مارس 01, 2024

التحولات الجارية في النظام الدولي : تحديات وفرص للعالم العربي

نص مداخلة الدكتور هيثم مناع في الندوة التي نظمها مركز الحوار في واشنطن في 16/06/2023، مضاف إليها إجاباته على أسئلة المشاركات والمشاركين:

السؤال الأول الذي يطرح نفسه عند قراءة دعوة الصديق صبحي غندور هو: ما هي أبرز التحولات الجارية في المنظومة العالمية World-System؟ والسؤال الثاني: ما هي التحديات وما هي الفرص أمام من تبقى من الدول العربية في موقع يسمح له بهامش الفاعل وليس مجرد المفعول به مصلوب؟ من وجهة نظري، بدأت معالم التحولات الأساسية في النظام الدولي مع إعلان الإدارة الأمريكية “الحرب على الإرهاب”… فبعد سياسة الانسياب الاقتصادي والجيو سياسي المخملي إلى دول معسكر وارسو السابقة، شكلت هذه الحرب انتصارا للمدافعين والمدافعات (حتى لا ننتقص من دور فكتوريا نولاند المحافظة الجديدة التي دفعها ديك شيني وجو بايدن للمقدمة في هذا الملف رغم الخلاف والتفاوت الكبير بينهما!!) عن الطريق العسكري لهيمنة العولمة النيو ليبرالية. لكن العسكرتاريا تعني انتصار الأمن على الحرية، ولوبيات السلاح على مشاريع التنمية ومحاربة الفقر، والتغيير من فوق ومن الخارج على نضالات الشعوب المدنية، ووقف التقدم الحاصل على صعيد العدالة الدولية وصولا لتأميمه، وقف محاولات إصلاح الأمم المتحدة والتي أطلقتها منظمات مدنية وحقوقية قدمت دراسات متقدمة في هذا الموضوع قبل 11 سبتمبر…  لأن أي إصلاح يعني دمقرطة وشفافية وشراكة في القرار يخلصّنا مما يسميه الصديق جيمس بول:Foxes and Chickens . كنا نناضل لرفع حالة الطوارئ في سوريا ومصر وأكثر من نصف بلدان العالم، فإذا بنا أمام عولمة حالة الطوارئ على صعيد كوكبنا، وتحويل الأمل الديمقراطي إلى كابوس عبر تقزيم معناه ومحتواه. عندما تحدث الصديق حسن نافعة عن أمله في أمم متحدة مختلفة، ذكرّني كيف أوقفت الولايات المتحدة ما عملنا عليه من أجل “الأمن الإنساني”، والذي أوقفت الحرب على الإرهاب حتى فكرة النقاش فيه، كم ناضلنا من أجل إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 1998 من أجل “العقد الدولي 2001-2010 لإعلاء ثقافة اللا عنف والسلام لصالح أطفال العالم” لتدمّي الدبابات الأمريكية والأطلسية هذه العشرية بمئات آلاف الأطفال الذين شكلوا بالنسبة لمادلين أولبرايت “خسائر جانبية”؟  لكن من يزرع الشوك لا يحصد الورد، وكما يكون الغزو والاحتلال مشوها، تكون أشكال مقاومته هشة ورثة، وقد رأينا قانون نيوتن في الفعل ورد الفعل شريكان في انتاج التوحش. بحيث تحولت مهمة الأحرار إلى فعل الممكن لتقليل الخسائر… للأسف، كانت المنظومة الأحادية القطب في مطلع القرن الواحد والعشرين تملك رصيدا يسمح لها إلى حد ما، بامتصاص هزائم استراتيجية كبيرة في الاقتصاد والسياسة.. ولكن وكما يقول مؤلف كتاب “الأموال” (أبو عبيد بن القاسم) قبل عشرة قرون، يصعب الاستمرار في سياسة “العطاء دون غطاء”.   أشكر الدكتور حسن على إشارته إلى “الحروب الثلاثة” التي وضعت حدا للاحتكار الأمريكي لأخذ المبادرة في تحديد Next stop، فمنذ عام 2014، تحدثت مع حقوقيين وديمقراطيين أوكرانيين عن خطر أن تكون بلادهم ميدان حرب لم تعرفها أوربة منذ 1945؟ وكان جواب بعض الليبراليين الجدد منهم: روسيا التي لا يشكل اقتصادها أكثر من 3 بالمئة من الاقتصاد العالمي لن تجرؤ على خوض حرب كهذه… ليس هناك باحث غربي واحد اليوم يمكنه أن يؤكد إمكانية انتصار أي طرف في هذه الحرب على الآخر، ولكن عندما ندخل في منطق “قتال حتى النصر” فلن ترتفع راية النصر لأحد وكما قلت في الشهر الأول من هذه الحرب:  “نحن نعتقد أن الحكمة البشرية، بفطرتها، ومنطقها وتجارب الحياة على اختلافها، تتفق على أن الحرب، أية حرب، قذرة بالضرورة، لذا فليس المهم قياس درجة القذارة والتوحش، للحديث عن جرائم حرب. ففي حرب كهذه، لا يوجد رابح وخاسر، بل خاسر وخاسر… loser / loser بهذا المعنى، يمكنني أن أتحدث عن التحولات الجارية، باعتبار الحرب الأوكرانية قد أخرجت كل قاذورات مستنقع الوضع البشري إلى السطح: في الوقت الذي دشنت فيه الحرب وفاة ما تبقى من “سماح” ديمقراطي في روسيا وأوكرانيا، ونصبت منطق “غوبلز” في سيادة البروباغندا على أي تحليل عقلاني، وصيرورة الكذب صناعة والشعبوية فلسفة حياة/موت… من كان يخطر على باله أن تدفع مراكز بحث “للعصف الذهني” مبالغ طائلة من أجل دراسة “الشخصية الروسية بعد السوفيتية”؟ وأن تخرج علينا هذه المراكز بشروح حول الشخصية التسلطية والعنيفة للروسي، وليس للرئيس بوتين أو قائد مجموعات فاغنر، كل روسي؟؟ “Tous les russes… Sont”   وأن تجاور الروسوفوبيا الإسلاموفوبيا في مخاوف العامة في الغرب؟ ألم يلاحظوا قبلا أن العديد من معتنقي الإسلام في الغرب كان السبب شعورهم بالظلم الواقع عن الإسلام والمسلمين؟ ازرع روسوفوبيا تحصد روسوفيليا… هل هذه هي الديمقراطية؟ هل يمكن التبشير بالديمقراطية من قبل قساوسة لا يؤمنون أو يثقون بها؟ لنضع تحت المجهر اليوم وضع الدولة التي تعتبر الديمقراطية بارومتر قراراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية:كل المقاييس الدولية الرئيسية للديمقراطية في العالم اليوم، صناعة غربية مسجلة، وهذه المقاييس نفسها، تدل على تراجع خطير للولايات المتحدة، وللمثال لا للحصر: يرسم مؤشر أنواع الديمقراطية تنامي الاستبداد منذ عام 2010؛ خفّضت وحدة المعلومات الاقتصادية من تصنيف الولايات المتحدة إلى “ديمقراطية معيبة”  “flawed democracy” في عام 2017؛ يصنف “المعهد الأوروبي الدولي للديمقراطية والانتخابات” الولايات المتحدة الآن على أنها “ديمقراطية متراجعة” “backsliding democracy”. ويظهر تقرير فريدوم هاوس الأخير الولايات المتحدة في أحد أسرع المسارات الانحدارية في أي بلد، ويصنف حاليا الجودة الديمقراطية للولايات المتحدة إلى جانب رومانيا وكرواتيا.أما في الموضوعات الأخرى حول التصلب اللويحي المعمم الذي يصيب هذا البلد، فقد أعفانا الباحث كريس هيد جيز “أمريكا: رحلة الوداع ـ “قداس الحلم الأمريكي” من مهمة سرد مختلف معالم نهاية الحقبة الأمريكية. 

وهنا سؤال اقتصادي هام يفرض نفسه: هل يمكن وقف تفسخ العولمة النيو ليبرالية الأحادية القطب عبر الحروب؟ 

قبل الحرب الحالية، لم تنجح الولايات المتحدة في الاستثمار في الحروب التي شاركت بها مباشرة أو خاضتها بالوكالة، ولن تشكل هزيمة الروسي العسكرية بل حتى تفتيت الاتحاد الروسي، وهما الفرضيتان اللتان يجري الرهان عليهما من حلف الناتو، وقفا لعملية تراجع العولمة الحتمية Deglobalization فقد وصلت العولمة الأحادية القطب إلى حلقتها الخلدونية الأخيرة. وكما لن يكون للاتحاد الأوروبي مكانة متقدمة في النظام العالمي طور التكوين، فسيكون للاتحاد الروسي المصير نفسه. 

بعد مؤتمر دافوس 2022، كتب الاقتصادي جوزيف ستيجليتس Joseph Stiglitz الحائز على جائزة نوبل ومؤلف كتاب “إنجاح العولمة Making Globalization Work”، مقالا في الاتجاه المعاكس بعنوان: الحق في الخروج من العولمة Getting Deglobalization Right.  لم نكن كأبناء دول محيطية مهمشة نكتشف قانون الجاذبية، وهذه النقاشات خضناها بعمق منذ وقت مبكر، وأحيي في هذه المناسبة الاقتصادي العربي الراحل سمير أمين والصديق الفقيد محمد السيد سعيد ومتواطئون كثر في معركة كسر حاجز الصمت.

في تحليله للأزمة المالية الآسيوية لعام 1997، كتب  الفلبيني والدن بيلو Walden Bello؛ “إن إزالة العولمة ليست مرادفا للانسحاب من الاقتصاد العالمي. إنها تعني عملية إعادة هيكلة النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، بحيث يبني الأخير قدرة الاقتصادات المحلية والوطنية بدلا من إضعافها. إزالة العولمة تعني تحول الاقتصاد العالمي من اقتصاد متكامل حول احتياجات الشركات المتعددة الجنسيات إلى اقتصاد متكامل حول احتياجات الشعوب والأمم والمجتمعات”.

اليوم يعود باحث الخمس نجوم في أوربة ليكتشف أقل من ذلك بكثير.

هل يمكن قيام نظام عالمي جديد في غياب صناع القرار الاقتصادي في الغد القريب؟

العملاق الصيني يراقب ويتحرك بقوة ناعمة تذكرنا بالتمارين الآسيوية الهادئة، وقد دخل في النظام العالمي World-System كما هو كمنظومة اقتصادية، ولكن  دون عقلية استعمارية جديدة أو حروب ضرورية للأمن القومي (حتى اليوم)، ووفق حساباته حتى بهياكله الراهنة سيكون في 2030 متقدما على الولايات المتحدة الأمريكي، الهندي، الذي صار أكبر بلد في العالم من حيث السكان أيضا يبحث عن مكان تحت الشمس؟ البرازيل وجنوب إفريقيا وجنوب شرقي آسيا لن يقبلوا بدور لاعب الاحتياط في العقدين القادمين إلخ..

الأخ من الولايات المتحدة  يطرح السؤال عن “القيادة” في هذا العالم قيد التشكل، لكن ما معنى القيادة، وماذا ترتب على قيادة ما سمي يوما L’ordre britannique  أو سنوات القيادة منذ جورج دبليو بوش إلى اليوم وراء الأطلسي، لا بل هنا في فرنسا أين فكرة القائد والقيادة منذ وصول نيكولا ساركوزي إلى الحكم إلى اليوم وما هي علاقتها بالحد الأدنى من مفهوم الديمقراطية التمثيلية أو الشكلية باستعارة تعبير هوركهايمر؟ وهل يمكن لأي باحث جدي اليوم أن يضع كلمة “العظمى” بعد بريطانيا؟ اليوم في أوربة، خمس دول الأحزاب الشعبوية فيها متقدمة على غيرها، وفي عام 2030 سيكون هذا هو حال نصف دول الاتحاد الأوربي، وأتمنى من الله أن تعيشوا ونعيش لأذكركم بهذا… من ساد في حقبة العولمة النيو ليبرالية لم يعد مؤهلا لقيادة العالم، والدرس الأهم المفترض استخلاصه أنه لا يحتاج إلى بديل بل إلى إلغاء هذا المنصب… نحن بحاجة إلى تفتيت السلطات الممركزة ليصبح التوافق الديمقراطي بديلا لها. دون أن ننسى أن أشكال التحوّل لم تكن مرة أحادية الطريق أو خاضعة لخطة مسبقة موضوعة… عندما تفرض دول الأطلسي على كل ما تسميه معسكر الشر عقوبات فاقت السبعة آلاف عقوبة، هل سينتحر هؤلاء إكراما لعيون بورصة نيويورك ومركز التجارة العالمي والبنك الدولي إلخ؟ ستطرح بالتأكيد أفكار وتنشأ بالتأكيد ممارسات وسياسات مختلفة. نهاية ما سمي بالحرب الباردة كانت رمزيا بسقوط جدار برلين… الآن نحن في حرب ساخنة هجينة شيدت سدودا شاهقة لا يمكن هدمها إلا بتحويل المياه عن مسار يوقفها عند هذا السد أصلا: لقد تكلم الأخ العزيز عبد الحميد صيام عن البريكس، كم من المبادرات اليوم تجري وعلى كل الأصعدة.. ستنشأ بالضرورة آليات مقايضة وموانئ جديدة وطرق حرير تتناسب مع تحرر أصحابها من القيود الأمريكية وستلد عملات جديدة.. من منكم سمع عن SUCRE لا أحد وكذلك الأمر للين الصيني، ولكن لوطرحت عليكم السؤال في 1995 ما هو الإيكو واليورو؟ قليل خارج القارة الأوربية كان يعلم أن هذه هي العملة الأوربية القادمة… سيكون هناك مراكز تجارة عالمية 2 و 3… موازية وطرق تجارية جديدة وموانئ لم نسمع بها… تذكروا ما فعلته قناة السويس في القرن التاسع عشر؟ نحن نعيش التحول، تقولوا لي عشرة أو عشرين بالمئة، أو أكثر أو أقل، هذا كلام لا قيمة له في اقتصاد السوق.

كيف يمكن التعامل مع هذه المتغيرات شبه الحتمية؟ ومتى سيضع العرب أقدامهم على شاطئ العالم قيد التكون؟ هذا هو السؤال المهم اليوم. والذي يقودنا إلى السؤال الثاني: أين نحن من كل هذا؟

أنا أقول لمن يحكمنا في المنطقة العربية، إما أن تكونوا، وهذا ليس ببراعتكم ولا بالثورة الصناعية وبعد الصناعية التي قمتم بها، وإنما بما أعطاكم الله والطبيعة، من نفط وغاز، إما أن تكونوا جزءا فاعلا من هذا التكوين العالمي طور التكوين أن تخرجون من المعادلة. وأتحدث هنا بشكل أساسي لدول مجلس التعاون الخليجي، لأن مهمة تحطيم الدول القوية العربية قد أنجزت في العقد الثاني من هذا القرن… احتياطاتكم المالية مجتمعة في المصارف الأمريكية تكفي لإطالة عمر المنظومة العالمية قليلا، ولكن هل يوجد رجل أعمال واحد يضع كل أمواله في بنك واحد، لتذهب مع الريح إن أغلق أو أفلس؟ لا تضعوا كل ثرواتكم في سلة مثقوبة، وزعوها واستثمروا فيها في المنطقة ومن حولكم، فالقرآن يمنع الاكتناز، وإن ذهب فقط نصف ما لديكم للقنوات المالية والتنموية الصاعدة فستكونون طرفا في لعبة الأمم الاقتصادية بمختلف مخاضاتها…

افتحوا أمامكم كل الأبواب لتكونوا لاعبا في الأولمبياد القادم، ولا يُلقى بكم إلى الاحتياط… أنا لم التق زعيما عربيا أو خليجيا منذ عقد من الزمن، ولكنني وجهت التحية إلى مؤتمر القمة الصيني العربي والصيني الخليجي… لقد رأست أول وفد سوري، يذهب إلى بكين في 2012، لقناعتي بأن الحديث عن إعادة بناء سوريا بعد سنوات ليس لدى الأوربيين ما يقدمونه له، وهم يتوسلون صفقة رافال من قطر أو مساعدة من المملكة العربية السعودية؟ فقط تحتاجون إلى الموقف الخليجي الموحد واستراتيجية عمل مشتركة، لتكونوا طرفا فاعلا في النظام العالمي الجديد… وأتمنى أن يكون فيكم من يستمع لنا…