June 13, 2021

قراءة في تهاوي الإسلام السياسي

أسامة الرفاعي

صدر في بيروت عن دار نوفل للنشر- هاشيت أنطوان، كتاب “تهاوي الإسلام السياسي من المودودي إلى إردوغان” للدكتور هيثم مناع. يتناول الكاتب في فصوله أسباب تهاوي الإسلام السياسي بعد تسعين عاما من ظهوره، على أنقاض خلافة عثمانية متهالكة، اتفق العالم على تسميتها بالرجل المريض. الدافع الأول عند مناع لإصدار الكتاب حسب تعبيره: “هو انتمائي لفكرة انعتاق الإنسان من النكوص الكارثي إلى الخلف لرؤية الحاضر والمستقبل، من أجل نزع القداسة عن الشأن العام باعتباره قضية بشرية محضة. ولإنقاذ ما أمكن من جيل تشبع بفكرة الهرولة إلى السماء خوفا من مواجهة الحقائق المعقدة والصعبة لوجودنا على الأرض”(ص 8).

أما في الحياة الملموسة، فيعتقد الكاتب أننا نشهد نهاية حقبة أهم تجلياتها في الإدراك المجتمعي لثلاثة عناصر تبعث على الخوف في العلاقة بين الإسلاميين والسياسة والتغيير:

“الأول: محاولة توظيف الدين في الكسب الحزبي السريع والاستثمار في ظاهرة “الدين العام” (وهي بالمناسبة ظاهرة عالمية وليس فقط إسلامية)، في استراتيجيات سلطة وتكتيكات سياسية سريعة وآنية تغيّب عن الخطاب الديني أبعاده الأخلاقية والتحررية والحضارية والإنسانية.

الثاني: المال السياسي الخليجي، المُبارك غربيا بالطبع، كما يؤكد الشيخ حمد بن جاسم!، وآثاره المدمرة على المدنية والمواطنة. سواء كان ذلك عبر ضرب قيم التبرع والتطوع والمشاركة والشفافية والتجديد. أو كان عبر سهولة إجهاض أي تجربة اختزلت الديمقراطية بالإنتخابات بدل إعادة بناء الدولة والمؤسسات.

الثالث: صيرورة السلطة غاية في ذاتها ومن أجل ذاتها.

بعد عشرين عاما من صعود رجب طيب أردوغان، على الساحة التركية والإقليمية، يمكننا الحديث بأريحية عن حزب وقائد، يعطيان المثل الأنصع على المخاوف التي عبرت عنها لأول مرة في 2009 في ندوة تدريبية في أنطاليا التركية لمشاركات ومشاركين من السودان. فقد انتهى الأمر بالأردوغانية إلى اعتبار السلطة غاية في ذاتها ومن أجل ذاتها. وعليه، فكل الوسائل مشروعة، خاصة تلك التي تداعب مشاعر الغوغاء والشعبويين في الداخل والخارج (ص 9)” .

منذ مطلع الكتاب، يؤكد مناع على عناصر الفشل في حمل “إيديولوجية شمولية”، إلى عالم متغير ومتحرك، تخبطهم في القضايا الأساسية المحددة لطبيعة المشروع السياسي وتصورهم للعقد الاجتماعي في كل بلد، مفهومهم القروسطي للعلاقة بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة، والبلادة الذهنية التي تجعل عندهم الماضي، بعجره وبجره، حكما للحاضر والمستقبل، يقول:

“لقد فشل الإسلاميون في تحديد طبيعة العلاقة بين الحزب السياسي والعنف، بين مفهوم الدولة الحديثة ودولة قامت قبل أكثر من 1500 عام، بين قراءة التراث أو جعله حكما وحاكما ومرجعا وحيدا في مشروعهم السياسي والاجتماعي، تَفَكك مفهوم تطبيق الشريعة بإقامة الحدود (العقوبات الجسدية)، لم يعد لإطروحاتهم حول الفصل بين الجنسين ودونية المرأة، في التعامل مع الفرق والنحل المختلفة عن فرقتهم “الناجية”، تجاوز المفهوم القروسطوي لموضوع “أهل الذمة”… لينحسر خطاب التعبئة السياسية والإيديولوجية، بالتوظيف المسطّح لما يدغدغ المشاعر الشعبوية“…

إنها نهاية حقبة، كما يؤكد في أولى فصول الكتاب، مستعرضا نقاط المواجهة بين الإيديولوجية الإسلاموية المغلقة والحقوق الإنسانية التي أصبحت لغة الأحرار العالمية، والسلاح الأقوى في مواجهة منظومة عالمية جائرة. مذكرا بمواقف الإسلاميين من المنظومة العالمية السائدة في النضال اليومي للمجتمعات المدنية وحركات حقوق الإنسان في واجهة بشاعاتها:

“قلة من رواد الإسلام السياسي، تبنى رؤية وسلوكًا نقديا واضحا للرأسمالية الغربية بشكل جذري باسم دين إسلامي أقل مادية بالتأكيد من أنانية رأس المال وطغيان المركز المالي العالمي على مصير شعوب المحيط في المنظومة العالمية World-System. وقلما شاركت الحركات الإسلامية السياسية في المعارك الكبرى للشعوب المقهورة والمستغلة ومحاولاتها بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر عدلا وأقل جشعا. لم يكن معنا في كل المعارك التي خضناها إسلاميا واحدا من أجل ميثاق دولي للحق في التنمية أو إعادة تعريف هذا الحق وأهميته في مواجهة التبعية الفائقة، أو مواجهة العولمة المتوحشة بقيم إنسانية عليا مشتركة مع مختلف الثقافات والأديان. ولم ننجح، الله يعلم كم حاولنا، في الدفع والمساعدة من أجل بناء منظمات حقوقية إسلامية تدافع عن الحقوق الإنسانية الستة اقتصادية واجتماعية وثقافية ومدنية وسياسية وبيئية. اكتفت معظم المنظمات المدعومة من الحركات الإسلامية السياسية، بالدفاع عن قضايا المعتقلين والمفقودين ومناهضة التعذيب وحسب، باعتبار ذلك لا يتعارض مع مفهومها للشريعة الإسلامية”.(ص 20)

يستعرض مناع في فصل كامل، إشكاليات الإسلام السياسي مع الصراع السياسي الاجتماعي مفككا ما سمي بولاية الفقيه على الشاطئ السياسي الشيعي:

“رهنت السلطات الإيرانية سياساتها الإقليمية ورؤيتها لعلاقات الجوار، بهذه المقاربة العسكرية المسلّحة إيديولوجيا. فيما انعكس بشكل كارثي، ليس فقط على دول الإقليم، بل أولا، وقبل كل شيء، على الدين والدولة والمجتمع الإيراني. وكلما ارتفعت رايات القتال في سبيل الله والمقاومة، كلما وقف رجل دين يتحدث عن السيطرة الإيرانية على أربع عواصم عربية، كان المشروع الخميني يتعرى ويتهاوى، حيث لم يبق من رايات “الإيديولوجيا المقدسة” اليوم، وفي كل مواجهة خاضتها الميليشيات الإيرانية وحلفاؤها شرقي المتوسط، سوى المذهبية والعنف واستجلاب التدخل الخارجي”(ص 105)

يتعرض الكتاب أيضا لما سمي بالإسلام “الوسطي” عبر القرضاوية والمؤسسة الإخوانية. وكيف تداعت هذه الوسطية في الإعلان المشترك للجهاد السلفي الإخواني في القاهرة:

“في استاد القاهرة، 15 يونيو/حزيران 2013، حضر الرئيس المصري محمد مرسي بنفسه، لإعلان نتائج أول اجتماع موسع بين “علماء” سلفيين و”علماء” الإخوان المسلمين وقياديين من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، تقرر فيه، بصوت واحد، إعلان الجهاد في سوريا. ولإعلان نتائج هذا الاجتماع، اتفق المجتمعون على الشيخ المصري محمد حسان لإعلان قرار المؤتمرين…

لم يكن في ستاد القاهرة المرشد العام للإخوان المسلمين ونائبه وقيادات الإخوان من النهضة إلى الأناضول وباكستان، وأهم شيوخ السلفية، بل كل الآلة الإعلامية الجهنمية الموظفة لحدث جلل كهذا، لنسمع بعض من كان يحدثنا في الإسلام الوسطي، كطليعة للإنتقال السلمي واللا عنف. يعجز عن تفسير المشهد، دون رفع المسؤولية إلى السماء:

«أردناها سلمية، ولكن الله أرادها جهادا».. (الشنقيطي)

سقطت كل الأقنعة، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يعتقد، خارج الدوحة، بأن ثمة فوارق بين من أطلقوا على أنفسهم اسم الإسلام الوسطي والتيار الجهادي التكفيري، بين الظواهري والبغدادي والقرضاوي”… (ص 89).

بعد سقوط كل الأقنعة، لم يبق للإسلام السياسي إلا الإنتقال من الإيديولوجية إلى البراغماتية، ومن الشمولية إلى الشعبوية، عبر تنصيب إردوغان خليفة وقائدا:

“رجب طيب أردوغان هو الترجمة التركية للحركات الشعبوية على الصعيد العالمي. وبهذا المعنى، فدستور عمله ليس القرآن، أو الديمقراطية، ولكن بناء حاضنة قوية في صفوف أوسع شريحة ممكنة من المسلمين السنة يعتبرها جمهوره الخاص و”مواطنيه”، الأمر الذي يحتاج إلى إزالة الفروق بين الخطاب السياسي العقلاني والخطاب الإنفعالي العاطفي، تكوين حركة عصبوية تعتقد بقيادته التاريخية، توظيف المظاهر الدينية المحافظة في مشروعه السياسي، احتكار الفساد في الدولة في أوساط المقربين والأقارب، وبناء دولة على مقاس “القائد”.

البراغماتية الفائقة وحدها، تشكل السلاح الأقوى لتحقيق هذا المشروع الخاص، عبر توظيف ما يمكن توظيفه من الدين والدنيا. من هنا الحديث عن “العثمانية الجديدة” والمصالح القومية العليا لتركيا.. أما في مدارس الحزب، فما زالت “العلمانية العلمية”، أي مفهوم حزب العدالة والتنمية للعلمانية مادة أساسية”.(ص 120).

لا يمكن اختصار الكتاب بصفحات، من هنا فأية مراجعة له، لن تعطيه ما يستحق، والأفضل قراءة الكتاب كاملا، كونه يشكل قطيعة مع المدارس التوفيقية التلفيقية التي بحثت خلال عقود، عن مسوغات تغطي عورات الإسلام السياسي بمختلف تعبيراته.

No Favorites Has Been Added!