاء على قيد الحياة والدور، بعد سقوط جدار برلين، إلا بتوسيع اختصاصها ليشمل الشرعة الدولية لحقوق الإنسان عاجلا أو آجلا. 

من أجل ذلك لبينا الدعوة، مع عدد من المثقفين التقدميين، من أوربة الشرقية وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية للخوض في معارك الانتقال هذه، كذلك في الإسهام بقوة في نشاط المراكز الناشئة المهتمة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

لقد أسقطت الحرب في أوكرانيا الكثير من الأقنعة، وأظنها فرصة ليس فقط للفرز، بين من يعيش من حقوق الإنسان ومن يعيش من أجل حقوق الإنسان، بين من يوظف حقوق الإنسان وضحايا انتهاكاتها وحسب، وإنما بين حقوق الإنسان والشعوب كقيمة عليا، وبين نظام عالمي جائر، يسحقنا عند توافق الكبار فيه، ويسحقنا ثانية، في صراعاته البينية.

ومن نجاحات نهاية القرن الماضي، كان إعادة مفهوم “المجتمع المدني” و”السلطة المضادة” وولادة مصلح المجتمع المدني العالمي GCS، لكن هذه المعارك، التي تركت ندوبا وتقرحات في جسم النظام العالمي الجديد ـ القديم، نالها من الضربات ما لم يكن قاتلا، ولكن للأسف ما لم يجعلها أقوى. وفي العالم العربي يتضح ذلك بشكل أكبر من أي مكان آخر على كوكبنا. رغم أننا جميعا نرفض الحديث عن “المظلومية”، كما نرفض بناء حائط مبكى. كم كان من الصعب نشر تقرير التنمية العربية؟ إلى أي حد حورب تقرير 32 منظمة غير حكومية حول “الحرب والاحتلال في العراق”، كم تعرضنا من ضغوط عند تشكيل “التحالف الدولي ضد العقوبات الاقتصادية”، أثمرت عن انسحاب أهم المنظمات الشمالية، كم واجهت حملات “احترام حقوق الإنسان في ظل الحرب على الإرهاب” من تضييق وتهميش، كم كان من الصعب تمرير تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان؟ كيف تخاذل أنطونيو غوتيرس عن تبني تقريرين من أهم تقارير المنظمة الأممية: “الظلم في المنطقة العربية والطريق إلى العدالة” وتقرير “الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الفصل العنصري (الأبارتايد)؟ هذان التقريران اللذان يضافان إلى السجل المشرف للمناضلة المقدسية المولد الدكتورة ريما خلف، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للإسكوا، التي استقالت من منصبها احتجاجا على جبن الأمين العام في وضع بصمة الأمم المتحدة عليهما. 

ولكن مع هذا، أسست ريما خلف، مع عدد من المناضلات والمناضلين الأممين “المنظمة العالمية لمناهضة التمييز والفصل العنصري “أردي” في جنيف، ولم يعد بوسع المنظمات الحقوقية الصمت عن نظام الأبارتايد في إسرائيل فتتابعت التقارير من منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس وتش وبيتلسيم إلخ. للتأكيد على الطبيعة العنصرية للنظام الإسرائيلي.

أتوقف عند هذا المثل، للقول، بأن المنظمات الشمالية، رغم خضوعها لتسونامي الحرب المشهدية في أوكرانيا اليوم، فهي أمام اختبار تاريخي: إما أن تتمكن من القيام بمهماتها، باستقلالية تامة، عن حلف الناتو ومراكز الضغط الغربية، الأمر الذي سيعيد هيومان رايتس وتش إلى “هلسنكي وتش”مكرر بعد ثلاثين سنة، أو أنها ستخوض معركة الحقوق والحريات والسلام، بعيدا عن الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها؟ وكما كانت، معركة “تجميل صورة اليمين المتطرف الإسرائيلي قبل ربع قرن، سببا في أول شرخ كبير بين المنظمات المستقلة القرار، وتلك المرتهنة القرار، نحن ننتظر من هذه المنظمات أن لا تصاب بعمى الألوان وفقدان البوصلة الحقوقية. 

خاصة وقد صدرت الحرب في أوكرانيا، موضوعا يمس المجتمع البشري برمته، عبر إبراز قضية ازدواجية المعايير على كل الأصعدة. ففي وقت يمضي فيه صغار الساسة في قرارات “انتخابية الطابع”، فتمنح حكومة اإيمانويل ماكرون فرانسيس كاليفات، رئيس CRIF ، والعضو السابق في جماعة BETAR  اليمينية المتطرفة ، وسام الشرف برتبة فارس Chevalier de la Légion d’Honneur ، ويتم مقاضاة وحل، جمعيتان فلسطينيتان، “تجمع فلسطين ستنتصر” و”لجنة العمل الفلسطينية”، في فرنسا، بقرار من مجلس الوزراء، لاتهامهما بالدعوة إلى “الكراهية والعنف والتمييز”. 

يقوم الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عقوبات جماعية في مخيم جنين بدعوى “محاربة الإرهاب”، وكما ذكرت زها حسن في تقرير صادر عن “مركز مالكوم كير ـ كارنيغي” عن الحرب الأوكرانية ومعانيها في الشرق الأوسط: “عارضت الولايات المتحدة بشكل فاعل حملات مقاطعة بضائع المستوطنات (BDS) التي يقودها المجتمع المدني لدعم حقوق الإنسان الفلسطينية وكذلك المبادرات الدبلوماسية والقانونية في الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وقد تجلّى غياب التماسك في السياسة الأمريكية مؤخرًا في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حين دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن المجلس إلى إنهاء ‘التحيز غير المقبول ضد إسرائيل’، وترك إسرائيل وشأنها فيما طالب بمحاسبة روسيا. 

إن سياسة الكيل بمكيالين قديمة قدم الإمبريالية والغزو في عالم الأمبراطوريات، وأي قبول لهذه السياسة، عند من يصف نفسه بالسلطة المضادة في هذا العالم الجائر، إنما هو خيانة بحق هويتها ومبرر وجودها نفسه.

وبعد بضعة أيام فقط من بدء الغزو الروسي، فرضت الولايات المتحدة قيودًا على صادرات مصافي النفط الروسية، وأغلقت مجالها الجوي أمام شركات الطيران الروسية، ووضعت خططًا للاستيلاء على أصول الأوليغارشيين الروس، ودعمت تحرك المحكمة الجنائية الدولية ضد المسؤولين الروس. ويريد بعض أعضاء الكونغرس أيضًا سحب التأشيرات من الطلاب الروس. مع ذلك، تستمر إدارة الرئيس جو بايدن في استيراد السلع التي تُنتَج في المستعمرات الإسرائيلية غير الشرعية ـ وهي ممارسة تندرج فعليًا في إطار التهريب، لا بل تستوردها من دون سداد رسوم جمركية، وتوضَع على هذه المنتجات علامة “صُنع في إسرائيل”. 

وتمنح الولايات المتحدة أيضًا إعفاءات ضريبية للمنظمات غير الحكومية التي تدعم المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، فضلًا عن أنها تضغط، بحسب التقارير، على الفلسطينيين للتراجع عن مساعيهم الهادفة إلى الدفع باتجاه محاكمة الإسرائيليين المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية وإضافةً إلى معارضة إدارة بايدن حركات مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، تبنت أيضا تعريفا لمعاداة السامية ينظر إلى انتقاد سياسات الاحتلال الإسرائيلي على أنه شكل من أشكال خطاب الكراهية” (مررت فرنسا قانونا مشابها في 2019). 

إن تسييس المساءلة القانونية الجنائية، الذي تجلى في الضغوط العلنية والمستمرة، لإغلاق ملفات جرائم الحرب في أفغانستان من قبل دول الناتو، وإضفاء الطابع الاستثنائي على إسرائيل والمماطلة في بحث الشكاوى المقدمة ضدها للمحكمة الجنائية الدولية، في الوقت الذي يرسخ فيه الفصل العنصري ونظام الأبارتايد يوما بعد يوم، سيطعن في مصداقية التحقيقات والملاحقات القضائية في أية قضية تتعلق بأوكرانيا. ومن المرجح أن يتحدى هذا المسلك التمييزي، جهود الاتحاد الأوروبي المعلنة، “لاستعادة الاحترام للنظام الدولي القائم على القواعد والإطار المعياري الذي بُني عليه”. 

تحتاج المنظمات الغربية لحقوق الإنسان، للوقوف بحزم في وجه التعبئة العنصرية السائدة تجاه كل ما هو روسي والروسوفوبيا والعقوبات الجماعية الهستيرية التي تطال الرياضيين والأكاديميين والفنانين الروس، وأن تنتقد بصوت عال سياسات التمييز بين اللاجئين التي نشهدها بمرارة كل يوم، لكي تتمتع بحد أدنى من المصداقية عند شجبها لانتهاكات الحكومة الروسية في الحرب الأوكرانية وسعيها لتفعيل أشكال المساءلة القانونية في كل ما يتعلق بجرائم الحرب. وأن تكون في الصدارة في انتهاكات جسيمة يومية تعيشها شعوبنا في فلسطين والعراق وسوريا واليمن… 

إن سياسة الكيل بمكيالين قديمة قدم الإمبريالية والغزو في عالم الأمبراطوريات، وأي قبول لهذه السياسة، عند من يصف نفسه بالسلطة المضادة في هذا العالم الجائر، إنما هو خيانة بحق هويتها ومبرر وجودها نفسه. 

* رئيس المعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان في جنيف

 

نشر في موقع عربي 21