نوفمبر 29, 2021

الجسم السياسي والتغيير

الدكتور هيثم مناع //

تفترض سنوات عشر من الحراك الشعبي والنزاعات المسلحة والتضحيات الاستثنائية والتمزق والإحباطات، إعادة نظر شاملة في مفهوم التعبير المدني والتعبير الأهلي والتعبير السياسي ووسائل المقاومة للدكتاتورية والإرهاب وأشكال التدخل الخارجية في بلد استبيح فيه كل شيء. إلا أنه ولشديد الأسف، ما زال الماضي يحكم الحاضر والقامع يبث سمومه في أوساط عدد كبير من المقموعين، الذين يعيدون استهلاكها بشكل بائس.

كانت فكرة “إعلان دمشق”(أكتوبر 2005)، كصيغة حداثية للتجمع السياسي لقطاع واسع من المعارضة السورية خطوة جبارة من أجل تجاوز أشكال التنظيم والتحالف التي انطبعت بها حتى سقوط جدار برلين، الغالبية الساحقة من “الجبهات الوطنية” التي تشكلت في القرن الماضي، والتي كانت تعتمد فكرة تسلطية غير معلنة، تقسم السلطات والأدوار وفق حزب “قائد” وأقمار تدور في فلكه وتسمى الحصيلة “جبهة”. إلا أن القادمين من تجارب حزبية أقل ما يقال فيها، متأزمة ديمقراطيا، لم تلبث أن حملت عاهات الحقبة والممارسات القديمة.. بدأ “إعلان دمشق” عمليا بالتفتت قبل حملة الاعتقالات التي نالت 12 من قيادييه في 9 سبتمبر 2007، إلا أن الخارجين منه، والمستمرين فيه، وبكل أسف، لم يخلصوا لهذه الفكرة الجبارة التي وضعت السلطة الأمنية التسلطية أمام أقوى تحد لها منذ تسليم بشار الأسد السلطة بعد وفاة أبيه.

عادت الفكرة بقوة الحراك الشعبي السلمي الذي دفع السياسيون المعارضون للتجمع من أجل تقديم ما أمكن للشبيبة الثائرة وبناء جسم سياسي قادر على الجمع بين التلقائية الشعبية الخصبة وتجربة السياسيين النضالية في أكثر من أربعة عقود في مناهضة نظام التسلط والقهر ومنظومة الفساد. وللأسف، مرة أخرى، في الداخل والخارج، في حلبون واسطنبول، جرى تهميش دور الجيل الثائر أو تحديده ووضعه تحت رقابة “قدماء المحاربين”. وأذكر للمثل لا للحصر، عندما بلغني أسماء المنتخبين والمعينين في مؤتمر حلبون في المكتب التنفيذي أنني سألت أحد العائدين من دمشق: “من هذا المستقل الذي وضع كممثل عن منظمة مناهضة الصهيونية عن المجتمع المدني (الحقيقة لم أكن قد سمعت باسمه من قبل مع كل الاحترام)؟ فأجابني: هذا قيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي، قلت له: لكن للاتحاد حصة بدون انتخاب ولا تصويت ما معنى أن يأخذ حصص غيره؟.. أجاب: “هذا الموجود في سوريا، كل حزب بده حصة “ثقيلة” بالتعيين أو بالنيابة”. في الخارج، لم يكن الوضع أحسن بل كان كارثيا، ونجحت حركة الإخوان المسلمين في تكليف ما سمي “حركة العمل الوطني في سوريا” بانشاء مجلس انتقالي في اسطنبول وكانت دائما لديها مجموعة كبيرة من “الإخونجية” لضمان سيطرتها، والأنكد من ذلك، أن هذه الاسماء نصبت “ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب السوري” بمباركة استاذ الاجتماع السياسي، الذي يدرس في السوربون “مفهوم الشرعية السياسية” فيما يدرس.

منذ القرن الثامن عشر، طرح مفهوم الجسم السياسي خارج التعاضديات والغرف السرية والتنظيمات شبه السياسية شبه الدينية، ويمكن القول أن جان جاك روسو (1712 ـ 1778) كان من أكثر من بلور تصورا لهذا الجسم في كتاباته المختلفة.

إن كان الفاعل التاريخي في المنظومة الفكرية التي فصّل لها جان جاك روسو  هو الشخص/الفرد. فإن “الجسم السياسي” لديه، مؤسس على الإرادة العاقلة، باعتبار أن الاجتماع هو انتساب إرادي بين ذوات حرة. وهو يقتضي إذن حدوث عقد التزام بين الأفراد الذين يتشكل منهم الإجتماع. وإذ لا يمكن للإنسان أن يتخلى عن حريته، لأن ذلك يشكل تخل عن إنسانيته، ولا يتماشى مع طبيعته في آن، فإن الوسيلة الضرورية للتوفيق بين الحرية والاجتماع السياسي، هي أن يتنازل الأفراد المتشاركون تنازلاً طوعياً كاملاً عن حقوقهم لصالح الجماعة. فيهب كل فرد منهم نفسه للمجموع وليس لفرد محدد. وبما أن المتشاركين كلهم في وضعية مماثلة، ”نحصل على ما يوازي كل ما تنازلنا عنه“.

بهذا المعنى، يحتاج أي تجمع سياسي إلى (العقد الاجتماعي) كفعل مؤسس، بما هو عقد تشكيل الجماعة المنتظمة في الجسم السياسي. وفيه يتنازل كل فرد عن جزء من حريته لصالح الكينونة الاجتماعية الجديدة، السياسية بالتعريف، التي ستغدو، منذئذ، ضامن الحرية الفردية لكل متعاقد اجتماعي. يمكن إسقاط هذا المبدأ على الجسم السياسي تنظيما لجماعة من الأشخاص الأحرار أو اتحاد في مدينة أو جمهورية أو دولة.

هذه الأفكار تجسدت بأشكال غير دولانية، كما حملها الثوار في الثورة الفرنسية. وقد شهد القرن التاسع عشر ترجمة لها في النضالات النقابية وولادة الأحزاب السياسية وبداية تجمعات مدنية لحقوق الإنسان أو إلغاء العبودية.

في حين كانت الأممية الأولى أنموذجا للممارسة الديمقراطية، شكلت الأمميات التابعة لها أنموذجا لسيطرة الإيديولوجيا وولادة اعتبار الخلاف السياسي سببا كافيا للاستئصال والإبعاد. ودخلت مصطلحات تسلطية إلى صلب ما اعتبر تنظيمات ثورية: فكل جماعة تعتبر نفسها “الحزب الثوري” أو الفرقة الناجية، ويجري تقسيم من خارجها بين اليمين الانتهازي والطفولية الثورية. الأمر الذي ترجمه جوزف ستالين في أكبر عمليات تصفية وإعدامات داخل الحزب البلشفي لم يشهدها حزب في التاريخ المعاصر. وعلينا انتظار سقوط الاتحاد السوفييتي لإسقاط هذا النهج التصفوي في كل ما عرفته بلدان العالم الثالث وأوربة الشرقية من جبهات وطنية تحت عباءة حزب قائد.

نحن اليوم، وفي مرحلة ما بعد الميراث التسلطي الثقيل للحزب القائد ومن حوله، نرى في بلد دفع أعلى فاتورة في مناهضة الاستبداد والفساد، “معارضون” يعيدون إنتاج هذا الأنموذج سواء في الائتلاف أو هتش أو “وحدات حماية الشعب والكادرو”، وأحيانا في أوساط وطنية ديمقراطية؟ وكأننا لم نتعلم شيئا، لا من تاريخنا السوري المعاصر، أو من التجربة البشرية المريرة.

إن إلغاء الوساطة بين المواطن والجسم السياسي الذي يعبر عنه، ورفض أية هرمية في التحالفات السياسية، واحتقار ورفض مبدأ المحاصصة، تعتبر اليوم شروطا واجبة الوجوب، لنجاح أي جسم سياسي في النضال من أجل دولة المواطنة الحديثة ذات السيادة.

ألم نتعظ بعد من تجارب الشعوب ومأساتنا الخاصة؟