ديسمبر 08, 2021

صراع الحضارات، ثورة الاتصالات والحالة الاستثنائية العراق أنموذج

iraq

المسلسل القديم

في حين كان الإنسان في العالم العربي من أكثر أبناء جنسه تتبعا لنهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، فقد كان من أقل بني جنسه ملاحظة لإعلان الحالة الاستثنائية على الصعيد العالمي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولعل السبب الأكثر وجاهة، وإن لم يكن الأكثر عمقا، يكمن في أن هذا العالم قد خبر حالة الطوارئ وإيديولوجيات الطوارئ منذ قرابة أربعة عقود، فعرفها وحللها ودرسها في وعيه الباطن والظاهر وحياته اليومية  بشكل جعل صديقنا عبد الكريم أبازيد يصف الوضع بفكاهته الأدبية في كتابه الجديد (تأبط شرا) بالقول: “حَسبَ أحد المواطنين العرب لديه جهاز كومبيوتر متطور عدد سنوات السجن، وعدد الفلقات والصفعات والرفسات والركلات والدفشات التي تلقّاها المواطنون العرب خلال ربع القرن المنصرم، لأسباب سياسية، فتبين له أننا لو وزعناها على جميع المواطنين العرب ما بين سن العشرين والستين، لنال الواحد بالمتوسط ستة أشهر سجناً وعشر فلقات وتسع صفعات وسبع رفسات وست ركلات وخمس دفشات? أما الشتائم المقذعة والبصق في الوجوه، فحدّث ولا حرج? وأن كل عشر أسر عربية تعيل رجل مخابرات يتجسس عليها، فيراقب حركاتها وسكناتها، ميعاد نومها واستيقاظها، ميعاد ذهابها وإيابها، من تزور ومن يزورها؟ ماذا تلبس وماذا تأكل؟ وما هي البرامج التلفزيونية التي تستهويها، وما هي البرامج التي تعرض عنها؟ فحوى محادثاتها التلفونية ورسائلها? وهل تسير في الطرقات ببطء أم بسرعة؟ وإلى أين تلتفت وهي تسير؟ إلى اليمين أم إلى اليسار؟ وهل تكون عابسة أم منبسطة الأسارير؟

المواطن العربي بنظر الحكام عدو كامن يجب الحذر منه والخوف منه? إذا أعطي الحرية فلن يبقيهم في مناصبهم، وإذا شكا غلاء المعيشة فإنه يلمّح إلى سرقاتهم? إذا شكا التفريط بالحقوق القومية فإنه يسعى إلى توريطهم في معارك غير متكافئة قد تطيح بهم? إذا تكلم همساً فهو يتآمر عليهم، وإذا تكلم جهراً يوضع قيد الاعتقال دون محاكمة?”.

قبل تسعة أعوام  سمعتني رئيسة المنظمة البرتغالية لحقوق الإنسان (سيفيتاس) أتحدث عن “إيديولوجيات الطوارئ” فسّرها ما أسمته التوافق بن أطروحتي وأطروحة  بورديو الذي كانت تتابع محاضراته، فأحضرت لها نصا لي في الموضوع كتبته في الذكرى العشرين لحالة الطوارئ في سورية (1983) يسبق بسنوات أطروحة عالم الاجتماع الفرنسي مع التنويه أن لا فضل يذكر لي لأنني ابن حالة الطوارئ وأوجاعها وليس من الإبداع بشيء أن يصف المرء ما يعيش. فقد أعلن التجمع المصلحي العسكري في سورية الحرب الأهلية “القانونية” عبر جعل حالة الطوارئ والاستثناء قاعدة لتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع، أي إعطاء السلطة الحق في تحطيم خصمها السياسي أو الإيديولوجي بكل الوسائل بما في ذلك الإبادة السياسية politicide وقد كنت قد تابعت مجازر تدمر وجسر الشغور وحماه قبل استنباط هذا المفهوم.

أدركت الدولة الحديثة، بتعبيريها الديمقراطي والشمولي، أن الحالة الاستثنائية هي الهيكل القادر على مواجهة شاملة مع الآخر تنطلق من الكلمات الكبيرة، مثل الحضارات والثقافات والهوية والوطن والشعب والأمن القومي، وتنتهي في أقبية الأمن والاعتقال دون محاكمة وتازمامارت وقصر النهاية وتدمر والخيام وغوانتانامو. ورغم ضعف ثقافتها ومتابعتها للتراث الأوربي في الموضوع، كانت التعبيرات العربية والجنوبية  مبكرا تكرر مشاهد منها  وتتشابه فيما بينها أيضا في أواليات ممارستها لهذه الحرب التي تستهدف إلغاء القطب المسمى بالمجتمع الواقع خارج إطار السلطان بشكل يجعل من السهل استنباط قواعد سلوكية للسلطة التسلطية: يكفي مقارنة العبارات التي استعملتها السلطات السورية لتبرير الحكم على كل منتسب لحركة الإخوان المسلمين بالإعدام وتلك التي استعملتها السلطات العراقية لهذا التبرير نفسه بحق كل منتسب لحزب الدعوة لفهم السمات المشتركة للشخصية التسلطية التي وإن كنا نختلف مع ثيودور أدورنو في العديد من جوانب تناوله وتحليله لها، نعتقد بأنه كان صاحب المسحة العبقرية التي فتحت الباب على مصراعيه للحديث في هذا الموضوع.

من الصراع العامودي إلى الصراع الأفقي

بين سقوط جدار برلين وانهيار مبنى التجارة العالمي في نيويورك، انتشرت في القاموس البشري بسرعة لا سابق لها وصفة سحرية جديدة لمستجدات العصر والحقبة بعد توجيه ضربة قوية لدعاة الصراع الطبقي. وفي حين فشلت مفردات عديدة في الولوج إلى الوعي الجماعي العالمي كالنظام الدولي الجديد ونهاية التاريخ ونهاية الإيديولوجيات الخ، نجحت  الوصفة السحرية المسماة  بالعولمة في اختصار الوضع الجديد الذي أنجبته ثورة المعلومات والتقنية العالية وهيمنة القطب الواحد. ولكن العولمة هذه لا تملك لا التعريف القانوني القادر على منحها مكانة حقوقية، ولا البعد الفكري الذي يسمح لها بتعزيز الطرف الأبرز ولكن ليس بالضرورة الأقوى في ثورة الاتصالات، أي فرصة دمقرطة المعرفة وتعدد مصادرها وأشكال إنتاجها. الأمر الذي يخلق هوة كبيرة بين التقدم التقني والتقدم القيمي ويفسح المجال، في زمن الأزمات لكل أشكال التطرف بالنمو السرطاني في كلا القطبين القوي والضعيف للصراعات الوهمية أو الفعلية.

قدم صدام حسين للولايات المتحدة الأمريكية الفرصة الذهبية التي تخلّص الشارع الأمريكي من “تناذر فيتنام” عبر منحهم القدرة على العودة للحرب المباشرة بقيادة أمريكية وأموال عربية وجنود 28 دولة وقبول رسمي عالمي وغطاء من الأمم المتحدة بقراره المفرط في غبائه حتى الإجرام باحتلال الكويت. هذا الاحتلال الذي أرخ برأينا لإعادة بناء العلاقة بين التدخل العسكري والتدخلين الاقتصادي والإعلامي وفقا للمعطيات الجديدة : الأسلحة المتطورة وال CNN وإعادة تنظيم اقتصاد السوق على الصعيد العالمي. الولايات المتحدة لا تملك فقط القدرة على السيطرة على العالم وإنما أيضا على إيلاج الدكتاتورية (بمعنى احتكار القرار على الصعيد العالمي) في العلاقات الدولية بشكل مباشر. ولكن الدكتاتورية الخارجية التي عبّر عنها التدخل الأمريكي في الكوسوفو بقرار من حلف شمال الأطلسي ليست عينها الدكتاتورية الداخلية التي جاءت بعد أحداث الحادي عشر من ديسمبر بقرابة الشهر عندما جسد الرئيس بوش الابن المعنى المباشر البيولوجي-السياسي للحالة الاستثنائية بوصفها بنية أصلية حيث القانون يتضمن في ذاته الكائن الحي الملغى ضمن عملية تثبيط للعربة القضائية برمتها، انتصار مبدأ الضرورة على الحق والأمن على العدل يأتي من الرئاسة ووزارتي العدل والدفاع. الاعتقال إلى أجل غير مسمى والمحاكمة أمام لجان عسكرية (وليس محاكم عسكرية موجودة في قوانين الحرب) لكل غير المواطنين المتورطين في أعمال الإرهاب بشكل يلغي و بشكل راديكالي ما يختصره جيورجيو أغامبن Giorgio Agamben “بالصفة القانونية للفرد خالقة لكائن لا تعريف له ولا تصنيف”(1).

هذا الانقضاض على مفهوم ضعيف في الثقافة الأمريكية والجامعات الأمريكية رغم حضوره في مؤسسات هذا البلد (دولة القانون)، أعاد الذاكرة إلى وضع فريد مشابه في القرن العشرين: اليهود في Lager النازي، وهو لا يذكرنا فحسب بأهوال الحرب العالمية الثانية وإنما أيضا  بأطروحة حنا أرندت (1961) حول الحرب الأهلية على الصعيد العالمي(2). فأية حالة استثنائية، لا تنجب وحسب عقلية استثنائية في الإعلام والفكر والثقافة، وإنما أيضا تخلق حالة مقاومة تشاركها كما يذكّر أغامبن في إشكالية المعنى القضائي لمجال فعل في حد ذاته خارج إطار القضاء: ما سميناه باختصار شديد  عولمة الخروج على القضاء

 La mondialisation de l’extrajudiciaire

جاءت الأزمة العراقية في خضم هذا الوضع ولم تكن سببا له بقدر ما كانت ذريعة أساسية في ذهاب هذا المنطق إلى مداه الأقصى. فمن المضحك الحديث عن دور لصدام حسين في أحداث سبتمبر أو عن خطر عسكري عراقي بعد مقاطعة دولية شاملة عمرها 12 عاما منعت حتى أقلام الرصاص عن أطفال هذا البلد. السلطة في العراق كانت الأنموذج لإقامة معسكر للشر مقبول في الوعي الجماعي الشمالي على الأقل من حيث جمعها  لعداوات غير عقلانية وكراهية عامة ومواصفات الحكومة المارقة وضعف عسكري فاضح وقرارات دولية عقابية لا سابق لها. من الواضح أن الإدارة الأمريكية باشرت الحرب على البيت الإسلامي في معسكر الشر من أضعف حلقتين فيه: إمارة غير معترف بها في الأمم المتحدة وحكومة تفتقد لكل معاني القوة والسيادة.

البنى الموازية

لا شك بأن صاحب أطروحة الصراع بين الحضارات يقف بخشوع اليوم أمام خدمات الشيخ أسامة بن لادن، فقد كان لمقالته أن تموت في مهدها أو تكون مثلا للأنثروبولوجيا الثقافية العنصرية بعد الأنثروبولوجيا المورفولوجية التي رافقت صعود النازية في ألمانيا. حتى جاءت الحالة الاستثنائية على الصعيد العالمي لتحيي العظام وهي رميم: رامسفيلد، ولفوفيتز، وغيرهما من صقور التطرف الأمريكي ممن كان يعرف بالموضة القديمة Old fashion عاد إلى السطح باعتباره الرمز للعودة الأمريكية الظافرة على العالم، ليست هيمنة بل تحرير للعرب والكرد والعجم من التطرف الإسلامي والدكتاتورية والقهر الداخلي، كون القيم الأمريكية هي القيم العالمية بامتياز par excellence  : التسريع في قيام البنى المتوازية ضرب ويضرب في الصميم وفي كل يوم ما حققته البشرية منذ قيام الأمم المتحدة كمحاولة براغماتية لإدارة السلام العالمي تعطي الأقوى حق التواجد في مجلس أمن يتولى المجلس الاقتصادي والاجتماعي مهمة تغطية عوراته: الجبهات المؤقتة كرد على المنظمة الأممية، الاتفاقيات الثنائية كرد على المحكمة الجنائية الدولية، الرفض المنهجي لاحترام الاتفاقيات الدولية الجديدة لحماية الإنسان والجماعات والبيئة، المحاباة للحليف كرد على الحس العفوي للعدل عند البشر، وأخيرا وليس آخرا، الهيمنة كوسيلة وغاية ومنهج حياة.

صراع الحضارات إذن هو الغطاء الوحيد القادر على تفسير منطق الهيمنة وتبرير منطق العداء للآخر وتأصيل التدخل كمفهوم يلغي الذات الحضارية والذات الإنسانية بآن معا عوضا عن أن يكون وسيلة إعادة بناء للجسور بين الشعوب والثقافات. صحيح أن زواج المعلوماتية والاتصالات والفضائيات يعطي فرصة لا سابق لها في التاريخ للتواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان ولكن صحيح أيضا أنه يفتح الباب أمام احتمالات متعددة ليس أضعفها للأسف التفاوت الهائل بين معارف الفقير ومعارف الغني، أمراض الفقير وأمراض الغني، متوسط عمر الفقير ومتوسط عمر الغني، مستوى معيشة الجنوب ومستوى معيشة الشمال، هزيمة المساواة النسبية بكل المعاني لصالح قلة تتمتع بتفوق مادي خيالي يحتاج بالضرورة لثقافة أرستقراطية متعالية. عند دخولنا إلى اللا وعي الجماعي لأصحاب القرار في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، يمكن أن نفهم الأسباب المباشرة وغير المباشرة لإعادتهم العراق إلى منطق الحاكم الأمريكي المباشر الذي يعطي النخبة القابلة باحتلاله الصفة الاستشارية في إدارة أمور بلدهم. بتعبير آخر، ازدراء المسؤول الأمريكي لكل الاعتبارات السياسية والأخلاقية التي أنجبتها الثقافة العالمية في الحقبة بعد الكولونيالية.

ما هي مسؤولية الثقافة، يتساءل إناسيو رامونيه Ignacio Ramonet مكملا: “إن كانت الولايات المتحدة تحتل اليوم الريادة في ثقافة الجماهير، رياضة كان أم موسيقى العالم أم المسلسلات التلفزيونية أو البرامج الأخبارية أو حدائق التسلية. فإن إمساك التجاري بهذا النمط يجعله يذهب بعيدا في غياب المعنى، المثير والمبتذل”. (3)

إن رقعة الشطرنج الثلاثية الأبعاد التي يتحدث عنها جوزيف ني Joseph Ney واضعا القوة العسكرية في خانتها العليا (هذه القوة التي تنال فيها الولايات المتحدة نصيب الأسد) والقوة الاقتصادية في الخانة الوسطى (وفيها نجد تعددا في الأقطاب في مقدمته الولايات المتحدة وأوربة واليابان) والعلاقات المتعددة القوميات (حيث السلطة مبعثرة ولا تفلت من سيطرة الحكومات) (4) تدفع بالأطروحات القومية الجديدة في الولايات المتحدة نحو عسكرة الوضع الدولي لأن هذه العسكرة تعطي فرصا لهيمنة اقتصادية أمريكية لم تعد مضمونة المستقبل مع ولوج الصين وروسيا لاقتصاد السوق من داخله. وفي بلد يستحيل فيه ربط الإيديولوجية القومية بالعرق أو باللون أو بالأصل الإثني يمكن اعتبار أطروحة صراع الحضارات الهامش الأفضل لجمع التطرف البروتستانتي واللوبي الموالي لإسرائيل والشوفينيون الأمريكيون معا لمواجهة “الحدود الدموية للإسلام”، هذه الحدود التي رسمها صمويل هونتنغتون Huntington في 1993.

من أجل هذا التلاقح العضوي بين الحالة الاستثنائية وصراع الحضارات، صار من الضروري إعطاء تنظيم القاعدة ما تسميه مارليس غلاسيوس وماري كالدور “صفة العدو المحترمة”(5) لأن هذا “الاحترام” جزء لا يتجزأ من عملية إطالة أمد السيطرة الأمريكية المحتضرة.

لم يكن احتلال العراق عملية عسكرية صعبة، كان التحدي الفعلي ومازال في إدارة ما بعد العمليات العسكرية. كل ما أعدته الولايات المتحدة هو مجموعة من المرتزقة المدربين في رومانيا واتصالات سرية بعدد من ضباط الأمن العراقي. الأمر الذي يعني أن الإدارة الأمريكية لم يكن لديها أو لم تكن تثق إلا بقواتها العسكرية. وبفشلها في إدارة “سلم الاحتلال” كانت قوات التحالف ومازالت، المنتج الأول للمقاومة والعنف في العراق. فآليات إعادة بناء السلطة لا تلبي الحد الأدنى لحاجات الناس، وكم من عراقي ينظر في المحسوبيات العائلية والشخصية الجديدة منذ الأشهر الأولى للحكم المؤقت، يتأمل الكوتا الطائفية والقومية، يبصر أزمة الثقة عند قوات الاحتلال مع المتعامل وغير المتعامل معها، يرى في الطلبات الخاصة بإسرائيل عبئا سرياليا تطالب فيه الولايات المتحدة حليفا ضعيفا يعيش أزمة مع الشرعية السياسية والاحترام المجتمعي. هذا مقابل حريات الأمر الواقع، أي الحرية الناجمة عن عجز المحتل عن بناء نظام شمولي، وبالتالي تعايشه مع صحافة محدودة التأثير والتوزيع والتواصل وإعلام موجه لشبكة الإعلام العراقية وتوفر حد مقبول من المظاهرات السلمية.

ولكن كيف يمكن تصديق أن النخبة العراقية المقربة من بريمر تحتاج إلى أشهر لصياغة دستور عراقي؟

كيف يمكن تصديق أن شبكة الهواتف في العراق ما زالت معطلة حتى اليوم؟

كيف يمكن قبول فكرة أن تعميم غياب الأمن لا يصب بكل المعاني في خدمة سلطة الاحتلال؟ كيف يمكن تفسير العمليات التي تضر بسمعة المسلحين وتعزلهم عن المجتمع العراقي؟ كيف يمكن تفسير ضرب السفارة الأردنية والتركية مثلا؟ ومن المستفيد الأول من قتل سيرجيو دي ميللو؟

الأسئلة كثيرة، ورغم الضغوطات الأمريكية لتقديم تفسير واحد وعرض واحد لفيلم الأحداث بعد عمليات مجرمة أفرغت العراق من أهم وسائط اقتصاد العنف من جمعيات أهلية وبين حكومية إقليمية وعالمية ونشاطات بصلة مباشرة مع المجتمع، نعود لنرى بصمات الحل الأمني العسكري للإدارة الأمريكية يذكرنا بضرورة الحالة الاستثنائية وضرورة وجود عدو نذل وضرورة تحطيم صورة من يرفض هذه السياسة بدءا بدول المنطقة الضعيفة وانتهاء بتأخير محاولات وحدة القرار السياسي الأوربي بكل الوسائل.

شكلت  نكبة 1948 نهاية الحقبة الكولونيالية الليبرالية في العالم العربي وقيام جيل قطيعة ابستيمولوجية مع هذه الحقبة يحمل خطابا وطنيا مختلف الألوان يتأرجح بين القبول بالتغيير في حدود الميراث الاستعماري وبناء كيانات قومية كبيرة. أما نكبة العراق، ورغم كونها لم تنل الغطاء الأممي الذي نجح قرار تقسيم فلسطين في الحصول عليه، فقد خلقت شرخا في تصورات النخب العربية بين يائس من التغيير من الداخل ينتظر الغيث من أي غيم، وعائد إلى أكثر أشكال الدفاع الذاتية بدائية.

التحالف الأمريكي-الإسرائيلي يطالب العالم العربي، شعوبا وحكومات، بما يفوق الحس العملي لممارسة السياسة وفهم واستيعاب العالم المعاش. إذلال الآخر في وضح النهار أصبح جزءا لا يتجزأ من طموح تطويع وتدجين وإرضاخ  من يرفض قبول الجدار العازل وغوانتانامو وأبو غريب واقتصاد السوق في طبعته الليبرالية الأمريكية الجديدة. حتى خارطة الطريق التي رعتها الولايات المتحدة ترفض الإدارة الأمريكية صدور قرار دولي يعطيها الحد الأدنى من المصداقية في الأعراف الدولية لحماية التطرف الإسرائيلي من كل ما يمكن أن يخدش مشاعره. في حين أن النظام الاستبدادي العربي لم يفهم بعد معنى ومبنى ما حدث، فسجد دون شروط  حينا وتلكأ في العودة لمجتمعاته حينا آخر. وفي الحالتين، بقي عبئا على الحرية والكرامة الإنسانية في هذه البقعة من العالم.

جاءت الولايات المتحدة إلى العراق في نطاق حالة استثنائية وحرب أهلية باشرتها على الصعيد العالمي، وبهذا المعنى يحق لنا التساؤل: هل يمكنها تقديم السلام الأهلي لشعب العراق؟ هل بوسعها إطلاق عملية بناء الشخص والجماعة على أسس ديمقراطية وإعادة بناء بنية تحتية  أسهمت بقوة في هدمها بسياسة الحصار وقنابل الدمار ؟

في مواجهة تلفزيونية على قناة العالم قال لي الدكتور موفق الربيعي عضو مجلس الحكم المؤقت قبل دخول قوات الاحتلال بغداد بأيام: “بعد سقوط صدام إذا لم تغادر القوات الأمريكية العراق سنحاربها بأظافرنا”.

 يبدو أن السيد الربيعي قد اكتشف بعد احتلال عاصمته، أن تقليم الأظافر صفة حضارية.

نص مداخلة المفكر العربي هيثم مناع في ندوة العراق والإعلام التي عقدت في برلين في 13 نوفمبر 2003

بدعوة من جمعية الصحفيين العرب في ألمانيا ومؤسسة فريدريك إيبرت.

Haytham Manna Clash of Civilizations, Communication Revolution and Exceptional State Iraq as example

  Notes:

1)      Giorgio Agambio, Etat d’Exception, Seuil, Paris, 2003, p.13

2)      Hannah Arendt, Sur la Révolution. Voir aussi : Carl Schmitt, La Théorie du partisan, en 1961.

3)      Ignacio Ramonet, Géopolitique du chaos, folio actuel, Gallimard, Paris, 1999, p.15

4)      Joseph S. Nye Jr., The Paradox of the American Power: Why the World’s Only Superpower Can’t Go It Alone, Oxford University Press, Oxford,2002, p. 39.

5)      Marlies Glasius and Mary Kaldor, The State of Global Civil Society, Global Civil Society 2002, p. 13.