نوفمبر 30, 2021

الاختفاء القسري

H9الحلقة التاسعة: الاختفاء القسري

موضوع خاطرة اليوم ما يسمى في أدبيات الأمم المتحدة الاختفاء القسري أو اللا إرادي. وأود منذ الجملة الأولى القول أننا كمجتمع حقوقي غير حكومي نتحفظ على كلمة الاختفاء ولذا نضعها بين قوسين. بكل بساطة لأن كلمة اختفاء تعني  في القاموس فقدان شخص بدون تفسير أو سبب والمصير المجهول لهذا الشخص. وليست هذه هي الحالة المقصودة في لغة الأمم المتحدة والقانون الدولي والمنظمات غير الحكومية. إذ يتعلق الأمر باختطاف يحمل الطابع القسري والقمعي بكامل المعرفة والمسؤولية لشخص محدد الهوية من قبل جهة محددة ترفض التصريح عن فعلتها سواء كانت هذه الجهة أمن دولة أو منظمة إرهابية أو مجرد عصابة أو مافيا.

لقد دخلت البشرية القرن الواحد والعشرين تحمل عار ميراث ثقيل في الاختفاء القسري، فما زالت هذه الظاهرة تمس ثلث بلدان العالم أي قرابة 63 دولة من إفريقيا وأوربة وأمريكا اللاتينية وآسيا). وفي حين سجلت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة 18 ألف حالة في 1989  فقد وصل عدد الحالات التي تلقاها فريق العمل الخاص بالاختفاء القسري أو اللا إرادي  إلى قرابة 48770  حالة في 1998 لم يتمكن حتى اللحظة من معرفة مصير 45825 منهم.

في قرار بعنوان  “الأشخاص المختفون” (33/173/1979)، طالبت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بدراسة الموضوع بعناية وإعطاء التوصيات المناسبة. وفي 1980 أنشأت اللجنة المذكورة فريق العمل الخاص بالاختفاء القسري أو اللا إرادي وقد أصدر منذ نشأته أكثر من عشرين تقريرا.

في 18 ديسمبر(ك1) 1992 أقرت الجمعية العامة لأمم المتحدة إعلان بشأن حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري أو اللا إرادي يتضمن 21 مادة تنص المادة الأولى منه على اعتبار “أي شكل من أشكال الاختفاء القسري جريمة ضد الكرامة الإنسانية، وهو مدان بوصفه يتنكر لمقاصد الأمم المتحدة ويعد انتهاكا صارخا وخطيرا لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية كما وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجرى تأكيدها وبلورتها في العهود الدولية الصادرة بهذا الشأن”. وقد تتوجت هذا العام مناقشات  الاتفاقية الدولية لحماية كل الأشخاص من الاختفاء القسري بإقرارها بالإجماع في أول جلسة لمجلس حقوق الإنسان في تطوير لآليات المحاربة والمحاسبة في قضايا الاختفاء القسري الذي أصبح منذ اجتماع روما لقيام المحكمة الجنائية الدولية: جريمة ضد الإنسانية.

يمكن لأي منظمة غير حكومية أو محام أو نشيط حقوق إنسان أو قريب أو صديق للضحية أن يرسل ملف حالة اختطاف إلى فريق العمل الخاص بالاختفاء القسري أو اللاإرادي في مقر المفوضية العليا لحقوق الإنسان في قصر الأمم بجنيف لمتابعة الحالة في مراسلات غير علنية مع الطرف الحكومي المتهم بالاختطاف. وهناك ضمان لسرية الأطراف المتدخلة، كذلك لدينا اليوم آليات تدخل أخرى ومجال أوسع للمحاسبة وفق الاختصاص الجنائي العالمي.

لقد تابعت شخصيا أكثر من 800 ملف “اختفاء” في العالم العربي فيما يظهر جسامة المعاناة الفردية والعائلية التي ترافق هذه الجريمة البشعة. فهناك مشكلات اجتماعية ونفسية كبرى غير مرئية عن بعد للمراقب ، فنحن أمام حالة غياب فيزيائي وفقدان لكل وسيلة للتواصل مع إنسان لم يصنف بعد في عداد الأموات دون أن يكون بين الأحياء. أي أمام وضع لا يستجيب لأي ترميز ثقافي ونفسي للاستعداد الذهني للبشر. إضافة لذلك، يضع “الاختفاء” الوقت على شفرة المقصلة ليصبح الغائب الأكبر في منطق الحدث نفسه. وكيف يمكن اغتيال الوقت دون إحداث انقلاب في التكوين النفسي للأفراد وشل التمثيل الرمزي عندهم، مهما كانت ثقافة المختطف أو محيطه. وخلافا للموت والحداد يصعب التأقلم مع “الاختفاء”، مهما استمرت الحالة في الزمن لعمق الجرح والبعد العاطفي الذي تخلقه مشكلة إنسان حي وميت، حاضر وغائب، في الداخل والخارج. فقد توقفت عقارب الزمن عند مجيء هذا الشخص الضحية في اليوم الذي وصل فيه عدد من الأشخاص ودخلوا البيت بالقوة الخ.

هناك حكم يصدره الخاطف على محيطه بانتظار المجهول دون معرفة طول زمن الانتظار، وفي حالة الانتزاع depossession النفسية هذه ثمة معاودة دائمة للإحساس بالذنب والمسؤولية مع نشوء إحساس بالوحدة والفراغ عند الأهل. ولقد تتبعنا عدة حالات إحباط وانهيار عصبي وبروز اضطرابات جسدية وعاطفية وغياب المتعة وفقدان الإحساس بالرغبة  عند المقربين من الضحية فيما سيقدم برنامج حقوق الناس شهادات حية عنه من عدة بلدان عربية والبرنامج يفتح الباب لتلقي شهادات من عائلات الضحايا.

إن بربرية “الاختفاء القسري” كصيغة جماعية للتعذيب المزمن للشخص والأهل تستدعي تعزيز وسائل المحاسبة الوطنية وليس فقط العالمية. ومن الضروري التذكير بأن الحلول الرسمية العربية لهذا الملف هي حلول ترقيعية. ولا زلت أذكر وقفة التضامن في أول عودة لي لبيروت بعد ربع قرن غياب مع بعض عائلات المفقودين على بعض خطوات من ضريح الفقيد رفيق الحريري الذي رفض كرئيس للوزراء فتح مكتب غير حكومي لمتابعة القضية في بيروت اقترحته آنذاك الدكتورة فيوليت داغر، كذلك الحل الاختزالي لملفات المفقودين في الجزائر رغم وجود منظمات غير حكومية تعمل بكل جدية على ملفات المفقودين. وفي حين تتجنب السلطات السورية فتح ملف المفقودين في الصراع الدموي الذي عاشته البلاد بين 1978 و1982، لا  ندري متى سيفتح هذا الملف في العراق حيث تشمل المأساة عشرات آلاف الضحايا في ظل انتهاكات الاستبداد الصدامي والاستعباد الأمريكي.

إن كنا سنعطي الجانب النفسي والاجتماعي حقه مستقبلا، فسنحاول اليوم التقديم لقضية هامة جدا هي الوضع القانوني للمفقود. ولتوضيح حجم المأساة سآخذ على ذلك حالة عيانية من سورية.

اعتقل المهندس مضر الجندي في 20 أيلول /سبتمبر 1987 ضمن حملة اعتقالات نالت قرابة ألف ناشط في حزب العمل الشيوعي وأطراف يسارية أخرى. وقد تعرض للتعذيب الشديد وبعد جلسة تعذيب تبعتها نوبة ربو حادة اقتيد الجندي لمكان مجهول ولم يعرف عنه أي شيء بعد ذلك.

بعد اختفاء مضر عن أعين باقي المعتقلين سعينا بكل الوسائل لمعرفة مكان وجوده ومصيره، وتقدمنا إلى فريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي بعد احتلال الكويت حيث صارت الحكومة السورية تستجيب لطلبات لجنة حقوق الإنسان أكثر من قبل باستفسار فكان الجواب مكتوبا كالآتي:

“لقد جرى توقيف المعني في 20 سبتمبر (أيلول) 1987 لانتسابه لجماعة إرهابية ارتكبت أعمال عنف بحق مواطنين أبرياء كانت تضعهم في أماكن سرية لممارسة ضغوط جسدية عليهم وقطع أعضاء من أجسامهم. وقد أحيل للقضاء في 24 مارس (آذار) 1988 وتوفي إثر ذلك”.

طبعا الإجابة غير منطقية وغير مقنعة، فكيف يتوفى شاب في التاسعة والعشرين من العمر بدون سبب؟ وكيف ينتمي مضر لحركة إرهابية تقطع أعضاء من تختطف ولا نجد في الصحافة السورية أثرا لها أو لأعمالها البشعة؟

بالطبع وإضافة للمعاناة النفسية والمادية للعائلة، هناك المعاناة القانونية. فكون رد الحكومة السورية للأمم المتحدة سريا فهو لا يعتبر وثيقة قضائية في سورية. لذا القاضي الشرعي يرفض الترخيص للزوجة ببيع شيء من عقارات الفقيد أو قسمتها أو رهنها أو قبض شيء من أمواله. والمختار لا يتحدث إلا عن غياب لأكثر من عشر سنوات. أما دائرة الشؤون المدنية فما زالت تعطي صورة عن قيد مدني لشخص حي (يرى المشاهد الوثائق الخاصة برد الحكومة السورية والقاضي الشرعي والمختار ودائرة الشئون المدنية بنسخها الأصلية) يمكن لزوجة مضر منيرة حويجة وهي مثقفة معروفة ومناضلة سياسية عرفت السجن والملاحقة أن تدرك الطابع التعسفي والأخرق لهذا الوضع، ولكن كيف يمكن أن نشرح ذلك لابنته التي تريد أن تسمع قصة مقبولة في المنطق والعقل لغياب والدها؟

1/11/2006