مايو 12, 2024

سلامة النفس والجسد

طبعة جديدة في الذكرى 25 لصدور كتاب سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي في القرن العشرين، إصدار المعهد الأسكندنافي لحقوق الإنسان

تقــديم

في تاريخه الطويل، أدخل الإنسان بمختلف ثقافاته مفهوما سلبيا للحقوق. هذا المفهوم يعتمد غالبا على منطق الانتماء للجنس أو اللون أو اللغة أو القربى الخ.

مفهوم سلبي، لأنه كان قائما على إعطاء البعض وحرمان البعض الآخر، على تشييد حدود بين الإنسان وأخيه الإنسان غذت باستمرار المراتبية التمييزية للقيم ودفعت الكائن الإنساني اكثر نحو العدوانية والخصومات والحروب.

لقد شكل انتهاك حرمة النفس والجسد جزءا لا يتجزأ من منظومة القيم العقابية هذه. فالحضارات القديمة لم توفر لا الروح ولا الجسد من كل أشكال الاعتداء بما فيها تخليد التعذيب في معظم الأساطير القديمة. يذكّرنا كوستاس بابايوانو بالاستنتاج الراجم لهيجل حول تاريخ الجنس الذي ننتمي إليه بالقول : ” علينا معرفة أن الإنسانية قد تحررت ” بشكل أقل من العبودية منه بالعبودية نفسها”.. بنفس الطريقة التي قاومت بها الكنيسة البربرية “بأسلوب بربري وإرهابي”. كون الرعب السماوي كان ضروريا “لإنهاك النفوس الجامحة وترويضها حتى تصبح هادئة”.

لكن هل يمكن الاكتفاء بتحليل متفهم للرعب ؟ هل يمكن الاكتفاء بـ “الضرورة” التاريخية لتفسير الفظاعة ؟ لقد كسر قرننا بأهواله كل مقاربة تطورية للموضوع ودفعنا نحو واجب أساسي يكمن في اليقظة الدائمة. أليس سيجموند فرويد هو الذي وقّع في 1911، مع أسماء مشهورة، عريضة عالمية تقر ” بالانتقاء في إعادة إنتاج النسل” من أجل إعطاء المجال ” لتطور الإنسانية نحو الكمال الجسماني والنفسي للعرق” ؟

كيف يمكن التطرق لإعادة بناء الكمال الذهني والجسدي دون التعرض لغياب الرؤية المرافق لهكذا أطروحات ؟ يذكّرنا بونوا ماسان  بأن ” الإحصاء التصنيفي ثم “المعالجة” بالتعقيم والإخصاء والصدمات الكهربائية والقتل الدوائي وغيره من الوسائل لاستئصال “غير الاجتماعيين” ( من مهمشين وشبيبة جانحة وعصاة الخ)، والمجرمين “بالوراثة” والغجر وممارسي الجنس المثلي كانت تتم على أيدي أطباء شرعيين وأخصائيين في علم الجريمة البيولوجي وفي علم الوراثة الإنسانية وأطباء نفسيين وعلماء أنثروبولوجيا”.

لقد أعطى التعذيب في معسكرات الاعتقال النازية الدرس الأكبر في عالم يفقد إنسانيته أكثر فأكثر : ليس هناك حضارة بمنجى عن الخطر، وليس هناك شخص واحد في مأمن كامل: إن المعاملة اللاإنسانية والمهينة حاضرة بشكل يجعل التعبئة من أجل مقاومتها نوعا من الحماية الذاتية.

حقوق الإنسان التي ندافع عنها عالمية، والتعذيب الذي نناهضه عالمي الطابع أيضا. إلا أن تعبيرات عنف الكائن الإنساني تجاه أبناء جنسه تختلف بين البلدان والشعوب وتأخذ أحيانا شكلا شديد الخصوصية. من أجل هذا، فان مشروعنا الجماعي يركز على الحق في السلامة النفسية والجسدية أولا قبل التطرق إلى الوضع داخل الدول العربية بنقاطها المشتركة أو المتمايزة. وفي هذا المجال، تأتي دراسة الصديق منصف المرزوقي لتفتح النقاش واسعا حول مسار مفهوم الحماية على الصعيد العالمي وبشكل خاص في التجربة الغربية.

إن أي طرح شامل لقضية التعذيب يعني خوض معارك على جبهات عدة. فلا أحد يجهل دور المنطق العقابي في العهد القديم. وفي القرآن ترد الكلمة أكثر من 280 مرة. كما وتربط كل الديانات التوحيدية ذات المرجع الإبراهيمي منظومتها التصورية على الثواب والعقاب، الترهيب والترغيب، الجنة والنار.

إلا أنه لا يوجد أبشع من إنزال هذه النار إلى سطح البسيطة مهما كانت الحجة أو الدافع. “كل دولة تمارس التعذيب، يقول المرزوقي، ليست سوى مرحلة متجددة من فشل الإيديولوجيا والدولة والإنسان”.

عبر هذا القرن، سجل النضال ضد التعذيب نقاطا هامة. إلا أن الطريق مازالت طويلة وشاقة. يكفي فتح الأعين على الأشكال المختلفة للعنف في محاولة فيوليت داغر تفكيك الآليات التي يرتكز عليها، أو إحكام النظر في تقديس العقوبات الجسدية التي تعود من جديد إلى التشريعات في عدة بلدان بعد تراجعها في منتصف القرن عبر الفصل المخصص للتعذيب والإيديولوجيا.

لقد تم تخصيص القسم الأخير من الكتاب للتعذيب البوليسي، تقنياته، أدواته، ضحاياه عبر أمثلة مقتطفة من عدة بلدان عربية.

يرجع الاهتمام بمثل دولة إسرائيل إلى كون هذا البلد هو الوحيد في العالم الذي يشرّع بشكل قانوني التعذيب الممارس على الفلسطينيين. ” فاستنادا لمراجع رسمية ولشهادات مختلفة بما فيها منظمات حقوق الإنسان، كتب حقوقيو منظمة “بتسلم” في تقرير نشر أثناء إعداد هذا الكتاب: “يقدر عدد المستجوبين من قبل شين بيت بين ألف و 1500 شخص. قرابة 85% منهم – أي على الأقل 850 شخصا في العام- تعرضوا لطرق مختلفة في التعذيب”. في هذا الصدد يلقي فصل الباحث الفلسطيني عصام يونس الضوء على دور الأطباء والجهاز الطبي في مؤسسة التعذيب الإسرائيلية.

لم يكن بالإمكان إتمام هذا المشروع دون إسهام مدافعين عن حقوق الإنسان عبر ملفات وضعوها تحت تصرف الفريق المحرر. بإمكاننا أن نذكر منهم : زينه العربي، سعد عبد الرحمن ومحمود خليلي. ولا ننسى شهادة وتوثيق عدد من الضحايا وبالأخص حموده فتح الرحمن ورشيد مسلي وي. ناصر والمرحوم رضا حداد وكمال الخلف.

يتوجه المؤلفون بالشكر إلى “البرنامج العربي” الذي حقق لنا رغبة إصدار الطبعة العربية الأولى للكتاب في بلد عربي وللصديق حسام عبد الله لمساعدته القيمة.

إن العيش في مجتمع منعتق من التعذيب ليس فحسب حلما طوباويا وإنما ضرورة جماعية قابلة للتحقيق. من أجل ذلك، بات كل شخص قادر على فعل شيء مهما صغر، علّه يتاح لأطفالنا فرصة العيش بكرامة وبشكل أفضل من آبائهم.

      هيثم مناع

عمل جماعي في مناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان شارك فيه:
فيوليت داغر، منصف المرزوقي، عصام يونس
بإشراف هيثم مناع

صدر هذا العمل الجماعي باللغتين العربية والفرنسية
وبعدة طبعات بمساعدة المنظمات غير الحكومية التالية:
اللجنة العربية لحقوق اإلنسان
المجلس العالمي إلعادة تأهيل ضحايا التعذيب
معا من أجل حقوق اإلنسان
المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب

Torture in the Arab World in Arabic