نوفمبر 30, 2021

كلنا إرهابيون رسالة مفتوحة إلى بالتسار غارثون

baltsarالسيد بالتسار غارثون، “قاضي الإرهاب” في إسبانيا،

تحية حقوقية طيبة وبعد،

سمعنا بك يا سيدي عندما قدت معركة نبيلة ضد أحد أشرس رموز الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية: أوغستو بينوشيه. يومها أعدت الثقة للملايين بأن منطق القضاء يمكن أن يتحدى منطق الدولة. ثم عاد اسمك لمسامعنا ليس بوصفك مناضلا عالميا في قضايا غياب المحاسبة، بل باعتبارك قاضي الإرهاب الذي يسمح لجهازه بتجاوزات خطيرة باسم الأمن القومي وخطر التطرف الإسلامي. وكان للطريقة التي عامل جهازكم بها ما يعرف بالخلية السورية في إسبانيا ما يثير الألم في صدر كل حريص على نزاهة القضاء الإسباني وسمعته.

اليوم يا سيدي يمثل أمامكم الزميل تيسير علوني بعد أن تم اعتقاله ظهر الجمعة الخامس من سبتمبر على طريقة الديكتاتوريات بلدان الجنوب المحنكة التي تعرف أن مكاتب منظمات حقوق الإنسان وحرية الصحافة تغلق أبوابها في نهاية الأسبوع، وبذلك يستطيع الأمن الخارجي الإسباني القيام باللازم بعيدا عن بيانات الشجب والاستنكار. ولكن المشكلة، يا سيدي ليست فقط في علاقة تيسير علوني بالإرهاب، أو علاقتك بهذا الملف أو اعتقال شخص وعزله عن العالم خمسة أيام، المشكلة أنك دخلت يوما تاريخ القضاء العالمي من الباب الواسع عندما طالبت بالتحقيق مع دكتاتور، وأنك اليوم قد تخرج من باب صغير وأنت تحاكم مناضلا من أجل الكرامة الإنسانية كان حتى الأمس القريب ينقل لنا انتهاكات حقوق الإنسان في العراق إلى جانبه عمله الصحفي الذي لا يحتاج للتعريف به.

عندما تعرفت على تيسير في الدوحة في ديسمبر 2001، كنت أمام ناج من الموت، حاول أن يكون أمينا كما يقول “تجاه الله والواجب” في نقل الحقيقة. كان يحاول أن يكون الشاهد الأمين على ما يحدث حوله، في ظروف لا إنسانية وغير عادية. اليوم، جهاز الأمن الإسباني يعيد إنتاج هذه الظروف النفسية في بلد وقع على الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

منذ ذاك اليوم، قَبِلَ الصديق تيسير علوني أن يكون مكلفا بالمهمات في اللجنة العربية لحقوق الإنسان بشكل لا يتعارض مع عمله الصحفي. كانت اقتراحاته في غاية الأهمية لنا.

إن “الإرهابي” الماثل أمامك كان أول من اقترح برنامجا خاصا بحقوق الإنسان على قناة الجزيرة، وهو من اقترح على اللجنة العربية التوجه إلى بغداد لتكون في الميدان مباشرة حيث التقيته آخر مرة، وهو الذي تابع معنا ملفات الاعتقال السياسي بعد 11 سبتمبر وملفات التعذيب العائد بقوة إلى قارتكم.. فيا سيدي القاضي، إن كان تيسير علوني إرهابيا اسمح لي أن أقول لك دون مواربة: كلنا إرهابيون.

ربما تكون الآن وجها لوجه مع إنسان دمث الخلق طيب المعشر مهني الأداء قليل الإدعاء.. وأنا متأكد بأنك ستطرح على نفسك السؤال: في أي ورطة أقحموني؟

أناشدك باسم اللحظة التاريخية التي عشناها معا في قضية بينوشيه، أن تكون كبيرا معه وأن تبقى ذاك القاضي، الذي يأبى أن تجبره العقلية الأمنية على الخروج من التاريخ من بابه الصغير.

باريس في 8/9/2003