مايو 18, 2024

هل هو صراع حق وباطل في أوكرانيا؟

هل هو صراع حق وباطل في أوكرانيا؟
أم الإعلان الرسمي للحرب بين الاتحاد الروسي والناتو؟

بعد وفاة معسكر وارسو، كنتيجة طبيعية للتحولات السلمية الكبيرة التي حدثت في بلدان شرقي أوربة، لم يبق في العالم سوى حلف عسكري واحد هو حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومن المفارقات العسكرية والجيو سياسية، أن زعيمة هذا الحلف، الولايات المتحدة الأمريكية، لم تعتمد عليه، في مختلف النزاعات المسلحة التي وقعت أو شاركت فيها بعد سقوط جدار برلين، بقدر ما لجئت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى مبدأ تحالف ad hoc، أي التحالف “الأنسب” في كل حالة وقضية محددة. رأينا ذلك بوضوح في الحروب العراقية، حيث شكلت في كل مرة تحالفا مختلفا تماما في مكوناته، وفي حين شاركت فرنسا في تحرير الكويت، وقفت ضد إعطاء غطاء أممي للاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق.

من هذا المثل البسيط والهام، نعود إلى فكرة مركزية، وهي أن استراتيجيات الصراع، بالمعنى العسكري والاقتصادي والثقافي عند الإدارات الأمريكية المتتابعة، بنيت في “البيت الداخلي الأمريكي” أولا، وقد نوهت قبل أيام في مقالة “إنها الحرب يا صديقي”، إلى أن استراتيجيات مراكز البحث والدولة الأمريكية العميقة قد اعتمدت على ضرورة :

  • إعادة رسم الخارطة الأوربية تحت جناح حلف الناتو
  • بناء شرق أوسط مختلف وحليف
  • إحتواء الوضع الأوكراني في سقف حلف شمال الأطلسي
  • وضع استراتيجيات تعامل مع التنين الصيني الصاعد

كان التقاطع الأول والأساس مع “صقور” الناتو في وضع اللمسات الأخيرة للنقطتين الأولى والثالثة في تحقيق اختراق يسمح بدور أكبر للحلف في 3 أبريل/نيسان 2008، في “إعلان قمة بوخارست” لرؤساء الدول والحكومات العضو في حلف شمالي الأطلسي، حيث جاء في الفقرة 23 من هذا الإعلان:

“يرحب الناتو بالتطلعات الأوروبية ـ الأطلسية لأوكرانيا وجورجيا اللتين ترغبان في الإنضمام إلى الحلف. اليوم قررنا أن تصبح هذه الدول أعضاء في الناتو. لقد قدم كلاهما مساهمات قيمة في عمليات التحالف. نرحب بالإصلاحات الديمقراطية في أوكرانيا وجورجيا، ونتطلع إلى انتخابات برلمانية حرة ونزيهة في جورجيا في مايو. تمثل خطة عمل الناتو​​، بالنسبة لهاتين الدولتين، الخطوة التالية على الطريق التي ستقودهما مباشرة إلى العضوية. نعلن اليوم أننا نؤيد تطبيق هذه البلدان على خطة عمل الحلف. وسندخل الآن فترة من التعاون المكثف مع كليهما على مستوى سياسي رفيع لحل القضايا العالقة فيما يتعلق بترشيحهم للخطة.”

وقع الصدام الأول بعد قرارات بوخارست في 8 أغسطس/آب 2008، عندما شنت القوات الجيورجية بعد أربعة أشهر، هجوما على أوسيتيا الجنوبية الرافضة لسياسة الرئيس ساكاشفيلي تجاه الإقليم، وبعدها بيوم واحد، كان الهجوم الروسي على جيورجيا، الذي لم يتوقف إلا بخسارة جيورجيا لأبخاسيا وأوسيتيا شمالا. أما قضية أوكرانيا فلم تطرح وقتها، لوجود سلطات مقربة من موسكو في كييف. لكن بعد “ثورة الميدان الملونة” قبل ثماني سنوات، عادت بقوة، وكان التماس الأول في دفع إقليمين فيهما أغلبية ناطقة بالروسية إلى الإنفصال، ومصادرة شبه جزيرة القرم وضمها إلى روسيا.

في العقد الثاني من هذا القرن، لم يكن حلف شمالي الأطلسي في أحسن أحواله، لا حاجة للتذكير بازدراء الرئيس رونالد ترامب للحلف، أو بجملة الرئيس الفرنسي ماكرون الشهيرة “حلف شمال الأطلسي في حالة موت سريري”؟ حتى رئيسة المفوضة الأوربية (وزيرة الدفاع الألمانية السابقة أورسولا فان دير لاين)، التي تدق طبول التعبئة اليوم من منصة منصبها الإداري، تدخلت، قبل سبع سنوات في مؤتمر ميونيخ للأمن، قائلة: “لدى ألمانيا في وضع الصراع، فرصة لإثبات أنه في القرن الحادي والعشرين، يجب على الدول المتقدمة تسوية نزاعاتها من خلال المفاوضات”. وأضافت: “إن تزويد السلطات الأوكرانية بالسلاح لمساعدتها للدفاع عن نفسها قد يكون له عواقب غير متوقعة ومميتة”، “تسليم الأسلحة سيكون بمثابة تسريع للحرائق. وهذا قد يعطي الكرملين ذريعة للتدخل علانية في هذا الصراع”…

عدد هام من الدبلوماسيين الغربيين، اقترحوا مبكرا، التصرف بشكل عقلاني ودم بارد مع الملف الأوكراني، ومنهم هنري كيسنجر وبريجنسكي واوبير فيدرين… تقوم هذه الاقتراحات على فنلدة أوكرانيا (الأنموذج الفنلندي خلال الحرب الباردة)، يضيف فيدرين عليهما اللجوء إلى الأنموذج الفدرالي للدولة لمراعاة حقوق الأقليات. إلا أن اقتراحهم لم يجر التوقف عنده من أي طرف. على العكس من ذلك، قدمت الإدارة الأمريكية في عام 2021 مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وفق البنتاغون، تبلغ قيمتها مليار دولار.

لقد بدأت الحرب، بالمعنى الواسع للكلمة،largo sensu  قبل نهاية جائحة كورونا. أكثر من دبلوماسي روسي حدثنا عنها في 2021، وأكثر من خبير بريطاني قال لنا حرفيا قبل أشهر: “لا يمكن للحكومة البريطانية فك عزلتها بعد البريكست والأزمة مع فرنسا، إلا بحمل راية الناتو، آخر شراكة لها أوسع من الشراكة الأمريكية؟..

عندما قرر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالأمس، فتح التحقيق في جرائم الحرب في أوكرانيا، قالها بوضوح: “التحقيقات تبدأ منذ عام 2013”،

كيف يمكن التحقيق في جرائم الحرب إن لم يكن في فضائها نزاع مسلح؟

لم تعد الحرب في القرن الواحد والعشرين تسير على وقع المدافع والقصف، الحرب اليوم “شاملة ومتعددة الأبعاد”. حرب اقتصادية، حرب إعلامية وثقافية، أي، حرب على الدول والشعوب والمدنية في آن معا. في وضع عادي، لو صدر نداء الامس من 700 أكاديمي وعالم وباحث روسي ضد الحرب في مطلع العام، كان آلاف الباحثين والأكاديميين في العالم التحقوا بهم تضامنا من الشرق والغرب، اليوم، كل ما يأتي من الجبهة الأخرى شر مطلق، كل أغنياء روسيا في جيبة بوتين، حتى الأدب والفن والرياضة مطلوب أن يدفعوا الثمن… لأنهم جغرافياً كانوا في المكان الخطأ في الزمن الخطأ. نحن من يعرف ذلك أهل المشرق: ألم تحتج مديرة منظمة العفو الدولية في إسرائيل على تقرير منظمتها حول نظام الأبارتايد في إسرائيل وفلسطين المحتلة؟ ألم يختلط الحابل بالنابل في كل الصراعات المسلحة؟ على إحدى القنوات الفرنسية قال باحث اقتصادي قبل أسبوع بأن العقوبات الاقتصادية لم تثبت نجاعتها يوما وهي عقوبات جماعية تنتهك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للبلدان، كان ذلك ظهوره الأخير على وسيلة إعلام هامة؟ من يتحدث عن  اللاجئين غير الأوكرانيين الذين يسعون لعبور الحدود ويتم صدهم، غير مفوضية اللاجئين الأممية؟

في 1945، وعندما نجحت النازية والحلفاء، في شيطنة كل ما هو ألماني، وقف الشاعر السريالي المصري وجماعة الفن والحرية في مصر ومنظمة مناهضة الفاشية، في وجه ذلك العبث المشهدي، وأصدر جورج حنين كتابا بالفرنسية بعنوان:

 “La vertu de l’Allemagne” (فضيلة ألمانيا).

 كم كان جميلا أن تصدر أصوات حرة كهذه من أوربة؟ حتى 36 ألف فتاة اغتصبتها قوات إنزال الحلفاء في النورماندي، لم يتعد التعويض لهن غير ثلاثة كتب توثيقية وأطروحة دكتوراه!!!

نعم، الحرب العسكرية هي أعلى أشكال الصراع، ولكنها أيضا ودائما، أكثرها وضاعة وقذارة. عندما يحاسب في حرب تسببت في مقتل أكثر من خمسين مليون شخص أقل من مئة مجرم، أين العدالة، أين جبر الضرر، وكيف يمكن الخروج بدروس تتناسب مع فظاعات الحروب؟ حتى اليوم، وبعد 11 عاما على اعتبار سوريا منطقة نزاع مسلح، مازال منطق القوة العسكرية هو القاعدة، لا عدالة ولا مسائلة ولا سلام أهلي ولا وحدة أراضي…

إن كان الرئيس بوتين، يعتبر حربه “معادل جيوسياسي لجرائم الشرف”، باستعارة تعبير توماس فريدمان، فمن الضروري تذكير القيادة الروسية أن الشرف ينتهك بالحرب، ولا ينتهك بتجنبها…

ليس في الحرب التي نشهدها اليوم، غالب ومغلوب، بل مغلوب ومغلوب، ولن تحل المدافع وطبول الحرب الطويلة أي من المشكلات المطروحة على طاولة المنطق والحكمة… الدم الذي سيراق أولا دم أوكراني وروسي، وإعداد قوائم بجرائم الحرب لن يخفف عدد القتلى، أما الحديث عن الخسائر الاقتصادية، فيذكرنا صقور الحرب في مختلف الجبهات، أن نصف ترليون دولار أقل من الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية، فلا بأس من تحملها!!!

 سيغادر الأمين العام للناتو يانس ستولتن برغ منصبه لرئاسة بنك النرويج في نهاية العام، وسيزج الرئيس بوتين بمعارضيه في السجن بتهمة “الخيانة الوطنية”، قائمة الموت بين المدنيين ستتعدى بالضرورة الحربية قائمة المقاتلين، ويمكن أن يصل عدد اللاجئين الأوكرانيين إلى عدد سكان النرويج أو سويسرا… شيء وحيد لا يمكن تغييره، هو الجوار الأوكراني الروسي. يمكن لمواطني البلدين الطلاق من زوجاتهم بقرار إداري بسيط، لكن لا تسونامي ولا الحروب تستطيع تغيير جغرافيا الجوار. بتعبير آخر، الثمن الحقيقي في حروب الجيران، يدفعها شعوب البلدين أولا وأخيرا. ومهما صفق الآخرون أو ذرفوا من الدموع، فلا يستحقون أكثر من صفة “المتفرج المشبوه”. هذا ما ينساه كل من شارك في تأجيج الحرب العراقية-الإيرانية، كما ينسون أنها كلفت مليون ونصف ضحية من الشعبين.

من الضروري شجب الاعتداء العسكري الروسي على أوكرانيا، ولكن أيضا، إعطاء السلام فرصة. نحن بحاجة إلى عقلاء مؤمنين بأن الحل العسكري للقضية الأوكرانية وهم، وأن احتلال أوكرانيا أو تنظيم المقاومة الشعبية وتنظيم الفصائل الأممية فيها انتساب واسع لعملية الوهم المنتجة للدمار والضحايا.

ليس الحديث في الحل السياسي ضامنا وحيدا للسلام والأمن في الأوراس كلاما طوباويا، وعدم تركيز كل الجهود بهذا الاتجاه، يدفع بنا جميعا إلى حرب عالمية جديدة، أصبحت كل شروطها الموضوعية في الميدان.  

 المداخلة التي ألقيت في الندوة الأسبوعية في مركز الحوار/ واشنطن  “الحوار أونلاين” – رقم 186
مناقشة عامة حول: هل هو صراع حق وباطل في أوكرانيا.. وبين روسيا والغرب؟!