ديسمبر 06, 2021

المحاكم الجنائية الدولية بين السياسة والعدالة

iccفتحت مذكرة توقيف المدعي العام الأرجنتيني وأكامبو للرئيس السوداني البشير شهية الحقوقيين وخبراء القانون الدولي والسياسيين للكتابة والمناظرة.  وما جعل القضية تكتسب طابعا أكثر عالمية اعتقال قوات الأمن الصربية رادوفان كاراديتش، مقابل موقف أوربي إيجابي من طلب صربيا الالتحاق بالاتحاد الأوروبي. الأمر الذي همّش السبب الأساسي لملاحقة زعيم صرب البوسنة وتسليمه إلي المحكمة (بعد 13 سنة)، وكأن العالم السياسي حريص دوما علي تأكيد تفوقه علي العالم القضائي. يأتي الرئيس الفرنسي ساركوزي ليؤكد يوم الجمعة 25/7/2008علي ذلك، عندما دعا “الرئيس السوداني للقيام بالجهود الضرورية وإعطاء الإشارات المطلوبة كي يفهم المجتمع الدولي أنه أدرك الرسالة التي وجهها له المدعي العام”، معتبرا مذكرة التوقيف بحق المشير البشير رسالة سياسية قوية. وقبل كل ذلك كان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية شون ماكورماك قد انتزع من أوكامبو أسبقية تعريف العالم بمذكرته.
فإلي متي ستبقي هذه السلطة التنفيذية الوطنية والدولية تتدخل في استقلال القضاء؟ لماذا مازالت الكتلة البشرية الأكبر اليوم (الهند والصينوروسيا والولايات المتحدة وسبع عشرة دولة عربية إلخ) ترفض التصديق علي ميثاق روما؟ لماذا تراجعت عدة دول عربية عن عزمها التصديق، وهل يغير ذلك من طبيعة علاقتها بالقضاء الجنائي الدولي إن كان مجلس الأمن هو صاحب القرار في شمولها بالاختصاص وليس التصديق؟

 أليس من المحبط أن السلطة التنفيذية (السياسية الأمنية)، التي ناضلت دول أوروبية من أجل استقلال القضاء الوطني عنها، تستعيد مواقع خسرتها نتيجة النضال العنيد للمجتمع المدني الأوروبي لأكثر من قرنين؟ تستعيدها داخليا بقوانين مناهضة الإرهاب، ودوليا بوضع العدالة الجنائية الدولية تحت أنظار الكبار عموما، والسلطة التنفيذية الدولية المسماة مجلس الأمن بشكل خاص. أليس مأساويا أن المحكمة الجنائيةالدولية لم تقبل حتى اليوم سوي أربع حالات كلها من أفريقيا (أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطي والسودان)، وكأن الجرائم الجسيمة من اختصاص البشرة السوداء؟

في مثل هذا الشهر (يوليو/تموز) من عام 1995 وقعت مجزرة سابرينيتسا التي راح ضحيتها ثمانية آلاف ضحية ونيف (قائمة الضحايا حصرية، وتم تحديد الحمض النووي للمئات من الجثث، وطريقة القتل لأكثر من أربعة آلاف منهم، وكل أماكن القتل الجماعي بشكل موثق اليوم). كانت سابرينيتسا وزابا وغورازده مناطق آمنة محمية من قوات الأمم المتحدة المسماة Forpronu  (قوات الحماية التابعة للأمم المتحدة) التي يقودها الفرنسي برنار جانفييه. وقد أعلمت المخابرات الفرنسية الجنرال الفرنسي في شهر يونيو/حزيران 1995 باستعداد الميليشيات الصربية للقيام بعملية انتقامية في سابرينيتسا. القوات المعنية والقادرة على المواجهة هي الأمريكية والألمانية والبريطانية والروسية والفرنسية. طائرات أمريكية بلا طيار كانت تحوم باستمرار فوق مناطق الحماية هذه. حدث مهم  ينساه الكثيرون وقع قبل شهر من المجزرة: أطلق ملاديتش، الزعيم العسكري الصربي، سراح 401 من القبعات الزرقاء في 3 و 9 و 11 يونيو/حزيران، مقابل تعهد بعدم استخدام القوات الجوية ضد ميليشياته. أما المجزرة فوقعت تحت أعين قوات الأمم المتحدة التي لم يشملها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الخاصةبيوغسلافيا السابقة.

بعد اجتماع لمجموعة حقوقية كانت تعمل ضد الإفلات من العقوبة في الحرب اليوغسلافية في 1999، اقترب مني صحفي فرنسي وقال لي: “أنا عائد من البوسنة وصربيا وقد قابلت رادوفان كاراديتش وراتكو ملاديتش”. أجبته بأنني سمعت أنهما يتجولان بحرية. أردف: “أكثر من ذلك، القوات الدولية تغمض العين”. ذهبت معه لمكتبه ليريني الفيلم الذي سجله وفيه كاراديتش يهزأ بمذكرة توقيفه، أما ملاديتش فقد كان يتزحلق علي الثلج في مشتي سياحي. شاهدت أيضا رد فعل القوات الدولية الرافض لأي تعاون عندما أعلمهم هذا الصحفي بأن مطلوبا للعدالة الدولية علي بعد 300 متر منهم. علقت على ما رأيت بالقول: “إذهب إلي لاهاي، كارلا ديل بونتي (المدعية العامة للمحكمة يومذاك) تعشق التصريحات الصحفية”. ذهب الصحفي والتقى  ديل بونتي، وكان جوابها أن هناك غياب رغبة سياسية في القبض عليهما. وغادرت بونتي منصبها وفي نفسها شئ من اعتقال ملاديتش وكاراديتش. طبعا يجدر التذكير بأن مذكرات التوقيف الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة لم تشمل أي مواطن أوروبي من خارج الحدود اليوغسلافية، وهي تشمل قرابة 1% من المتهمين فقط والباقون ستكون محاسبتهم أمام المحاكم الوطنية وليس في لاهاي، وحتي اليوم لم تصدر الأحكام بحق أي منهم.

لا أسوق هذا الوقائع لإبراز ضعف محكمة حاولت أوروبة أن تعطي منها المثل الأفضل للمحاكم الخاصة، كذلك لا يبرر تأخر اعتقال مجرم، من أي جنسية ولون ودين وقومية، ضرورة مثول أي مجرم أمام العدالة الجنائية الدولية دون تساهل في التحقيق أو الاجراءات مع أي متهم. وإلا لما شكلنا تحالفا دوليا ضد الإفلات من العقاب وجمعت شخصيا أكثر من عشرين باحثا لإغناء المكتبة العربية بكتاب جماعي ضد هذه الآفة. أسوق هذه المعطيات للخروج من سذاجة التصور المثالي لما يحدث في لاهاي ولكي لا يصاب الناس بالإحباط عندما يرون خطوة للوراء هنا أو هناك. فالعدالة الجنائية الدولية تمر بمرحلة انتقال صعبة وحصار من أكثر من جانب. الأمر الذي يتطلب مسئولية عالية منقضاتها، واستقلالية متميزة للمدعي العام، ونضجا عاليا وجهدا مضنيا من المدافعين عنها أكثر من غيرهم. وهذه عوامل أساسية لاستمرار النضال من كل الحقوقيين للوصول إلي تغليب ضروري للقضائي علي السياسي، كشرط لا بد منه من أجل أن تصبح العدالة الجنائية الدولية جزءا من الوعي البشري العام والمطالب الأساسية للضحايا.

إذا تصورنا أن تطبيق الاختصاص الجنائي في بروكسل أو مدريد، أو المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، قد أرّخ لحقبة جديدة بكل معاني الكلمة، فنحن ضحية تفاؤل مبسّط. ففي عالم ينتمي بتقاليده لما قبل الحقبة التي تمثلها المحاسبة العالمية، سنواجه كل يوم مشاكل أساسية مثل: هشاشة وضع الضحايا وعدم توافر الحماية اللازمة لهم. كذلك قوانين العفو المحلية الكريمة بحق الجناة، كون الدولة بمنطقها حريصة علي نجاة من خدمها (لنتذكر أن المخابرات الأمريكية جلست فوق رأس القاضي الأمريكي في محكمة نورنبرج لإنقاذ رءوس من تعامل مع الجيش الأمريكي من النازيين). أيضا فكرة رفض تسليم المجرمين، واستمرار مبدأ زوال الجريمة بالتقادم، والحصانة السياسية والدبلوماسية المثبتة في أكثر من نصف دساتير العالم لأصحاب القرار في الحرب والسلم، ومشكلة التعويضات، وشكل وطبيعة ودوافع تدخل مجلس الأمن.
أمام كل هذه المشاكل “العادية”، في حقبة الانتقال التي نعيشها، ثمة أيضا مشاكل جيوسياسية تزيدها تعقيدا. من يتحدث اليوم عن المنظومةالموازية القائمة علي الاتفاقيات الثنائية للإدارة الأمريكية، التي تهمش صلاحيات وسقف وامتداد المحكمة الجنائية الدولية؟ ومن لم يقرأ قرار مجلس الأمن الذي ترك هامشا للمناورة السياسية في قرار إحالة دارفور للمحكمة الجنائية الدولية؟ الكل يذكر كيف أصرّت الأطراف الأقوىعلى ألا تعتمد المحكمة الجنائية الدولية وحسب على مبدأ القضاء الواقف والقضاء الجالس، أي الادعاء العام والمحاماة، بل وضعت بينهما ما يمكن تسميته بالمقرفص المتربص (أي مجلس الأمن). ذلك ليكون هناك نوع من “حق الفيتو” في الوقت المناسب. للحيلولة دون ذهاب العدالة إلى آخر الشوط الذي سينال بالتأكيد مقومات الظلم المعاصرة، وليس فقط صغار الحيتان.

في السنة النبوية الإسلامية حديث يبين هلاك الأمم في مقولة: إن سرق فيها الضعيف عاقبوه وإن سرق فيها القوي تركوه. مع تأكيد علي أن فاطمة ابنة الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – ستكون موضوع محاسبة إن سرقت.

لن يقبل الوعي الجمعي للعرب والمسلمين بعدالة جنائية دولية تبدأ بالدراويش، لأنهم يعتقدون أن من يقبل بهذه البداية ينتهي بها

01/08/2008   البديل