نوفمبر 30, 2021

في التقليد والتجديد

dr. manna 12كتب الأمير عبد القادر الجزائري عام 1855 للميلاد (1271 للهجرة) في كتابه “ذكرى العاقل وتنبيه الغافل” :

“المتبوعون من الناس على قسمين: قسم عالم مسعد لنفسه ومسعد لغيره، وهو الذي عرف الحق بالدليل، لا بالتقليد، ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل، لا بأن يقلدون. وقسم مهلك لنفسه ومهلك لغيره، وهو الذي قلد آباءه وأجداده فيما يعتقدون، ويستحسنون، وترك النظر بعقله، ودعا الناس لتقليده. والأعمى لا يصلح أن يقود العميان. وإذا كان تقليد الرجال مذموما، غير مرضٍ في الاعتقادات، فتقليد الكتب أولى وأحرى بالذم. وأن بهيمة تقاد، أفضل من مقلد ينقاد. وأن أقوال العلماء والمتدينين متضادة، متخالفة في الأكثر، واختيار واحد منها واتباعه بلا دليل باطل، لأنه ترجيح بلا مرجح، فيكون معارضا بمثله”.

من الضروري استعادة هذا النص المبكر في كتابات القرن التاسع عشر الإصلاحية، ففي كل فترة اضطراب وتأزم في ثقافة الأمم وأوضاعها، يستعيد الرواد جملة أسئلة ضرورية،  في الدين كما في الفلسفة، وفي الإطار النظري كما في الإطار العملي، تتمركز في السؤال حول سقف التقليد وضرورات التجديد، القدرة على تتبع مفهوم الاستمرارية والإنقطاع في نظم التفكير ونظم الحياة، كذلك المقدرة على إبصار الذات بعين نقدية بناءة. ولا ينجو من هذا الإختبار شعب أو أمة أو معتقد، بل على العكس من ذلك، لعل هذه الأزمات هي التي تعطي القدرة على تشريح دقيق للواقع وتسمح بتبلور رؤى مختلفة قادرة على التجاوز. لذا لا يغيب موضوع التقليد والتجديد عن أي مصلح أو رمز للتنوير، ومن أكبر الأسئلة التي طرحت وتطرح عند تقييم أو تعريف أي عالم، سؤال يتعلق بفضاء التجديد في فكره وحجم الإبتكار في تصوراته والقدرة الحية لآرائه في الرد على تحديات عصره. رد ينهل من تاريخ الفكر ويتسلح من مستودع الأسلحة الذهنية الأحدث، لأن كلمة الحضارة، بالمعنى الثقافي، تعني استيطان القدرة على اعتبار غنى الثقافات البشرية ملكا لكل إنسان. هذه القدرة على اكتشاف الذات والآخر كوسيلة لإعادة تصور العالم جعلت الفكر اليوناني مرجعا لفكر التنوير الغربي، ولحظات النهوض الحضاري العربي الإسلامي في صلب محاولات التصدي لانحطاط العرب والمسلمين (بالمعنى الذي يتحدث عنه أبو الحسن الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”). وإن كانت هذه اللحظات ممكنة، فلتوفر عاملين أساسيين، الأول: هو اعتبار الحكمة ضالة كل إنسان ومن أي كان. ما يختصره الإمام الكاظم في وصية له بالقول: “لو وجدتم سراجاً يتوقّد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به، ولم يمنعكم منه ريح نتنه، كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممّن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها”. والثاني، اعتبار الخلاف من مقومات التقدم وإباحة النطق بالرأي والرد عليه. وقد أحصيت في كتب “الرد” أكثر من ألف ومئتي عنوان لرسالة وكتاب، وأظن أنني لم أجمع إلا اليسير القليل من المكتبة العربية في نهضة المشرق قبل ألف عام.

كانت الملل والنحل بهذا المعنى، التيارات الفكرية والسياسية في عصرها، وإن كانت فترة الحروب الأهلية الأولى قد أعطت الصراعات الدينية-السياسية بعدا عنفيا، فقد سمحت أوضاع الخلافة العباسية التي ضمت شعوبا شتى وجمعت تعددية ثقافية لا سابق لها وحركة ترجمة وإنتاج جد غزيرة، سمحت أوضاع الخلافة بإعادة اكتشاف الإسلام الأول وإعادة إنتاج التصور الإسلامي بآن. وإن كان الحديث عن السلف الصالح تلمود حقبتنا الراهنة،  فإن هذا السلف كان صالحا بالمعنى الفكري والفقهي لأنه كان مجددا ومبدعا وقادرا على استنباط الأحكام الأفضل لعصره. فابن حزم الأندلسي هو القائل “لا يحل لأحد أن يقلد أحدا، لا حيا ولا ميتا، وكل واحد له حق الإجتهاد حسب طاقته”. وقال بذلك أصحاب المذاهب الأربعة، أبو حنيفة صاحب مأثورة “هذا رأي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي أفضل قبلناه”، ومالك من قال “إنما أنا بشر أخطئ وأصيب”، والشافعي من أكد “إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي عرض الحائط” وابن حنبل من تصدى للتقليد بالقول “من ضيق علم الرجال تقليد الرجال، لا تقلدوا الرجال فإنهم لن يسلموا من الخطأ”، يذّكر ابن تيمية بهذه المواقف بقوله: “هؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون، وذلك هو الواجب”.

يدين الشوكاني حصر الشريعة بنفر من العلماء في زمان ومكان ولى ويقول: “من حصر فضل الله على بعض خلقه، وحصر فيهم هذه الشريعة فقد تجرأ على الله عز وجل وثم على شريعته الموضوعة لكل عباده”. أما جمال الدين بن الجوزي فيؤكد على أن “في التقليد إبطال منفعة العقل لأنه خلق للتدبير، وقبيح على من أعطي شمعة يستضئ بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة”.

لا شك بأن دسترة المذاهب السنية منذ “الاعتقاد القادري” وإغلاق المنظومة الجعفرية منذ الدولة الصفوية، قد ساهما في إغلاق باب التأمل والاجتهاد ووضع هالة مقدسة على آراء القدماء.  تقديس العمل البشري والتوقف عند جعبة السلف جعل من السهل على الطبيب المسلم اليوم أن ينتسب للمدارس الطبية الحديثة على اختلافها مع تقديره لما قدّم الرازي وابن سينا، في حين لم تزل المذاهب الفقهية تعيش على عطاء حقبة ذهبية لم يتمكن معظم شيوخ حقبتنا لا من هضمها وإعادة انتاجها أو تجاوزها نحو وضع جديد. ولا شك بأن تفكيك “سلطة المذاهب” لا يشكل وحسب انعتاقا فكريا وثقافيا للمسلمين وإنما أيضا في حقبة الشحن المذهبي الأعمى، ضمانة أساسية للسلم الأهلي.

لقد وضعت الضجة الأخيرة بين رجال دين سنة وشيعة الأصبع على الجرح، فإذا بنا كوالدة المفقود، تتذكر دائما لحظة خطفه من أجهزة الأمن وتتمثل هذه اللحظة باعتبارها، ليس فقط نهاية التاريخ، بل أيضا وسيلتها الأبدية لعيش مأساة حداد غير منجز، بل لنقل غير قابل للإنجاز. فإن كانت النقاشات في العصر الذهبي تجمع بين القدرة على النقد والقدرة على متابعة الحوار وتبادل المناظرات، بحيث كان الكثير من الملل والنحل يعيش ويموت كالبشر، فها نحن نرتكس لحالة تكلس مزمنة، بعد إرهاصات جوهرية يبدو أنها لم تكن عميقة في الذات أو مؤسسة في القناعات، لنعود لمن أعطى كتاب “الفرق بين الفرق” لأبي القاهر البغدادي القول الفصل في 73 فرقة واحدة منها هي الناجية، ولمن أوقف التاريخ عند الكليني “ثقة الإسلام في كل زمان ومكان”، وقطاعات حولت فتاوى ابن تيمية التكفيرية لقرارات مقدسة. ذلك، رغم كل المجملات اللفظية التي نستهلكها في التسامح وحوار المذاهب والتقريب بين الأديان وفتح باب الاجتهاد والإصلاح والتجديد وأخيرا وليس آخرا: الدولة المدنية. بل لا يستغرب المرء أن يقرأ في بيان لجمعية “جبهة علماء الأزهر” بيانا يوضح لنا أن الخلاف بين السنة والشيعة يكمن في أصول الدين، ويتحدث عن تكفير تسعة من فرق غلاة الشيعة ثمانية منها انقرضت منذ ثمانية قرون، بل جاء في البيان الصادر في 24سبتمبر 2008 :   “كان إمامهم هشام بن الحكم أول من قال إن الله تعالى جسم  وأنه محال أن يكون عالما بالأشياء بنفسه، وأدخل فيه من النقص والتمثيل ماهو باطل، على تفاوت فيه بين فرقهم التسعة، من زرارية تيمية؛ وسيابية؛ وشيطانية طاقية؛ وهشامية؛ وجواليقية؛ وميثمية، وموسوية…”. ما هي غاية هذا الخلط المتعمد بين فرق الغلاة وما سماه الشيخ القرضاوي  بالغزو الشيعي (المقصود به المذهب الجعفري الإثني عشري تحديدا)؟ هل يليق بجبهة علماء يدرّس في جامعتها التاريخ الإسلامي أن تتحدث بخطاب “البروباغنده”، أي الدعاية  بأبعد الوسائل عن التناول والتحليل العلميين؟  

كلما نقرأ كتب الكبار، نلاحظ قدرة كبيرة عندهم على إغناء القارئ بجديد مفيد. فعندما ينتقد عبد الرحمن الكواكبي أئمة الإستبداد ويربط بين الإسلام والحرية والقدرة على مواجهة وقائع الحياة المعاصرة، نجده يصرّ على أن مشروعا كهذا غير ممكن التحقيق دون تجاوز المذهبية التي تأسر النص في سجنها. هذا الرأي نجده أيضا عند الإمام محمد عبده الذي يصرح دون مواربة  بأن الأساس في الاجتهاد هو “أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويرجع بالتأويل أو بالتحريف إليها”. ويحمل الإمام عبده على أصحاب الاتباع والتقليد في تفسيره للآية “إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتبعوا (البقرة 166) معتبرا حكم الآية “يستغرق جميع المقلدين”. وفي خاطراته يؤكد جمال الدين الأفغاني على فضل التجديد والاجتهاد بالقول: “ولا ارتياب بأنه لو أفسح في أجل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعاشوا إلى اليوم لداموا مجدين مجتهدين”.

أما الميرزا محمد سعيد النجفي النائيني  فيتحدث في  “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”(1909)، عن قوة الاستبداد الديني يقول: “يعتبر علاج هذه القوة من أعسر الأمور وأصعبها وذلك لشدة رسوخها بالأذهان والقلوب أولا، ولاعتبارها جزء من أجزاء الدين ثانيا (…)، وقد أظهرها المنسلكون في زي الرياسة الروحانية بعنوان الديانة، وخدعوا الشعب الجهول لفرط جهالته وعدم خبرته بمقتضيات دينه بوجوب إطاعتهم، وعرفت أيضا أن هذه الإطاعة والإتباع الأعمى حيث لم تستند على حكم إلهي معدودة في مراتب الشرك بالذات الأحدية بنص الآية المباركة “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله..”.

في النقاشات الحادة في شبه الجزيرة الهندية حول الخلافات الفقهية، وضع أبو الأعلى المودودي الجمهور حكما في رأي العلماء بالقول: “ليس كل تعبير لأي حكم من أحكام الإسلام جاء به عالم من علماء المسلمين، ولا كل مسألة استخرجها إمام من أئمتهم بقياسه أو اجتهاده ولا كل فتوى أصدرها مجتهد من مجتهديهم على أساس الاستحسان، هي القانون في حد ذاتها، وإنما هي بمثابة الإقتراح؛ وهي لا تصير القانون إلا بأن ينعقد عليها إجماع الأمة أو يسلم بها الجمهور، أي أغلبية الأمة”.

في حال تتقوقع فيه القوانين على الاجتهادات القرون وسطية، رغم ما فيها في كثير أحيان من مجافاة للعقل واختزال لمفهوم العدل وتقزيم لروح الإسلام، لن نجد عند خيرة المقلدين ما يعطي السلاح الأنجع لمواجهة منطقية وفاعلة مع تحديات عصرنا. ومع الإحياء والتضخيم المبالغ بهما لحديث الفرقة الناجية، تنشأ طمأنينة ذهنية تذكرنا بلاهتها بمقطع  في الشريعة العملية للشيخ عبد الله العلايلي لمواجهة ما “يفري عالم اليوم من سقم عياء ويستبد به حمى برحاء.. ينعكس فعلها في الفكر والمجتمع ومناهج السلوك، إذا ظلت أسيرة قوالب جامدة. وهذا ما حاذره المبعوث بها في قوله الشريف: إن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة، من يجدد دينها”.

اعتبر راشد الغنوشي سياسة التقليد وغياب الاجتهاد ثمرة لتضخم الماضي على حساب الحاضر وثمرة من ثمار مجتمع الإستبداد “حيث تتحول الجماهير إلى قطعان تساق من طرف السياسي وشيخ الطريقة وفقيه المذهب، تساق بلا وعي مشدودة إلى الماضي”.

كيف تتجدد الحركات الإسلامية يتساءل عصام العطار، إذا كنا نريد لكل فرد من أفرادها أن يكون صورة فوتوغرافية من بقية الأفراد، أو إنسانا آليا يتحرك كما يحركه من يمسك بجهاز البرمجة والتسيير؟ “يجب علينا؛ يجيب مستدركا؛ أن نسمح، بل أن نشجّع في حركاتنا ولادة أفكار جديدة، وإمكانات جديدة، وشخصيات مبدعة، وبذلك تتجدد حركاتنا وتنمو، ولا تتحجر وتموت، وبذلك تستجيب استجابة أفضل لحاجات الإسلام والمسلمين والإنسان المتجددة في العالم والعصر، والحاضر والمستقبل”.

————– 

باحث عربي من سورية يعيش في فرنسا

الجزيرة نت 26/10/2008