مارس 01, 2024

طفح الكيل ياغزة ..

استشهد في غزة في ٥٠ يوما ضعف الضحايا المدنيين في الحرب الأوكرانية الروسية في عامين… لم يُقتل من الصحفيين والأطباء والعاملين في مؤسسات الأمم المتحدة ما قتل في خمسين يوما في غزة، لا في حرب فيتنام ولا في احتلال العراق!
سيتحدث الخبراء العسكريون الغربيون طويلا، عن نوع القنابل الضخمة الموجهة من الأقمار الصناعية مستهدفة مسجدا هنا وكنيسة أو شبه مكان إيواء. ألا تتطلب “صداقتهم” لشركات صناعة الأسلحة ذلك؟
ما يقوم به وزير الأمن الإسرائيلي إيتامار بن غفير، الملاحق قضائيا في خمسين قضية عنصرية أمام القضاء الإسرائيلي، لم يقم به الفاشيون في إيطاليا، يجاهر بضرورة “الإرهاب اليهودي” تجاه الفلسطينيين ومع ذلك، لا يجرؤ مسؤول أوروبي واحد على قبول تصنيفه لنفسه “إرهابيا”!!! يعربد بن غفير في السجون وينكل بالسجناء الفلسطينيين ويستبيح القدس وجنين ونابلس وطولكرم…، وما من صوت لمحاكمته في هذا “العالم الحر”؟
يطالبنا بعض “الزملاء” من الحقوقيين الغربيين بتقديم ورقة “حسن سلوك” بأن نصنف معهم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حركة إرهابية، وينتقدنا بعض وزراء الخارجية الغربيين لأننا التقينا يوما “إسماعيل هنية”. بل وصل الأمر بأحدهم الأسبوع الماضي للقول: “حتى ترفعون عنكم الشبهات من الضروري إدانة عملية ٧ أكتوبر الإرهابية والمطالبة بإطلاق سراح كل الرهائن”…. قلت له غاضبا: “ارفعوا الشبهات عن أنفسكم، أليس من المخجل لأوروبا أن نرى أورسولا فاندر لاين وإيتامار بن غفير في معسكر واحد؟”.
سمعت الرئيس السابق للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والرئيس السابق للرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان باتريك بودوان يتباكى على الرهائن ويعتبر الخطف جريمة جسيمة بكل المعايير، لم أسمعه منذ ربع قرن ناقدا لاغتيال الأجهزة الإسرائيلية لألفي مناضل فلسطيني خلال تلك الفترة، أو مطالبا بالإفراج عن 5000 أسير وأسيرة في السجون الإسرائيلية، صاروا 8000 في خمسين يوما! أو الإشارة الخجولة إلى أن الخطف والاغتيال صناعة إسرائيلية مسجلة.
أصبح اليوم مطلوبا أكثر من أي وقت مضى قيام “حركة دولية لحقوق الإنسان” بمبادرة جنوبية.. فقد أصبح واضحا للعيان أن المنظمات الغربية (الأسيرة لمموليها من الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الأمريكية) غير قادرة على أن تدافع عن كل الحقوق للجميع..

في لحظة انهدم فيه قرابة نصف المساكن والمشافي والمدارس في غزة وقتل أكثر من 6000 طفل وأكثر من أربعة آلاف امرأة.. يُطبق الأوروبيون في إعلامهم السياسة ذاتها التي طبقت في الحرب في أوكرانيا: حجب وسائل الإعلام المخالفة لسياسة الناتو، إبعاد أي شخص لديه وجهة نظر ناقدة، اتهام كل من ينتقد تصعيد العسكرة وهوس العقوبات الأحادية بالعمالة لروسيا. مع فارق هذه المرة، كل من يطالب بوقف إطلاق النار متواطئ مع حماس. حتى “الخبراء” العسكريون يجري اختيارهم بدقة فائقة ليخبرونا بأن الحرب هي الحرب وما يحدث في غزة حدث في سراييفو فلماذا ننتقد “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”!!! ينسى، أو يتناسى هؤلاء الأذكياء جدا، أن ما حدث في سبرينيتشا وساراييفو استدعى تشكيل أول محكمة جنائية دولية في التاريخ المعاصر “المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة”، وأن قادة المجازر الجماعية انتهى الأمر بهم للملاحقة والاعتقال، في حين أنهم يوجهون الدعوة حصرا للمتحدث باسم “جيش الدفاع الإسرائيلي” لينقل لنا صورة ما يحدث في غزة.

ما يبعث على التفاؤل في وسط هذه التراجيديا السوداء، وقفة المجتمع المدني العالمي إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقوقه، من إندونيسيا إلى لندن وواشنطن، والفرز الذي يجري بين من يعيش من حقوق الإنسان وبين من يعيش من أجل حقوق الإنسان. فقد أسقطت غزة كل الأقنعة، ووضعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وقوائم الاتحاد الأوروبي “للمنظمات الإرهابية” أمام فضائحهم.

من الضروري أيضا إيقاظ المحكمة الجنائية الدولية، من حالة السبات القصدية التي كُلّف المدعي العام البريطاني بتعزيزها. فلن تكون هذه المحكمة دولية إن عجزت عن فتح ملفات كبار المجرمين، بغض النظر عن جنسياتهم وولاءاتهم. ونحن نشهد اليوم، تحرك مئات المنظمات غير الحكومية وقرابة 300 محام من مختلف البلدان، وأربع دول جنوبية للمطالبة بمحاسبة نظام الأبارتايد الإسرائيلي على جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني.

أصبح اليوم مطلوبا أكثر من أي وقت مضى قيام “حركة دولية لحقوق الإنسان” بمبادرة جنوبية.. فقد أصبح واضحا للعيان أن المنظمات الغربية (الأسيرة لمموليها من الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الأمريكية) غير قادرة على أن تدافع عن كل الحقوق للجميع.. بدون انتقائية وتمييز، وأبناء ست وأبناء جارية، بحيث لا يختلف بعضها في ازدواجية المعايير، عن أسوأ السياسيين الغربيين. لقد أظهرت إدارة التوحش لنظام الأبارتايد، عورات مؤسسات طالما حدثتنا في بناء السلام والحقوق الإنسانية، وأظهرت بوضوح، أن من الصعب على معظمها الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وفق الشرائع التي تعتبرها مرجعية لها.

* الدكتور هيثم مناع مفكر وناشط حقوقي

عن موقع عربي 21