مايو 19, 2024

العقوبات على روسيا.. فاعلة أم كارثة؟ وجهة نظر حقوقية

كان للمعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان، ربما بحكم وجود أغلبية باحثيه تاريخيا، في معسكر مناهضة العقوبات الأحادية الجانب، وكون خمسة من إدارته ومجلسه الاستشاري، من مؤسسي “التحالف الدولي ضد العقوبات” قبل عقدين من الزمن، كان للمعهد موقفا مبدئيا مناهضا للعقوبات باعتبارها انتهاكا أساسيا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي لم تصدّق الولايات المتحدة الأمريكية على عهدها الخاص حتى اليوم. إلا أن صعود العالم الأحادي القطب، جعل المقاربة الغربية التي تعتبر العقوبات وسيلة أقل كلفة من التدخل العسكري وضرورية لعزل “عدو اللحظة”، جعل من هذه المقاربة قاعدة مسلكية عامة، أصبح الإعلان عن العقوبات يحدث كموقف “تاريخي”! 

وللأسف، خلق هذا الموقف الغربي حالة ضعضعة للجبهة الحقوقية والمدنية المناهضة للعقوبات باعتبارها تستهدف القامع والمقموع، والحاكم والمحكوم، وبوصفها كذلك، فهي شكل من أشكال العقوبات الجماعية التي يحظرها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

رغم أن العقوبات أثبتت غياب جدواها كسلاح سياسي للتغيير، وأن 208 عقوبة على كوبا، 515 على ميانمار، 651 على فنزويلا، 2608 على سوريا، 3616 على إيران.. لم تغير نظاما سياسيا أو تدفع حكومة لرفع الأعلام البيضاء، يبدو أن البعض ما زال يعتقد بفضيلة العقوبات، حيث تجاوزت اليوم الستة آلاف على روسيا الاتحادية.
 
من المؤسف أن عملية التطبيع مع أسلوب العقوبات قد خطت خطوات كبيرة، خاصة مع الإنضمام الواسع للاتحاد الأوروبي لسياسة العقوبات. ويمكن الحديث عنها اليوم في أوساط ديمقراطية وتقدمية، وحقوقية غربية، كسلاح فعّال. ولكن ألم تفشل في العراق وليبيا سابقا، ألم تتمكن إيران من تشييد مسارب موازية، ألم تعزز العقوبات قوة مافيات التهريب والعقود السوداء وتجار الحرب؟ والاقتصاديات الموازية؟ ألم يكن الأبعد عن السلطات الحاكمة الأكثر تضررا من هذه العقوبات؟ 

يشكك العديد من المحللين بجدوى العقوبات على روسيا لحجم البلد الجغرافي والسكاني، بيتر تشير، رئيس مجموعة ماركو الاستراتيجية الدولية في نيويورك، يقول “العقوبات تكون فعالة عندما تفرض تغييرا في السلوك، وهذا لن يحدث في حالة بوتين”. ستيف هانك، أستاذ الاقتصاد بجامعة هوبكينز يذكر: “تاريخ هذه الأفعال يقول إنها عادة فاشلة، فهناك دائما طرق للالتفاف عليها، فالعقوبات لن تمنع الأغنياء من أن يزدادون ثراءً داخل أو خارج البلاد. لقد خضعت روسيا لعقوبات دولية مختلفة منذ عام 2014 في أعقاب ضمها لـ”شبه جزيرة القرم”، و”لم ينتج عن ذلك أي تغيير إيجابي في سلوكها، كما لم تغير العقوبات من سلوكيات دول أخرى”، وفق هانك، الذي يؤكد في تقرير التايم، إلى “العقوبات الأمريكية على فنزويلا، وعلى كوبا، وإيران، ومن يفرض العقوبات يُنظر له كعدو وهذا يشكل حاجزا نفسيا لدى الناس، يجعلهم يتضافرون معا لمواجهة العاصفة الاقتصادية”، لافتا إلى أن “هذه العقوبات ستؤدي لتعزيز علاقات روسيا مع الصين، على الصعيد التجاري”. 

إريك ساندEric Sand  وسوزان فريمان Suzanne Freeman  يركزان على الفعل ورد الفعل في أية عقوبات تفرض على بلد كبير مذكرين بأن “العلماء الذين يدرسون آثار العزلة الاقتصادية على الدول -سواء من خلال العقوبات أو الحصار في زمن الحرب- وجدوا أن العزلة الاقتصادية نادرًا ما تجعل أهدافها تستسلم. بدلاً من ذلك، يمكن أن يؤدي الضغط الاقتصادي بالدول المتحاربة إلى تبني استراتيجيات أكثر خطورة، وغالبًا ما تتضمن التصعيد. ما يطلق عليه اسم التصعيد الاقتصادي غير المقصود”.
 
عدد من البحاثة الذين توجه لهم جودي دمبسي Judy Dempsey من “كارنيغي أوربا”، بالسؤال حول رأيهم بالعقوبات أعطوا إجابات تعزز الشك بجدواها، والأهم، تؤكد على أن أضرارها الجانبية تتحول إلى مركزية في العديد من الأحوال. أعطت ميرجانا توميك Mirjana TomiĆ شهادة شخصية جاء فيها:
 
“عشت وعملت كصحفية في بلد يخضع للعقوبات. تكيفنا. أقامت سلاسل محلات السوبر ماركت النمساوية منافذ بيع على الحدود المجرية الصربية وسافر الناس للشراء والتهريب. لم يكن هناك بنزين في محطات الوقود ، لكن يمكن للمرء شرائه في الساحات الخلفية. تم حظر الرحلات الجوية الدولية، لكن خطوط الحافلات المباشرة ربطت بلغراد بمطار بودابست. كان السكان يزدادون فقراً والمهربون يزدادون ثراءً. أصبح الأخيرون رجال أعمال محترمين. وبقي النظام. شملت الحروب اليوغوسلافية منطقة صغيرة. تشمل الحرب في أوكرانيا لاعبين ومصالح عالمية. يبدو أن المؤسسات والشركات تتنافس على من سيفرض عقوبات أشد. أشك في أن العقوبات ستوقف الحرب. سوف يعمقون الفقر. السوق السوداء سوف تولد حكم الأوليغارشية الجديدة “.

 

 

من المؤسف أن عملية التطبيع مع أسلوب العقوبات قد خطت خطوات كبيرة، خاصة مع الإنضمام الواسع للاتحاد الأوروبي لسياسة العقوبات. ويمكن الحديث عنها اليوم في أوساط ديمقراطية وتقدمية، وحقوقية غربية، كسلاح فعّال.

في لقاء بعثة تحقيق دولية شاركت فيها العراق في 2003، مع الفقيد سيرجيو ديميلو، نقلنا في التقرير جملة مؤلمة قالها لنا بمرارة: “رغم أن السيد سيرجيو ديميلو كان مفوضا ساميا لحقوق الإنسان قبل تكليفه بمهمته الأممية في العراق  وسمعته الجيدة في الدول العربية، تحدث لنا عن علاقة الأمم المتحدة بالمجتمع العراقي، قبيل اغتياله الآثم بعشرين يوما،  بالقول: “إنهم لا يحبوننا ولا يثقون بنا، هناك  قناعة عند أغلب العراقيين أن مسؤولية الأطفال الذين ماتوا بسبب العقوبات، تقع على عاتق الأمم المتحدة”.
 
يبقى العمل الأكثر أهمية على صعيد العقوبات، يبقى كتاب نيكولاس مولدر، السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة (جامعة ييل برس 2022) ، ومن المصادفات الإيجابية صدوره في مطلع عام 2022. الأمر منح المؤلف حقه بالمتابعة من أهم الصحف والمجلات الدولية بعد 24 فبراير، التي لاحقت الكاتب لمعرفة رأيه في حرب العقوبات الأكبر منذ استعملت العقوبات الاقتصادية كسلاح في 1918.
 
يعتمد مولدر على الخطب والخطابات والتقارير الصادرة عن المسؤولين عن العقوبات البارزين لتوضيح أن الحرمان الاقتصادي للسكان المدنيين كان هدفًا مقصودًا للعقوبات في زمن السلم. تفاخر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، وهو أحد المؤيدين الرئيسيين، بقوة العقوبات في التأثير على الناس العاديين، واصفًا التدابير بأنها “شيء أكثر روعة من الحرب” بسبب قدرتها على إعادة “أمة إلى رشدها تمامًا كما يزيل الاختناق الذي يتعرض له الشخص أية قدرة عنده على القتال”. 

في مقال رأي حديث لصحيفة الغارديان، كُتب في الفترة التي سبقت الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا، حذر مولدر القادة الغربيين من الاعتماد المفرط على العقوبات، مستشهداً برسالة أرسلها كينز إلى عصبة الأمم في عام 1924 حذر فيها من فرض عقوبات “ستخاطر دائمًا بعدم الفعالية وعدم سهولة التمييز بينها وبين الأعمال الحربية”. اليوم نواجه مرة أخرى بيئة دولية هشة. في السنوات الماضية، أدت آثار القومية والصراعات التجارية والكوارث الطبيعية ووباء فيروس كورونا إلى إضعاف العولمة.

إن التوسع في استخدام العقوبات يهدد بمزيد من زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي. في العام الماضي، أدت العقوبات المفروضة على شركة الاتصالات الصينية العملاقة هواوي إلى تفاقم النقص في الرقائق. دفعت العقوبات المفروضة على صادرات النفط الفنزويلية حكومة مادورو إلى الانطلاق في صراع يائس للحصول على المال من خلال توسيع التعدين القذر للذهب والماس، وتسميم السكان المحليين وتدمير التنوع البيولوجي في منطقة الأمازون. إن فرض أي عقوبات كبرى على روسيا سيؤدي، في حالة فرضها، إلى اضطراب في أسواق النفط والغاز من شأنه أن يضر بشكل خاص بالاقتصادات الأوروبية .

يؤكد مولدر، في مقالة حديثة له في الإيكونوميست، أن العقوبات سوف تغير هيكل الاقتصاد العالمي نفسه. ويصف مولدر الاستخدام الموسع للعقوبات بأنه “عاصفة من شأنها أن تغير طبيعة العولمة نفسها بطرق رئيسية”. كان هناك الكثير من التكهنات بأن عقوبات روسيا، التي هي أول من يستهدف لاعبًا رئيسيًا في الأسواق المالية العالمية، ستسرع الجهود بين الاقتصادات الرئيسية لتقليل الاعتماد على الدولار كعملة احتياطية مفضلة. 

لكن الليبرالية الاقتصادية حيادية إلى حد ما فيما يتعلق بمسألة العملة ـ فقد اعتمدت الأسواق العالمية على الدولار والجنيه والبيزو في مراحل مختلفة. الأمر الأكثر أهمية من العملة المستخدمة لإجراء التجارة هو استعداد الدول للانخراط في التجارة المحررة في المقام الأول، والالتزام ببناء أسواق وشبكات مشتركة تسهل التبادلات الاقتصادية. من المرجح أن يؤدي الاستخدام الموسع للعقوبات إلى تحفيز البلدان على اتباع نماذج التنمية الاقتصادية التي تزيد من الاحتكاك بالاقتصاد العالمي. 

 

 

يجمع الاقتصاديون الأكثر موضوعية وجدية اليوم، أن overdose العقوبات الدارج اليوم، سيترك آثارا كارثية ليس فقط على المجتمع والدولة في روسيا، وإنما أولا على الدول الفقيرة في العالم، وبشكل أقل على الدول الغربية التي تعلنها، على المدى القصير، أما على المدى المتوسط، فيتوقع الكثيرون أزمة اقتصادية عالمية تعيد للأذهان أزمة 2008.

قد تكون هذه التحركات واضحة، كما هو الحال عندما تنتهج البلدان سياسات تتراوح من الحمائية إلى الاكتفاء الذاتي. لكن يمكن أن يكونوا أكثر دقة. تعتبر الصين خارجة عن الاقتصاد العالمي لأن احتضانها للأسواق كان مقيدًا. أدرك صانعو السياسة الصينيين أنه من أجل كسب حربهم الاقتصادية ـ معركة التنمية ـ فإن القبضة الحديدية ضرورية لتوجيه اليد الخفية. قد تتوصل دول أخرى إلى نفس النتيجة، لا سيما إذا كانت الصين أفضل حالًا من الاقتصادات الأكثر سوقًا في مجابهة العاصفة القادمة.

يكرر مولدر اليوم، ما استنتجه في كتابه الذي صدر قبل فبراير 2022، بإن “مستقبل الليبرالية الدولية معتم”. لأن الاستخدام المتواصل للسلاح الاقتصادي هو “زرع العداء في نسيج الشؤون الدولية والتبادل البشري”. هذا النسيج مبني على الحديد والفحم والنقل . “يمكن أن يلفنا بسلام أو يكفننا في الحرب”.

يحذر الباحث الصيني والخبير الأممي YU YONGDING من النتائج الخطيرة للعقوبات التي تمس النظام النقدي والتي يصعب تقدير نتائجها على النظام الاقتصادي العالمي، مذكرا بأن “النظام المالي الدولي يقوم على الثقة التي سيلعبها جميع المشاركين وفقًا للقواعد، ويعد الوفاء بالتزامات الديون أحد أهم القواعد الموجودة. أيا كان المبرر، فإن تجميد احتياطيات النقد الأجنبي لبلد ما يعد انتهاكًا صارخًا لتلك الثقة. إن الولايات المتحدة ، التي تصدر العملة الاحتياطية العالمية الرئيسية، تهدد مصداقيتها المالية من أجل بعض المزايا التكتيكية بعيدة المنال على المدى القصير. هذا خطأ كبير “.

يجمع الاقتصاديون الأكثر موضوعية وجدية اليوم، أن overdose العقوبات الدارج اليوم، سيترك آثارا كارثية ليس فقط على المجتمع والدولة في روسيا، وإنما أولا على الدول الفقيرة في العالم، وبشكل أقل على الدول الغربية التي تعلنها، على المدى القصير، أما على المدى المتوسط، فيتوقع الكثيرون أزمة اقتصادية عالمية تعيد للأذهان أزمة 2008.
 
*مفكر ومناضل حقوقي، يرأس المعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان في جنيف.

 

نشر في موقع عربي 21