فبراير 22, 2024

خطاب الكراهية.. أو تفجير الذات في الآخر..

“الطريق سالكة لتقود العنصرية العالم الغربي للخسارة، ومن ثم الحضارة الإنسانية برمتها. لا يهم ما بإمكان العلماء المحنكين أن يقولوه، فالعرق ليس بداية البشرية بل نهايتها، ليس أصل الشعوب بل مؤشر انحطاطهم، وهو لا يشكل الولادة الطبيعية للإنسان بل موته المناهض للطبيعة”.

حنه أرندت

في معمعان إشهارات الخوف المتبادلة، التي أنتجت ثقافاتها الطارئة الهشّة، صعدت كلمات الإسلام في أوربا وأوربا في العالم الإسلامي بشكل ومضمون مختلفين ومتعارضين. لم نعد أمام منطق حملة نابليون أو وسائل ولوج الرأسمالية الغربية العالم العربي في ثلاثية البضاعة والمدفع والمطبعة، كذلك لم تعد الرغبة في اكتشاف الآخر تثير فضول قطاعات واسعة هنا وهناك. لقد تشرنقت السلحفاة على نفسها بحيث لم يعد يظهر منها سوى درع صلب غير قابل لأية تسوية مع العالم القائم.

ولعل صرخة محمد حافظ يعقوب تستوجب التوقف عندها، في عالم أصبح تسطيح المعارف وصناعة الكذب إيديولوجية سائدة: “تكفي نظرة واحدة إلى ما يكمن خلف التعليقات، ويثوي في عمق الكتابات، حتى نكتشف من غير كثير عناء أن كراهية الذات هي عنوان المرحلة، وأن التشاؤم يملأ الفضاء والنفوس. وإلا من أين يأتي كل هذا الكلام عن غدٍ أشد سوءاً من حاضر كريه؟ ونحن نعرف أن كره الذات ليس أشد بؤساً من عشق الذات، لأن الأخير يكشف دائماً عن دونيةٍ مقيمة في الأعماق، تعجز العنجهية الاستعراضية عن إخفائها”.

في هذه البيئة الباثولوجية، تتم عملية تهميش منهجية لكل فكر نقدي يحاول أن يواجه عمى التطرف الذي يتغذى هنا وهناك من فكرة جهنمية غاية في القدم تعتبر الآخر ـ المختلف، مصدر المصائب الذاتية، ويتم التضحية في وضح النهار بكلمات لم تعد قادرة على حمل معناها مثل حقوق المواطنة والحريات والعدالة والتضامن في المجتمع الواحد وبين مختلف المجتمعات البشرية.

تتكاثر احتفاليات التمجيد بكل من يتقن عملية “شيطنة” الآخر، المسؤول عن العرض المهان والمواطن الذليل والمستهلِك المستهلَك وكل فنون الغباء المشهدي الذي يجعل الفقير أكثر فقرا وهو يدفع ضريبة كل الأزمات الاقتصادية الغربية باسم “حريات”، قزّمتها عولمة حالة الطوارئ، في حفلة مزج قسرية للهوية بعناصر ثقافية ونفسية غير متجانسة بالضرورة كالإستبداد والدين العام والإنغلاق على النفس ونبذ المختلف.

أصبح مستقبل الإنسانية أكثر سوداوية في صيرورة صناعة السلاح المقرر الأول لمستقبل السياسيين وحقارات البورصة المحدد الأساس لقيمة كل القوى المنتجة والخلاقة في الوجود الإنساني والتمويل السياسي طرفا أساس في تحديد ممثلي الشعب!.

لأننا نعتبر الإسلاموفوبيا، كما كان العداء للسامية من قبل، سلاح دمار شامل في وجه خصب وتنوع وتلاقح وإبداعات النسيج المجتمعي، فإن مهمتنا الفكرية والحقوقية تقوم على تفكيك منطق صراع الثقافات وإلحاق الهزيمة بالممارسات العنصرية والتكفيرية التي ينتجها وأي شكل من أشكال التمييز الثقافي والاجتماعي والسياسي. وأخيرا، وليس آخرا، الحرص ليس فقط على الكرامة الإنسانية لكل أبناء الجنس البشري وإنما على اعتبار هذه الكرامة وحدة متجانسة متكاملة متنصبة فوق الحدود والأجناس والألوان والأديان، ولكن أيضا، وقبل كل شيء، فوق كل الجرائم ضد الإنسانية التي يمارسها “أنموذج فيه انتهى التاريخ” و”هوية متفوقة” في بؤس منتجاتها العنصرية، الصغيرة والكبيرة.

تشبه الدولة الأوربية الحديثة، تشبه في آليات عملها الوظيفي، جهاز نزع المواصفات الذاتية    machine à dé-subjectiver لمختلف المكونات الاجتماعية- الثقافية فيها، أو ما أسميه طرافةً “عمادة الحداثة”، أي الآلة القادرة على تعمية كل الهويات الكلاسيكية كشرط لإعادة إنتاجها. شهدت هذه الدولة حالة استعصاء متعددة الأسباب لهضم وإعادة تكوين الجاليات الإسلامية الحديثة التعايش معها. خاصة وأن هذه الدولة نفسها كانت، في نفس الحقبة الزمنية، موضوع مراجعة شاملة من المحافظين الجدد والليبراليين الجدد الذين يعتقدون بضرورة تحجيم دور الدولة وتقنين حقوق المواطنة باسم “السوبرمان” الجديد، أي مواصفات شكلية مبالغ فيها للفرد تنتزع منه أهم ما حقق من مكتسبات اجتماعية ومدنية.

لم يعد اقتصاد السوق يسعف عملية الإندماج الاقتصادي، ولم يكن بوسع الدولة وقف عملية التهميش الاجتماعية الثقافية. ولم يلبث سقوط معسكر وارسو أن قفز بالإسلام، بالمعنى الرمزي على الأقل، لمرتبة العدو، بحيث حمل المسلمون الأوربيون كل مقومات التقارب والتباعد، التجاذب والتنافر، باعتبارهم ضمن عملية إعادة البناء الدائمة للمنظومة المجتمعية الأوربية من جهة، وخارج قواعد الطاعة التقليدية لهذه المنظومة من جهة إخرى. الأمر الذي يترجم في أزمة ثقة متبادلة تضع وجها لوجه: الخوف من الإسلام والخوف على الإسلام.

ما من شك في أن صعود الإسلام السياسي، والجهاد الأفغاني قد ساهم في سقي بذور الخوف من جاليات مسلمة تبحث أجيالها الجديدة عن هوية وتعريف لذاتها.

في لحظات دعم وتمويل “الجهاديين الأفغان” من المخابرات المركزية الأمريكية (We fund them- Hillary Clinton)، لم يكن الاحتجاج على الأطروحات “الجهادية” من فنكلروفت أو أندريه غلوكسمان، بل من مثقفين وكتاّب مسلمين، لم يكن لهم الحق في التعبير في وسائل الإعلام الأوربية. وأعطي مثلا مبكرا تحذير الدمشقي الأستاذ عصام العطار من دخول الإيديولوجيات المتطرفة إلى أوساط المسلمين في أوربة. وما كتبه قبل ربع قرن: “”على المسلمين الذين يعيشون في الغرب، ويحمل كثير منهم جنسية البلاد التي يقيمون فيها، أن ينظروا إلى هذه البلاد التي يقيمون فيها، أن ينظروا إلى هذه البلاد التي توفّر لهم الأمن والاستقرار، والعلم والعمل، وحرية العقيدة والعبادة، والممارسات الدينية والثقافية,, على أنها وطنهم أيضا، وأن يحرصوا على أمنها وخيرها ومصالحها المشروعة، ويجسموا فيها، بأقوالهم وأعمالهم وسلوكهم اليومي، الإسلام النقي الجميل الإنساني السمح كما أنزله الله تعالى، وأن يقيموا حياتهم فيها على أصح الأسس الشرعية والقانونية، ويتعاونوا، بمقياس الإسلام وحدوده، مع سائر أبناء البلاد، على تعميق التعارف، والفهم المتبادل، وتحقيق الخير المشترك.

أما بعض المسلمين الذين يحملون جنسية هذه البلاد، أو يقيمون فيها، ويستفيدون منها ماديا ومعنويا، ويرون مع ذلك، أنها “دار كفر” يستبيحون فيها –أحيانا- ما لا يبيحه قانون ولا نظام، فهم مخطئون كثيرا، وهم يسهمون من حيث يعلمون أو لا يعلمون، في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وتنفير الناس منهم، ومساعدة أعدائهم على الكيد لهم بغير حق. إن الإسلام يفرض على المسلمين الصدق والأمانة والعدل/ ويحرم عليه الكذب والخيانة والظلم، في أي مكان كان.”. لم يشفع للعطار ترجمة رأيه للألمانية والفرنسية والإنجليزية.

قبل ربع قرن أيضا، قدمت منظمة The Runnymede Trust   غير الحكومية أول محاولة تعريف جدية للإسلاموفوبيا عام 1997 حيث حددت للتعريف المعايير الثمانية التالية:

1 ـ اعتبار الإسلام جسما أحاديا جامدا قلما يتأثر بالتغيير،
2 ـ اعتبار الإسلام متميز و”آخر” ليس له قيما مشتركة مع الثقافات الأخرى وهو لا يتأثر أو يؤثر بها.
3 ـ اعتبار الإسلام دونيا بالنسبة للغرب. بربري وغير عقلاني، بدائي وجنسي النزعة.
4 ـ اعتبار الإسلام عنيفا وعدوانيا ومصدر خطر، مفطور على الإرهاب والصدام بين الحضارات.
5 ـ اعتبار الإسلام إيديولوجية سياسية لتحقيق مصالح سياسية وعسكرية
6 ـ الرفض التام  لأي نقد يقدم من طرف إسلامي للغرب
7 ـ استعمال العداء تجاه الإسلام لتبرير ممارسات تمييزية تجاه المسلمين وإبعاد المسلمين عن المجتمع المهيمن.
8 ـ اعتبار العداء تجاه المسلمين عادي وطبيعي.

منذ ذاك الوقت، وقف جمع من أشباه المثقفين أو Show bis intelligentsia  في وجه محاولات التنبيه للتعبيرات العنصرية الصاعدة تجاه مسلمي أوربة، واعتبروها يسارو ـ إسلامية islamo gauchiste  من أشكال آلان فنكلكروفت وما سمي بالفلاسفة الجدد. وقد وقف عدد من المثقفين الأوربيين التقدميين في وجه هؤلاء، ولعلها الفرصة للتذكير بموقف بيير بورديو Pierre Bourdieu، الذي يعتبر أحد أهم علماء الاجتماع في القرن العشرين والذي قال يومها: “المشكلة التي أطرحها باستمرار هي كيفية طرح شلّة من الكتّاب تحولوا إلى أخصائيين في ليلة وضحاها في المسألة العربية، والضواحي، والحجاب الإسلامي..

للأسف فإن من يتحدث في وسائل الإعلام لا يتعدى تحت فلاسفة sous philosophes  أصبح اختصاصهم القراءة الغامضة لنصوص غامضة، أناس مثل آلان فنكيلكراوت. يمكن تسميتهم بالمدافعين عن ثقافة بيضاء رثة. إنهم ليسوا فقط أنصاف علماء يدافعون عن ثقافة لم يستوعبونها، لإعلان الاختلاف عن أولئك الذين لديهم معرفة أقل بالغرب. […] في الوقت الحالي، تعد هذه المشكلة من أكبر العقبات التي تحول دون معرفة العالم الاجتماعي. حيث يشاركون في بناء التخيلات الاجتماعية التي تحجب بين المجتمع وحقيقته”.

خسرنا بيير في 2002 في وقت كنا بأمس الحاجة لأمثاله، واستمرت إعادة استهلاك الأفكار العنصرية المبتذلة والترويج لها بل وتفريخها لمدارس زيمورية وعمورية جعلت من الحرب على الإسلام والمسلمين منهج حياة عند تجار القلم والصورة الشعبويين. ولم يعد لدينا سوى المؤسسات الحقوقية الدولية، كالمفوضية السامية لحقوق الإنسان لمواجهة خطاب الربط بين ثلاثية “الإسلام والإرهاب والهجرة السرية” باعتبارها الوسيلة الأكثر ترويجا للإسلاموفوبيا ليس فقط في الأوساط الفاشية الجديدة، بل في وزارة الداخلية التي أعطت رئيسا للجمهورية يدعى نيكولا ساركوزي.

نجح مناهضو العنصرية في إصدار تقرير عن مجلس أوربا عن “الإسلاموفوبيا وتأثيرها على الشبيبة” (2005) نجد فيه تعريفا أوليا للكلمة يمكن اعتباره نقطة انطلاق جدية مشتركة بين الحكومي وغير الحكومي في هذا الموضوع الخطير والحساس يقول: “الإسلاموفوبيا، هي التخوف أو الأحكام المسبقة تجاه الإسلام والمسلمين وما يتعلق بهم، سواء تم التعبير عنه بالأشكال اليومية للعنصرية والتمييز أو في أشكاله الأكثر عنفا. الإسلاموفوبيا هي انتهاك لحقوق الإنسان وخطر على التماسك الاجتماعي”.

ولعل في اختيار المفوضة السامية لحقوق الإنسان للخبير دودو ديين مقررا دائما لمناهضة العنصرية الإسلاموفوبيا، ما فتح الأعين، على أن الإسلاموفوبيا كما قال: “هي الشكل الأكثر خطورة للعنصرية في أوربا اليوم، وبهذا المعنى، يمكن أن نحقق اندماجا ضروريا بين مناهضة التمييز والعنصرية الجديدة ومناهضة الإسلاموفوبيا”.

في حين نجحت الحركة الحقوقية المناهضة للعنصرية في تحديد التخوم النضالية بين جبهة مناهضة العنصرية بمختلف أشكالها من جهة والعنصريون، نجحت التيارات الشعبوية العنصرية باسم حماية الهوية الأوربية حينا والهوية القومية أحيانا أخرى، حماية الثقافة المسيحية اليهودية ولكن أيضا، العلمانية، نقاء العرق الأبيض ووقف الهجرة إلى الشمال، أو رهاب بناء أحياء إسلامية مغلقة على “الجمهورية” إلخ، نجحوا للأسف ليس فقط في الوصول إلى البرلمان أو الحكومة في بعض الدول الأوربية، ولكن إلى الأوساط الأكثر إحباطا ويأسا من أنموذج استغلالي جشع يسوق لهم أن أزمة المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الفعلية، لم يكن لها أن تكون، لولا ثلاثية الشر القادمة من الخارج: الإسلام، الإرهاب والهجرة.

من أجل هذا، نعتبر النضال ضد خطاب الكراهية والإسلاموفوبيا، من أهم محطات النضال الضرورية للحؤول دون تحقق نبوءة حنه أرندت المتشائمة، فإن كانت أوربة تعيش حقبة أفول إمبراطورياتها، فإن بالإمكان، ما زلنا نقاوم، ألا يترافق ذلك بمحرقة جديدة.

محاضرة ألقيت في ندوة معا ضد الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية بتاريخ 23/03/2023

هيثم مناع