نوفمبر 28, 2021

الاغتيال السياسي بين السياسة والحقوق

assasination يلاحظ المؤرخون تحولا هاما في طبيعة الاغتيالات السياسية بين التاريخ والأزمنة الحديثة، ويكاد يكون ثمة إجماع على أن الاغتيالات كانت قبل صعود الديمقراطية الشكلية الأوربية تتوجه أكثر إلى المستبدين والحكام والأعداء خارج فضاء السيطرة، أي خارج الأراضي التي يمكن للدولة استخدامها للمحاسبة والمعاقبة. في حين أن هذه الاغتيالات أصبحت في الأزمنة الحديثة موضوع شراكة بين الظالم والمظلوم والحاكم ومعارضيه.. ويعزى الأمر ببساطة، إلى اتساع فضاءات العمل العام خارج قيود السلطة الحاكمة واتساع نفوذها وامتلاكها الشرعية السياسية والقانونية التي تحول دون الاعتقال أو الملاحقة، مما يضطر السلطة السياسية الحاكمة والجماعات المنظمة اقتصادية أو سياسية أو عقائدية،  أكثر فأكثر، إلى اللجوء إلى أساليب خارجة عن القانون. ويمكن القول بكل بساطة، أن هذا الخروج عن القانون، مع توفر الوسائل الرخيصة للقتل، يخضع لما يمكن تسميته دمقرطة الموت. بتعبير آخر، دخول قانون نيوتن للفعل ورد الفعل بقوة في الوقائع المجتمعية. لأن الأمن قضية نسبية،

إذا كان القتل خارج القضاء يعتبر انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان، يمكن القول أن الاغتيال السياسي يشكل واحدا من أهم تعبيراته على الصعيد العالمي. هذه الظاهرة عالمية الطابع للأسف، رغم إدانتها من قبل الفلسفات والأديان الكبرى.

لم يتمكن المجتمعون في 1948 من جعل حق الحياة حقا غير قابل للتصرف، أي رفض حكم الإعدام صراحة. لكنهم أدانوا في المادتين الثالثة والخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 أي شكل من أشكال القتل أو المعاقبة بالقتل خارج القضاء. لقد أكدت المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربعة على حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب وإصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا، تكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة. وقد جاء في اتفاقية جنيف الرابعة التعهد من الأطراف السامية باتخاذ إجراءات تشريعية ملزمة لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف مخالفة جسيمة (المادة 146)  وتحدد المادة 147 المخالفات الجسيمة بما يلي: الاعتداء على حياة المدنيين وسلامتهم البد نية والقتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والمهينة والتعذيب. اعتبرت هذه المادة الأفعال التالية من المخالفات الجسيمة: القتل العمد، التعذيب، المعاملة اللا إنسانية، تعمد إحداث آلام شديدة أو أضرار خطيرة بالسلامة البدنية أو الصحة. هذه المخالفات الجسيمة تعتبر من جرائم الحرب حسب البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية. كذلك الأمر في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

كما جاء في : المادتين الثالثة والخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والمادتين السادسة والسابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، والمادة السادسة من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والمادة الأولى من الإعلان الدولي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة لعام 1974، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984، والمادة الثالثة من المدونة الخاصة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين 1979. تقضي هذه المواد بمجملها بعدم حرمان أحد من حياته بشكل تعسفي، أو تعريضه للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المحاطة بالكرامة.

 عندما ننتقل من حقوق الإنسان للسياسة يصبح الموضوع أكثر صعوبة وتعقيدا، فمفهوم الحق يرتبط بالانتهاك اليومي للكرامة الإنسانية وجملة المظالم التي تجعل منه قوة مجردة. نسبية العدل يعززها صنع الغالب للقانون وتحكّمه بتعريف الجريمة والعقاب، غالبا وفقا منطق الغنيمة أكثر منه منطق التجاوز لمسببات الصراع نفسها. الأمر الذي يبقي  أجنة العنف في المجتمعات عوضا عن خنقها.

لا يوجد قاتل يقبل فكرة براءة ضحيته، فالإنسان كميلاد طبيعي وتكوين ثقافي متأثر بقيمة الحياة في الفلسفات والديانات الكبرى،  كائن  يرفض بالسليقة قتل أبناء جنسه. ويحتاج لشحنات عدوانية وتصور متماسك لتجريم الضحية. ورغم أن الموت هو الموت والاغتيال هو الاغتيال، فإن هوية القاتل، تحدد طبيعة الجريمة وحجم الجرم وقبول رأي عام معين لها ورفض رأي عام آخر. بهذا المعنى يمكن مثلا قراءة الفارق بين اغتيال رحبعام زئيفي واسحق رابين في الدلالة والتعامل داخل الكيان الصهيوني. ففي حين تشكل العملية التي قام بها فلسطينيون سابقة في الصراع تجعل استهداف قيادي فلسطيني (أبو علي مصطفى) سببا أخلاقيا وسياسيا كافيا لاستهداف وزير إسرائيلي متطرف، يحمل اغتيال رابين فيروس قتل يهودي ليهودي بدوافع سياسية ودينية في بلد يربط المواطنة الأولى بالدين، هذا الهاجس الذي تسعى النخب الإسرائيلية لمواجهته بكل الوسائل منذ اغتيال أول يهودي من قبل يهود في فلسطين عام 1924 (جاكوب إسرائيل دوهان الشاعر المتدين المناهض للصهيونية).

هنا تكمن قوة وضعف أطروحة ألكسندر دومانت  Alexander Demandt الذي يعتبر الشرعية في القتل ابنة الموقع الذي يحتله الشخص في الصراع. وإن كان هذا الموقع، يجد فيما بعد التفسير السياسي أو الإيديولوجي المناسب، لتصفية “خائن” أو “منافق” أو التخلص من عدو شرس، فإن البشر بطبيعتهم، لم ينتظروا حكم التاريخ في كل عمليات الاغتيال التي نالت مرتكب جريمة جسيمة أو طاغية. وكثيرا ما هللت بعفوية للاغتيال السياسي في حالات كهذه، ولا غرابة في الأمر، فما هو مثلا عدد الأشخاص الذين سيبكون هتلر لو نجحت عملية اغتياله في 20/8/1944 ؟ على العكس من ذلك، وفي حين بكت الجموع شخصية اعتبارية أو ضحية نبيلة، هناك أشخاص أعاد لهم الاغتيال السياسي تاجا معنويا فقدوه أثناء حياتهم.

خاض اللوبي الصهيوني في السنوات الأخيرة معركة جيو سياسية كبيرة اعتمدت على أساسين

الأول، هو خلق قبول عام لفكرة القتل المستهدف لقيادات فلسطينية لم تتخل عن فكرة المقاومة المسلحة.

الثاني، هو التفريق بين ما تسميه حقها في الاغتيال السياسي في “الصراع العسكري الذي لا يختلف عن حالة الحرب”، وبين التفجيرات الفلسطينية التي تستهدف المدنيين.

وقد استنفرت لهذا الغرض عددا من قدماء المحاربين والخبراء العسكريين في أوربة والولايات المتحدة الذين اعتمدوا، فيما اعتمدوا، على واقعة قامت بها القوات المسلحة الأمريكية في نيسان/أبريل 1943 عندما ضربت طائرة الأميرال إيسورو ياماموتو  Isoru Yamamoto في عملية ذهب ضحيتها مع عدد من هيئة أركانه. ويمكن القول بنشوء تيار قوي في صفوف المحافظين الجدد واللوبي الموالي لإسرائيل لدعم فكرة الاغتيال السياسي مع كل ما تحمله من مخاطر.

وإن كان موضوع الاغتيال السياسي قد أصبح بالفعل، رغم الإجراءات الأممية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والتي لا تدل الأحداث على إمكانية تحويلها لسابقة في القانون الدولي، من الصعب إقامة فصل بين التعبيرات المختلفة للعنف والعنف المضاد في ظل الاحتلال الإسرائيلي. وليس بالإمكان، برأينا،  قراءة التحول من انتفاضة الحجارة إلى تفجير الذات في الآخر دون تتبع التصعيد الكبير لاستعمال العنف من قبل قوات الاحتلال. وإذا تركنا جانبا أشكال العنف غير المباشر ذات الصلة بالحصار الاقتصادي والإنساني ومصادرة الأراضي والاعتداء على الزرع وبناء المستوطنات وبناء جدار الفصل العنصري، هناك العنف المباشر المتجسد في المعاملة اللا إنسانية والمهينة والتعذيب واستهداف حق الحياة للناشطين السياسيين الفلسطينيين.  فلو تتبعنا الاغتيال السياسي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، نجد بأنه لم يكن يوما حصرا على المقاتلين.  ووفقا لتقرير لمركز المعلومات والإعلام أعده خالد الحلبي وصل عدد جرائم الاغتيال السياسي التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق قادة سياسيين وناشطين فلسطينيين، منذ بدء الانتفاضة في 28/9/2000، وحتى 30/4/2004، إلى (177) جريمة في الضفة الغربية وقطاع غزة بمعدل جريمة كل أسبوع. راح ضحيتها (374) مواطن فلسطيني، بينهم (239) من المستهدفين(بينهم 5 أطفال).  وسقط في هذه الجرائم (135) مواطناً غير مستهدفين، تواجدوا مصادفة في مكان الجريمة، بينهم (45) طفلاً و(14) امرأة، و(18)شيخ.   كما بلغ عدد المصابين في تلك الجرائم (787) مواطناً، بينهم (41) مستهدفاً، إلى جانب (746) غير مستهدفين، تواجدوا مصادفة في مكان وقوع الجريمة، تراوحت إصاباتهم بين متوسطة وخطيرة.

في غياب كامل للمحاسبة، وتفاوت كبير في موازين القوى العسكرية، ومواجهة يومية مباشرة بين كيان متخم بالدعم والمساعدات وشعب محروم من الأوليات، تتحول منظومة القيم الحقوقية إلى نص مجرد في عالم الغاب، ويصبح من العدمية بمكان الاستشهاد باليابان أو أمريكا اللاتينية بل وحتى نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا. فمن يملك الحق في مطالبة الضحية باحترام كرامة الجلاد في لحظة رأسها تحت البسطار العسكري ولقمتها ومستقبلها رهن موافقة دبابته؟

 العنف هو أيضا الابن الطبيعي للاحتقار المنهجي للآخر بدعوى حماية أمن دولة أو أشخاص دون غيرهم.

 9/5/2006