ديسمبر 08, 2021

الطفولة المغتصبة

في أيلول/سبتمبر 1990 دخلت حيز التنفيذ اتفاقية حقوق حقوق الطفل، أهم نص دولي لضمان وحماية الحقوق الأساسية لغير البالغين. عشرون عاما مضت مذاك والسؤال الذي يطرحChildhood rights نفسه: أين البشرية اليوم من عملية بناء أهم رأسمالٍ لمستقبلها؟ أين نحن من احترام إنتاج الإنسان للإنسان وأنسنة كوكبنا؟ إلى ما آل مفهوم الكرامة الإنسانية في هذه الفئة المستضعفة علما وقانونا وشرعة؟  وهل يمكن الحديث عن أي تقدمٍ في العالم العربي دون وقف التدهور والتصاعد في الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل؟

ليست الصورة قاتمة في منطقتنا وحسب، بل في العالم أجمع، حيث نلاحظ في 165 دولة في العالم انتهاكات جسيمة على عدة أصعدة لحقوق الطفل، علما أن دول الأرض صدقت على اتفاقية حقوق الطفل ما عدا الولايات المتحدة والصومال. وحيث في كل سنة يعتدى جنسيا على 150 مليون طفلة و73 مليون طفل، ينتشر على سطح البسيطة 23 مليون طفل نازح ولاجيء، وما بين 250 و 300 ألف من الأطفال الجنود. كذلك قتل في العقد الأخير مليوني طفل في النزاعات المسلحة التي أصيب فيها في نفس الفترة قرابة 6 مليون آخرين إصابة خطرة أو حملوا عاهة دائمة. لقد فَقَدَ 15 مليون طفل أحد والديه بسبب مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، ويوجد 14 مليون طفلة أمٌّ لطفلً أو أكثر بتعريف الاتفاقية للطفل (من لم يبلغ 18 سنة)، كما أن عدد الفتيات اللاتي تعرضن لبتر وتشويه للأعضاء التناسلية يُقدّر بحوالي 70 مليون. وحيث يموت في السنة قتلاً لأسباب متعددة 50 مليون طفل، تقدر اليونيسيف عدد الذين يتوفون لأسباب يمكن الحيلولة دون حدوثها تماما بعشرة ملايين طفل. 126 مليون طفل يمارسون أعمالا خطيرة مع تعرضهم للضرب والإهانة والإعتداء الجنسي من قبل من يشغلهم. أما الإتجار بالأطفال فقد وصل إلى مليون ومئتي ألف طفل وطفلة سنويا، بما يدر على القائمين به قرابة تسعة مليارات ونصف المليار دولار. وهناك تصاعد ملحوظ لتجارة الأعضاء عند الأطفال الفقراء، كذلك ازدهار للسياحة الجنسية للأطفال في عدد من بلدان العالم. ويقدر عدد الأطفال الذين يباعون لمزاولة البغاء لأسباب اقتصادية بمئة طفل كل شهر. أما في السجون فيوجد حوالي مليون طفل، وقد ساءت أوضاعهم وظروف اعتقالهم ومحاكمتهم مع صدور أكثر من ثلاثين قانونا لمناهضة الإرهاب في التسع سنوات الأخيرة. أخيرا وليس آخرا، يوجد قرابة 250 مليون طفل حول العالم يهيمون في الشوارع، تعرّفهم الأمم المتحدة بأي طفل كان ذكرا أم أنثى دون سن 18 يجد في الشارع مأوى له ويعتمد على الشارع في سكنه ومأكله ومشربه دون رقيب أو إشراف من شخص مسؤول.

رغم جهود كبيرة قامت بها اليونيسيف والمنظمات غير الحكومية العاملة لحماية الطفولة والدفاع عن حقوقها الأساسية، مازالت هذه الصورة السوداوية على الصعيد العالمي تلطخ شرف الإنسانية عبر منظومة سائدة تقوم على سيطرة القوي على الضعيف والبالغ على القاصر. عبر حكومات لا تعرف أن الاستثمار في حقوق الطفل ليس فقط مسؤولية بل فرصة، ورجال أعمال لم يميزوا بعد بين المال المنتج والمال المجرم، وسلطة رابعة مشاركة في غياب وعي عام ورأي عام متمرد على هذه الأوضاع الكارثية، ومثقف لا يفكر بأبعد من أنفه في تقييم الواقع واستقراء المستقبل.

ثمة تداخل عضوي بين المشكلات التنموية المركزية وأوضاع الطفولة في العالم العربي، وبالتالي يمكن تكثيف أهم الإنتهاكات الواقعة بحق الطفولة في هذه المنطقة من العالم بما يلي:

1-  العمالة القاسية للأطفال،

2-  العنف والاعتداءات الجنسية،

3-  الإتجار بالطفل أو أعضاء من جسده،

4-  التجنيد في الصراعات المسلحة،

5-  تزويج البنات الصغيرات،

تظهر إحصاءات منظمة العمل الدولية وجود 13 مليون طفل عامل في الدول العربية يجبرون على القيام بأعباء لا تتماشى مع بنيتهم الجسدية، مما يؤدي لتهديد سلامتهم النفسية والجسدية وصحتهم ورفاهيتهم. تحتل منطقة المغرب الكبير الصدارة بـ6.2 مليون طفل، بينهم 3.1 مليون تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و13 سنة. تتمثل مجالات عملهم بمعظم مجالات العمل المتاحة، حيث يعملون في زراعة التبغ في جنوب لبنان، وقطف الياسمين في مصر، والزراعة في الريف اليمني والمغربي، وصيد الأسماك في اليمن ومصر وتونس، والخدمة في المنازل في مصر وسوريا والمغرب، والعمل في الصناعات الخطرة، مثل الدباغة في مصر والسجاد في المغرب وتونس، وفي ورشات إصلاح السيارات أو بيع الحاجيات والقيام ببعض الخدمات البسيطة كغسل السيارات أو صبغ الأحذية في الشوارع في معظم الدول العربية.

تشير الإحصائيات لوجود 400 ألف طفل عامل في اليمن يعملون في مهن لا تتناسب مع أعمارهم، إلى جانب وجود مليوني طفل لا يذهبون للمدرسة، أي أن 22% من الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي لا يلتحقون بالمدارس سنويا (يقدر عدد الأطفال المحرومين من التعليم في الدول العربية اليوم باثني عشر مليون طفلا). الأمر الذي يمكن أن يرفد ظاهرة تشغيل الأطفال بالمزيد من المنخرطين في سوق العمل والتي يعزز منها التركيبة السكانية، حيث نحو 79% من سكان اليمن البالغ تعدادهم 19 مليون نسمة هم من الأطفال والشباب تحت سن 24 عاما. وتتحدث  إحصائيات المنظمات غير الحكومية عن قرابة 600.000 طفل مغربي، تتراوح أعمارهم بين 5 و14 سنة، ودّعوا طفولتهم في وقت مبكر وخرجوا للعمل لإعالة أسرهم. ووفق المسح القومي للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر 2001 (بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة) لعينة بلغ حجمها 20 ألف أسرة ، يقدر إجمالي عدد الأطفال العاملين 2 مليون وسبعمائة وست ثمانون ألف طفل، يقطن أغلبهم في مناطق ريفية (83%)، 73% منهم ذكور و27% إناث. ذلك علماً أن 39% من مجمل عدد سكان مصر في ذلك الوقت من الأطفال، وقد تزايد هذا الرقم مذاك وفق تقديرات اليونيسيف في 2009.

يجرّنا الحديث عن العنف إلى مشكلة ثقافية وشعبية متأصلة تعتبر التعنيف الكلامي والجسدي منهجا تربويا مفيدا وبناء. ورغم أن الرصد الأساسي لمنظمات حماية الطفولة يتعلق باعتداءات لا يمكن تبريرها بأية فلسفة أو دين، مثل الكسور وفقدان الوعي والتشوهات البدنية والإعاقة الدائمة والاضطرابات النفسية الباثولوجية، تظهر الدراسات تعرض 29 إلى 37 % من الأطفال في العالم العربي للتعنيف والضرب، يحمل قرابة ربعهم تبعات وآثار جسدية ونفسية.

أما الاعتداءات الجنسية، فيمكن القول أنها من المواضيع التي تنطبق عليها المأثورة الشعبية “ياساتر الستر استرها وما تفضحهاش”. وليس هناك أي تنسيق بين وزارات الداخلية والشؤون الاجتماعية والصحة، وبين مخافر الشرطة والدرك والأمن الجنائي والمجتمع المدني والسلطة القضائية ومؤسسات حماية الطفولة ومناهضة العنف. وبوجود مساحات واسعة من الصمت، يمكننا القول أن قرابة ثلثي الإحصاءات التي بحوزتنا عن الدول العربية إنما هي حصيلة تجميع وتحليل لمضمون الأخبار التي تنشرها الصحف. وعليه، فالجزائر مثلا تتحدث عن 800 حالة اعتداء جنسي في السنة وتقدر واقع الحال بثلاثة أضعاف ما يُعرف. وقد عالجت من 1/1/2008 إلى 28/3/2008 مصالح الدرك الوطني الجزائري 249 قضية اعتداء جنسي على القاصرين، بما يعطي فكرة عن الحالات التي تخرج من عالم الصمت. أما في المغرب، فبدأت المعلومات تزداد مع انطلاقة جمعية “ما تقيش ولدي” وتشكيل “الإئتلاف ضد الاعتداءات الجنسية على الأطفال”. وكان لنشاط المنظمات غير الحكومية دورا هاما في فضح الأحكام القضائية المخفضّة بحق مواطنين أوربيين ارتكبوا اعتداءات جنسية جسيمة على الأطفال ولم يعاقبوا، إثر تدخلاتٍ من قنصليات بلدانهم ومسؤولين محليين يخافون على السياحة الجنسية. فمأساة الصمت الجماعي تكمن في كون الثقافة التقليدية مازالت تغرق في حالة عدم تمييز بين الضحية والمعتدي في ما يعرف بقضايا “الشرف”. ولا ترحم صدمة الطفولة وتمزق الأعضاء التناسلية عند خُمس حالات الإعتداء والإضطرابات الإنفعالية الطويلة المدى عند الضحايا، من الأحكام المسبقة والعار الواقع على الضحية وأهله وأقاربه، لا بل يصل الأمر في حالات مؤسفة لمنطق هدام يرى ضرورة غسل العار من الفتاة الضحية أو الطعن في الذكورية عند طفل مغتصب.

من مآسي حقبتنا انتشار الإتجار بالأطفال أو بالأعضاء على الصعيد العالمي، وبسرعة في بيئات الأمن الغذائي الحاد التي تجمع بين الفقر والجهل والتفكك الاجتماعي والتوحش في العلاقات بين الإنسانية والاستغلال القاسي للأقوياء لكل الحلقات المهمشة والمستضعفة في المجتمع. وتعتبر عدة تقارير دولية البلدان العربية مناطق إتجار وعبور للتجارة بالأطفال، مع اختلاف التقديرات حسب المصدر باعتبار أن الشفافية غائبة تماما عن إحصائيات تصب بهذا الموضوع.

لم تقصر التقارير الدولية في وضع المجهر على مصر باعتبارها من الدول الخمس الأولى في العالم في تجارة وسياحة وزراعة الأعضاء، التي تشمل حسب عدة تقارير، مصريين وغير مصريين. ولقد أصبح في حكم المؤكد وجود فرق سرية من الأطباء الأمريكيين، رافقت القوات من الخلف في هجماتها على المسلحين العراقيين، للتعامل الطبي السريع مع القتلى وإجراء عمليات انتزاع لبعض الأعضاء وحفظها بصورة عاجلة ومن ثم نقلها إلى غرفة عمليات خاصة قبل نقلها إلى أمريكا. كما أكدت تقارير العثور على جثث عشرات العراقيين مشوهة وناقصة الأجزاء والأعضاء وبعضها من دون رأس، وحين يتم اتضاح الأمر تحرق الجثث لإخفاء هذه الممارسات. بالمقابل، إن كان الجيش الأمريكي ينقل الأعضاء وراء الأطلسي، يقدم المواطن العراقي الفقير على أبواب العديد من المشافي العراقية كليته مقابل الخبز. هذا ويقدر عدد المصابين بفشل كلوي بسبعة آلاف شخص يصعب معالجتهم بأجهزة الغسيل التي تراجعت قدراتها منذ الاحتلال. ثمن الكلية لا يتجاوز 4000 دولار، أي ما يعادل مرتب مرتزق في شركة “بلاك ووتر” لمدة شهر. في حين تفضّل العصابات المنظمة ضحايا العنف وخاصة الجرحى منهم للحصول على أعضائهم وتهريبها خارج العراق.

تتطابق خريطة تجارة الأعضاء مع خارطة المناطق الأكثر فقرا والتي هي ضحية الأزمات. وتتعمق المشكلة في العالم العربي، وليس فقط في مصر والعراق، بغياب القوانين المنظمة لقضية نقل الأعضاء وعدم تثبيت قواعد أخلاقية مهنية واضحة وتوقف الأمر على تعليمات من نقابة الأطباء أو وزراة الصحة أو إدارة المشفى أو فتوى رجل دين. يتفاقم الأمر مع عدم تحديد التخوم القانونية بين بيع العضو والتبرع لغاية إنسانية أو علاقة قربى، بنفس آليات البغاء وتجارة الجنس، لكن مع محاذير أكثر خطورة وانتزاع جزء من الجسد لا يمكن تعويضه.

يشكل تجنيد الأطفال مشكلة ثقافية كبيرة، ويتم في معظم حالات التجنيد في البلدان العربية والإسلامية التذرع بالدين وواجب الجهاد لتغطية هذه الجريمة وديمومتها. ومن المعروف أن الفصائل المسلحة في دارفور تجند الأطفال منذ سنوات، بل لدينا عدة صور لمثقفين أوربيين على ظهر عربة عسكرية مع أطفال مسلحين. كذلك فعلت القبائل العربية المقربة من الحكومة السودانية. أما الصراع الدموي بين حركة الشباب المجاهدين والحكومة الصومالية في مقديشو فأوصل عدد الأطفال لأكثر من النصف من مجموع المقاتلين. ومعلوم بأن الولايات المتحدة تساهم في تمويل وتسليح الحكومة وهي العارفة بأن تجنيد الأطفال هو العنصر الأهم في إعادة إنتاج الحرب الأهلية في الصومال.

لا يمكن الحديث عن الطفولة في ظل النزاعات المسلحة دون التذكير بالأطفال ضحايا الحصار ثم الاحتلال في العراق واللجوء خارجه، وضحايا الحصار الخانق في الأراضي الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة.

من ناحيته، يستمر تزويج الفتيان الصغيرات أيضا تحت غطاء ديني وعرفي. فما زال قطاع هام من رجال الدين يربط بين الوضع الخاص للنبي محمد والأحوال الشخصية للمسلمين، ليعتد بقصة عائشة مثلا للتزويج من بنات لم يبلغن الثامنة من عمرهن. ففي عدد كبير من البلدان الإسلامية كالسعودية مثلا، لا يوجد للأسف حتى اليوم قوانين تحدد سن الزواج. الأمر الذي يصل بوضوح للإستغلال الجنسي من أشخاص مسنين لقاصرات لم يكتمل نموهن النفسي والجسدي وصفاتهن الجنسية الأساسية. أما في بلدان مثل مصر فيجري التحايل على سن الزواج بالزواج العرفي. لقد كشفت وزيرة الدولة للأسرة والإسكان عن دراسة أجريت في 3 مراكز في محافظة 6 أكتوبر وأظهرت أن نسبة زواج القاصرات بلغت 74%. وتعج الفضائيات بفتاوى تتناسى أن الزواج ليس من الإحتياجات الأساسية لطفلة عمرها 8 سنوات وأن الباءة (القدرة البدنية والقدرة المالية للرجل) لا تلغي شرط القدرة البدنية والنفسية للمرأة.

لا يمكن مواجهة هذه المشكلات الخطيرة دون التذكير بمسؤولية العائلة والسلطات العامة والأساتذة والصحفيين والمثقفين ورجال الدين، ولا يمكن التصدي لبعض الجرائم الخاصة بالأطفال دون إصلاح أخلاقي وثقافي عميق. فوقف جريمة جسيمة مهمة تتعدى الحدود في أحيان كثيرة، وتتطلب مواجهة أخلاقية علنية وعقوبات قضائية صارمة ومنظومة متكاملة للمساعدة وإعادة التأهيل.

وكما يقول نادر فرجاني، فإن “المجتمع الذي لا يصون حقوق أطفاله ينفي عن المسؤولين فيه صفة الآدمية والمسؤولية المجتمعية، ويضيّع فرص النهوض في المستقبل. بعبارة أخرى، إن الدولة التي تتهاون في احترام حقوق الطفل فيها تخون التكليف الشعبي بالقيام على المصلحة العامة في صيانة حقوق الناس وبناء مستقبل أفضل لمواطنيها”.

 عن الجزيرة نت 08-09-2010