ديسمبر 06, 2021

لا تجعلوا المحاكم الدولية مطية سياسية؟

political knifeجلست أنظر إلى برنامج الإتجاه المعاكس على غير عادة، حيث صرفتنا الحرب على الإرهاب عن متابعة برامج تلفزيونية كثيرة. وكما أن الإعلاميين يعيشون فرط تسمم بالأخبار الرديئة، نعيش في المنظمات الحقوقية  فرط طلبات تدخل لإنقاذ ضحايا هذه الحرب هنا أو هناك. الموضوع هام وخاصة أن الدكتور القاسم دعى له صديقين شخصيين. لكن كالعادة وكما في الحياة، ضاعت العدالة والمحاكم الدولية في مبارزة بالسيوف لا بالسجال العقلاني والحجة المنطقية. فالمحامي المغربي جاء وبرأسه هاجس المحكمة الدولية للمسؤولين عن اغتيال الحريري. هذه المحكمة التي ستشكل المرجع الأسوأ في تاريخ العدالة الدولية المعاصر، بوصفها الأداة السياسية بامتياز في صراعات دولية توظفت فيها أطراف لبنانية، كالعادة، في خدمة الآخر. والدكتور شلوف جاء وفي رأسه تعيينه المشّرف لنا جميعا كمحام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وبالتالي ليدافع عن أهم إنجاز للعدالة الدولية في القرن العشرين.

عندما بدأ صراع الديوك، تحّول شلوف إلى حَكَمٍ سياسي في تقرير المسؤوليات الجنائية في العراق. ليوقظ الوعي الجماعي العربي على المحكمة الجنائية البائسة الخاصة التي فصلّها الاحتلال الأمريكي على مقاس القيادة العراقية السابقة لقطع رؤوسها. أما المغربي، “المتورط” معنا في عدة دعاوى طور التحضير للمحكمة الجنائية الدولية، فقد خلط بين أسس قيام محكمة العدل الدولية وتلك الخاصة بالقضاء الجنائي، تاركا مقعد اتحاد المحامين العرب ليأخذ مكانه في قيادة المعارضة اللبنانية والمقاومة (أي 8 آذار).

رغم معرفتي التي أدعي أنها جيدة بالشخصين، يمكن أن أجزم أنه في برنامج من هذا النوع تضيع للأسف مسألة الحكمة والنسبية في المواقف. فضاعت قضية المحاكم الدولية في موقف سياسي مسبق من الأوضاع العراقية عند الدكتور شلوف، ومثله من الأوضاع اللبنانية عند الأستاذ المغربي.

كان من الضروري التوضيح للمشاهد غير المختص أنه ليست كل المحاكم الدولية متشابهة وجيدة، وليست العدالة الوطنية أيضا في كل أوضاعها مشرّفة. وإلا أين هي المحكمة الخاصة بجرائم العدوان الإسرائيلي؟ وكيف نسمي تجريم قضاة عرب لميشيل كيلو وعارف دليلة أو محمد عبو وقياديي الإخوان في مصر؟ كذلك، هل يمكن أن نقول أن قدرة الديمقراطيين العرب على ملاحقة جلاد أمام المحاكم الإسبانية بجريمة التعذيب تدّخل في الشؤون الداخلية للوطن، وهل مهمة أي وطن حماية التعذيب والجلادين؟

ليست العدالة الدولية بريئة من موازين القوى الجيو سياسية، لكن تعبيراتها ليست واحدة، وتكويناتها ليست متشابهة. فبين محكمة عدل دولية عمر نظامها الأساسي ستين عاما، أي أنه أصبح قديما بالمعايير الدولية، ومحكمة جنائية دولية لم تعط بعد تعريف جريمة العدوان، أي محكمة في طور التشكل، ثمة فوارق كبيرة. أما أن نقارن المحكمة الجنائية الدولية بمحكمة “14 آذار” فهذه مصيبة المصائب.

منذ اليوم الأول لاغتيال رئيس الدولة اللبنانية السابق رفيق الحريري، طالبت اللجنة العربية لحقوق الإنسان بمحكمة عربية خاصة. محكمة تفتح المجال لتقليد جديد في قضايا الاغتيال السياسي والاعتداء على سلامة العاملين في الشأن العام. لقد كانت لنا تجربة غنية مع المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، ولي شرف إلقاء كلمة المنظمات غير الحكومية قبل 13 سنة للمطالبة بمحكمة ad hocلجرائم رواندا أمام لجنة حقوق الإنسان في جنيف. والجميع يعرف دور موسوعي القانون الجنائي محمد شريف البسيوني في وضع لبنات أساسية للمحاكم الخاصة بالموضوع والمحدودة في الزمان. كذلك لا بد من التذكير بوجود قاض متميز ألا وهو الدكتور فؤاد رياض في المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، وبالدور المتميز للجمعية المصرية للقانون الدولي في التعريف بالمحاكم الدولية.

إذن الحوار العربي حول المحاكم الدولية لم يبدأ مع مطالبة النائبة بهية الحريري بمحكمة دولية خاصة بشقيقها. المأساة أن هذه المحكمة جاءت لترد على أجندة سياسية لا متطلبات قضائية ضرورية تترك آثارها في الثقافة المدنية والحقوقية العربية، لذا لا يوجد إلا ثلاث منظمات حقوقية في العالم تدافع عن حق المعتقلين في ذمة التحقيق بقضية الحريري في قرينة البراءة؟. فكما قال العلامة اللبناني محمد حسين فضل الله عندما سؤل عن دولة إسلامية في لبنان قبل ربع قرن: “إذا لبننت فكرة الدولة الإسلامية خربت”. نقول : لبننة فكرة المحكمة الدولية جزء من خراب البصرة. فما يحدث اليوم، هو بناء رأي عام عربي سلبي تجاه الاختصاص الجنائي العالمي والمحكمة الجنائية الدولية. مما سيترك دون شك آثارا سلبية جدا على مجالات الاقتصاص والمحاسبة في الجرائم الجسيمة التي تقع على الأراضي العربية أو بحق القاطنين عليها.

ذكرتني الحلقة السريالية بالأمس بمشهدين سرياليين آخرين: كان قد اختير عبد العظيم المغربي للدفاع عن بوش في المحكمة الشعبية في القاهرة، وسيدافع الهادي شلوف، صاحب نظرية كل السوء من الاستبداد المحلي، عن السلطات السودانية في لاهاي!

———————

7/3/2007