ديسمبر 06, 2021

آرش دو زويه: مقاربة قضائية وإنسانية

ARCHE DE ZOEARCHE DE ZOE: Juridical and Humanitarian Approach

دراسة أعدت بطلب من منظمة IHH  التركية العضو في المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية. وتنشر ضمن كتاب جديد للدكتور هيثم مناع

كثر الكلام في الفترة الماضية عن تحركات جمعية آرش دو زويه ARCHE DE ZOE ومساعيها التي احبطت في لحظاتها الأخيرة لنقل أطفال دارفوريين إلى فرنسا “بهدف انقاذهم من الموت المحتم”. إلى أن ظهر أن ثلاثة أرباع هؤلاء الأطفال (82 ذكراً و21 أنثى غالبيتهم بين عمر 3 و6 سنوات) من منطقتي أدريه وتينه التشاديتين المحاذية للسودان، والربع الباقي من مخيمات اللاجئين من دارفور. كما أبان تقرير اليونيسيف UNICEF  والصليب الأحمر الدولي CICR  والمفوضية العليا للاجئين HCR  أن 91 طفلاً من أصل 103 يعيشون على الأقل مع أحد الوالدين، (هذا إذا اعتمدنا فكرة العائلة الصغيرة المكونة من الأب والأم فقط في منطقة لا ينطبق هذا المفهوم كثيرا على النظام الاجتماعي السائد). وقد تم طلب الأطفال من أهلهم بإعلام الأهل أن الجمعية تريد تعليم الأطفال في مدارس داخل تشاد. لكن السيناريو المعد منذ أشهر كتب له الفشل في اللحظات الأخيرة، عندما منعت السلطات التشادية الطائرة من الإقلاع من مطار أبيشا في 25 أكتوبر 2007. وكما اعتقلت القائمين على العملية من المؤسسة غير المعروفة في الوسط الإنساني الدولي، وضعت يدها على من معهم من صحافيين قدموا لتغطية الحدث وعلى طاقم الطائرة الاسباني وقائدها البلجيكي. كانت هذه الجمعية قد تحدثت في أبريل/نيسان الماضي عن ضرورة انقاذ عشرة آلاف طفل دارفوري يتيم بنقلهم إلى أوروبا وأمريكا، يستقدم منهم ألفاً لفرنسا على مراحل.وقد حذرتها الوكالة الفرنسية للتبني  EFA من أنها لا تتقيد بشروط التبني القانونية في فرنسا المتعلقة بالمعرفة الكاملة المسبقة بالملفات وتحديد العمر وعدم الاستعمال العشوائي لكلمة يتيم وعدم تزوير أية أوراق تحت طائلة المخالفة القانونية. علماً أنه لا تشاد ولا السودان تعترف بمسألة التبني وبالتالي ثمة تجاوز للقانونين الدولي والوطني.

لقد بات معروفاً أن هذه الجمعية عندما دخلت للعمل بتشاد بدّلت إسمها من آرش دو زويه المسجلة في فرنسا إلى “انقذوا أطفال دارفور”. ويوم ترحيل الأطفال إلى فرنسا كذبت على الموظفين ومنحتهم عطلة، كما ونقلت الأطفال رغم فرض منع تجول. وفي الصباح الباكر من يوم إجراء العملية غطت الممر الذي يقود للطائرة بيافطات تمنع مشاهدة هذه الجموع من مسافة قريبة. كذلك ربطت رؤوس وأعضاء بعض الأطفال بلفافات حيث الحجّة هي رعاية الأطفال الصحية في فرنسا، في حين كُشف أن هذه الضمادات كاذبة ولا تخفي تحتها جروحاً أو كدمات. والأهم من ذلك أن هؤلاء العاملين في الجمعية لم يكن بحوزتهم وثائق رسمية تسمح بإخراج الأطفال من تشاد، وإنما فقط أوراقاً تسمح برعايتهم الصحية قرب مركز المنظمة. كذلك لم تكن الطائرة التي ستقلهم مسجلّة ضمن الرحلات لفرنسا وعمر أحد القائدين للطائرة 75 عاما ومصاب بمرض قلبي أي لا يحق له قيادة طائرة. ووفق تصريح محمد صالح خيار الأمين العام لحكومة إقليم وداي فإن الأجهزة الحكومية التشادية المختصة في أبشي كانت على علم بالمخطط وتابعت كل خيوطه وتركت الجناة يقومون بتجميع الأطفال ويقومون بنقلهم على سيارات تابعة للمنظمة وعلى مقربة من المطار وفي تمام الساعة الرابعة صباحا أحاط بهم البوليس التشادي وهم في حالة تلبس تام لا تمكنهم أبدا من إنكار محاولتهم اختطاف 103 طفل.

وفي تحقيق يقوم به المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية (IBH) تبين أنه في أولى وثائق الجمعية تم تحديد الغاية من وجود أرش دو زويه بتوفير شروط الحياة المقبولة للأطفال من ضحايا تسونامي وتقديم برامج إعادة تأهيل عائلي واجتماعي لضحايا الكوارث الطبيعية والمآسي. الأمر الذي لا يشير من قريب أو بعيد للتبني أو نقل الأطفال من إفريقيا. وهذه الجمعية نشأت بمبادرة مؤسسة شبه حكومية فرنسية اسمها باريس بيوتيك سانتيه Paris Biotech Santé ، ونجد في الجريدة الرسمية قرار إشهارها كالتالي:

« Siège social : 23, rue Hallé, 75014 Paris. Courriel : [email protected] ». Le Journal officiel de la République française du 2 juillet 2005.

وحتى اليوم المسؤولية القضائية والعنوان مازالا دون تغيير وهما السيدة ستيفاني لوفيفر المدير العام المساعد لمؤسسة باريس بيوتيك سانتيه. وهذه الأخيرة منبثقة عن أربع مؤسسات رسمية فرنسية ذات سمعة هي جامعة السوربون باريس الخامسة (رينيه ديكارت) والمؤسسة القومية للبحث الطبي INSERMوالمعهد المركزي العالي في باريس و ESSEC. بل لقد تشكلت لجنة تقييم لأداء عمل أرش دو زويه ضمت طبيب الأطفال فرانسوا ساركوزي (شقيق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي) وأعطت تقييما جيدا لأداء الجمعية رغم الابتعاد عن الغاية الاجتماعية الأساسية لإشهارها. الأمر الذي يفسر استبسال السلطات الفرنسية لحصر الموضوع كونه لا يتعلق فقط، كما يحاول البعض في فرنسا تقديم الأمر “بمجموعة من الهواة ذوي النوايا الطيبة”، وهناك على الأقل إهمال من مؤسسات أعطت اسمها كغطاء أخلاقي لهذه الجمعية، كل ذلك رغم غياب الشفافية عن عمل الجمعية وتجاوزاتها القانونية. هذا ناهيكم عن مجموعة انتيناتantennes شكلتها الجمعية أو نسقت معها مثل منظمة ائتلاف الأسر الفرنسية المستضيفة (كوفود) www.cofod.fr. ومنظمة إنقاذ دارفور (الفرنسية) www.sauverledarfour.org.

أمام هذه التجاوزات الجسيمة للقوانين المحلية والدولية، ظهر الرئيس التشادي على الاعلام متحدثاً عن جريمة خطف أطفال بقصد التجارة الجنسية وبيع الأعضاء. واعتبرت الحكومة الفرنسية في أول رد فعل لها العمل غير قانوني وغير مسئول، وبدت في فترة أولى مرتبكة وكأنها لا تعزف على نفس الوتر، هذا إذا لم نتحدث عن توزيع أدوار بين المسئولين المعنيين بالملف. لكن منذ اللحظة الأولى اتضح بأن الجيش الفرنسي سهّل للمنظمة كل ما تحتاج، مثلما فعل لخمسة وسبعين منظمة غير حكومية فرنسية (قرابة نصفها ولدت بقدرة قادر مع مأساة دارفور). كما وكشف متحدث باسم المنظمة أنه تم استقبال جمعيته ثلاث مرات على الأقل في وزارة الخارجية التي كانت تعلم بالمشروع منذ الصيف الفائت وتشجعه. أما وزير الخارجية الفرنسية، “برنار كوشنر” فقد تناولته نيران المنظمات الإنسانية الجدية مثل “أطباء بلا حدود” MSF ومنظمة أطفال العالم – حقوق الإنسان باعتباره يروج للتدخل الإنساني بسبل يوظف فيها العسكري والسياسي بحيث لم يعد مستغربا دخول البعد التجاري. الأمر الذي اضطر رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيّون للتنصل من العملية وطلب تحقيق من وزارتي الخارجية والدفاع. مما جعل المنظمات غير الحكومية تهزأ من الفكرة وتتساءل كيف يمكن لحراميها أن يكون حاميها؟  وكانت عدة مجموعات ضغط مهتمة بتوظيف قضية دارفور في أوربة قد دعت لمظاهرة في الباستيل من أجل إطلاق سراح المعتقلين الفرنسيين في تشاد، كما استقبلت سكرتيرة حقوق الإنسان في وزارة الخارجية السيدة راما ياد عائلات معتقلي الجمعية المشبوهة وأكدت لهم وفق تصريح محاميهم جيلبر كولار “حماية ودعم الحكومة الفرنسية”.

المعضلة هي أن عدداً هاماً من المنظمات الإنسانية الفرنسية غير الحكومية قد حوصر في هذه القضية بين سندان الضغط الحكومي ومطرقة المصداقية الدولية. كما ويخشى من التوظيف الشوفيني الذي ينعكس على تبرعات المحسنين لها ان هي طالبت بمحاسبة الفرنسيين. وظهر أن أكثر من منظمة حقوقية فرنسية ودولية في باريس التزمت الصمت خوفاً على التسهيلات التي تقدمها لها الحكومة.فالمنظومة الفرنسية للعمل الخيري أمام أصعب امتحان لها منذ فشلها في مساندة الجمعيات الضحية من العالم الإسلامي بدعوى نفس المخاوف. المهزلة المأساة هذه تضع تجربة الأطباء الفرنسيين French Doctors التي انطلقت قبل ثلاثة عقود على المحك الأصعب منذ انسلاخ برنار كوشنر وصحبه عنها وانضمامهم للصعيد الحكومي قبل 15 عاما، بحيث تطرح عليها اليوم أسئلة وجودية من نمط: هل هي فعلا عالمية وبلا حدود ؟ وهل بإمكانها أخذ البعد اللازم من مدرسة تدعو، في المحصلة الأخيرة، إلى تحويلها إلى”الإنساني في خدمة العسكري” التي يروج لها الثنائي كونداليزا رايس- برنار كوشنر ؟ وهل ذلك يأتي ضمن عملية ضرب ممنهجة لكل ما هو خارج السرب الغربي وبالتالي المشبوه بدعم الإرهاب مقابل دعمها كل ما هو ضمن السياسات الرسمية؟

في هذا الوسط المحموم والموبوء، ركب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الطائرة إلى نجامينا ليعود بالصحفيين والمضيفات. في وقت كانت القناة السادسة تبث التحقيق الذي أجراه مارك غارميريان قبل سفره لتشاد واعتقاله، والذي يؤكد أن الجمعية تتبنى الطابع غير القانوني للعملية باسم “العمل الإنساني”، بل أكثر من ذلك ترد فيه عبارات مثل “من أجل العمل الإنساني كل شئ مسموح به” ؟؟. وكأن العمل الإنساني فوق القانون وفوق الضوابط الأخلاقية التي تضمن مصداقيته قبل كل شئ!!. يتبع ذلك احتفالية النصر بعودة المواطنين الإسبان والفرنسيين للوطن  ومحاولة إسبانية ناجحة تمت بها استعادة الطيارين الإسبان والبلجيكي. وأخيرا التصريح الناري للرئيس الفرنسي الذي قال فيه: “سأذهب لأحضار الباقين”، واضعا كل التجاوزات القانونية خارج الاعتبار القومي المتعصب الذي يرفض مبدأ محاكمة فرنسيين من بلد تعتبره الحكومة الفرنسية ليس فقط مستعمرة سابقة بل خاضع للنفوذ الفرنسي.

كان لردود الفعل الإفريقية واستنكار المنظمات بين الحكومية والغضب الشعبي في تشاد أن يجبر الرئيس التشادي على تحضير سيناريو محاكمة تضع الجرم في نطاق اتفاقية قضائية بين البلدين، وبالفعل فقد جرى كل شئ بحيث يعود الستة المحكومين بثمانية سنوات إلى باريس لكي تنظر محكمة باريسية في الأحكام وتلغي منها الأشغال الشاقة بانتظار اللحظة السياسية المناسبة لعودة المحكومين إلى بيوتهم. المساعدة المخابراتية واللوجستية التي قدمتها القوات الفرنسية المتواجدة في تشاد لمنع سقوط دكتاتورية دريس ديبي أمام حركة التمرد مهدت الأرض لعفو رئاسي، بحيث ومن تشاد، ربما قدم ديبي آخر خدمة لمن نصبه رئيسا وأبقاه في الحكم 18 عاما فوق رقاب البلاد والعباد. أما سمعة العمل الإنساني والخيري فآخر ما يمكن أن يكون في حسبان حكام نجامينا وباريس.

حقوق المواطنة والفعل الجرمي

لا شك أنه مما يحسب لفرنسا والغرب بشكل عام، في هذه القضية وغيرها، هي ما يسمى بالتزامها بالحماية القنصلية Consular protection لمواطنيها خارج الأراضي الفرنسية. تعتمد الحماية القنصلية على حق الدفاع عن المواطنين خارج الأراضي مهما كان الجرم وفي أي بلد ضمن المبادئ الثلاثة التالية :

–       المعاملة الجيدة أثناء التوقيف والسجن في الطعام والملبس والعلاج

–       الاحترام التام لحق الدفاع مع إمكانية وضع مترجمين أو تقديم مساعدة قضائية.

–       تمتع السجناء بحق التواصل مع عائلاتهم.

إن كانت هذه المبادئ الوطنية تنسجم مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان,International Bill of Human Rights  والقانون الإنساني الدولي Humanitarian Law فهي في ميدان التطبيق ليست بهذه البساطة والسهولة. يوجد اليوم خارج الأراضي الفرنسية 1794 سجيناً في كل قارات العالم ويتم التعامل معهم بطرق مختلفة: من التدخل بخمسة نجوم إلى النسيان الكامل. وهنا من الضروري التذكير بأن تبني أشخاص اعتقلوا في غوانتانامو احتاج إلى زمن أطول بكثير من هذا. لا بل أرسلت المخابرات الفرنسية من يستجوبهم هناك بشكل ينتهك القانون الفرنسي لعدم الاعتراف رسمياً بشرعية هذا السجن. كما أن الحكومة أعاقت حتى اللحظة إجراءات المحاسبة القضائية بحق من كان سبباً في اعتقال ستة فرنسيين مسلمين في غوانتانامو زجوا فيه دون جرم وبقوا فيه دون محاكمة قرابة أربع سنوات. كذلك ما زال هناك معتقلين فرنسيين في السجون الأمريكية في العراق لا يطالب بهم أي مسئول فرنسي، وهناك فرنسي معتقل في السجون الإسرائيلية منذ 13 مارس/آذار 2005 لكن ولأن اسمه صلاح حمروني ومن أصل عربي لا يطالب به السيد ساركوزي القائل: “سأذهب لإحضار مواطني فرنسا من أي مكان”. في حين أنه ومنذ الساعات الأولى لاعتقاله، استنفرت المنظمات الموالية لإسرائيل مطالبة الرئيس جاك شيراك التدخل الفوري من أجل الإفراج عن الأسير الإسرائيلي في غزة الجندي شاليط كونه يحمل الجنسية الفرنسية؟ صلاح حمروني لا يحمل سوى الجنسية الفرنسية وشاليط يخدم في جيش دولة أخرى باعتباره مواطن لها، بعد 220 سنة على الثورة الفرنسية، من حقنا السؤال كيف يمارس سياسيو هذا البلد هذا المستوى الوضيع من التمييز بين مواطن ومواطن  ؟

مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية اسمها ازدواجية المعايير واختلاف ردود الفعل، بغض النظر عن الجرم. أي أن الأساس القانوني يوضع في الصف الثاني ويتم دفع الأسباب السياسية والدعائية إلى الصدارة. بالتأكيد، هذه السياسة لن تقدم أية خدمة بناءة لسمعة العمل الإنساني في أي بلد. بل تجعله أسير السياسة الحكومية بامتياز. وتدفع المنظمات الغربية الإنسانية ثمن هذه السياسات حيث صارت في نظر الجمهور الواسع، بالحق أو بالتعميم، مشمولة بسياسات وممارسات حكوماتها عبر التحول السلبي لصورتها في الرأي العام الجنوبي. لذا نجد، وبكل أسف، قطاعات واسعة في بلدان الجنوب لم تعد تستغرب أو تستنكر خطف عاملين في الحقل الإنساني لأنها تربطهم بحكوماتهم وسياساتها. الأمر الذي يتطلب من كل المنظمات الإنسانية  الجادة في الغرب، إعادة منهجة تصورها وفلسفة عملها. أولا عبر تحديد مرجع أخلاقي وحقوقي واضح تلتزم به، يمنحها الحماية عند حسن الأداء والمحاسبة عند ارتكاب جرم أو جنحة. فالعامل في المجال الخيري ليس فوق القانون، بل من واجبه أن يعطي المثل لاحترام الأعراف والقوانين الدولية. كذلك لا بد من وقف عملية التوظيف للعمل الخيري في الصراعات الجيو سياسية والعسكرية: نحن نعرف الشهية التي يثيرها التمويل الهائل لكل المنظمات الإنسانية التي تعمل في دارفور ضمن دعاية محددة وتصور مبالغ فيه تعطي جمعية أرش دو ويه المثل في فن المبالغة والتهويل من أجل الاستعمال المبالغ به للعواطف من أجل جمع المال أو تسهيل الأمور. فالجواب على السؤال المركزي: هل حالة هذه الجمعية معزولة ونادرة، أم هي إنتاج طبيعي للمنظومة system  السائد؟ أي ألم يحن الوقت لإعادة النظر في أساليب عمل الجمعيات الإنسانية الغربية، من استراتيجية التدخل التي بدأت بإطروحات برنار كوشنر المأساوية لتنتهي بكاريكاتير آرش دو زويه؟ ألم يصبح من الضروري مراحعة وسائل جمع التبرعات والتمويل والعلاقة مع الإعلام والتلاعب على العواطف والمشاعر إلى بعد أكثر نبالة ونضج في عملية تحديد المهمات الميدانية وبرامج العمل؟ وهل يمكن لإعادة النظر هذه أن تكوّن نظرة وتصور عالميين إذا تمت بمعزل عن شبكة علاقات مع الجمعيات الخيرية الجنوبية إسلامية وإفريقية وأمريكية لاتينية وجنوب شرق آسيوية؟

لابد من إعلان دولي يحدد المسؤوليات والواجبات والحقوق

أكثر من أي وقت مضى، وفي وقت صار يتحدث باسم العمل الخيري والإنساني مجموعة من محترفي السياسة والمدافعين عن مجموعات ضغط محددة أكثر منه قيم ومبادئ مثل برنار كوشنر، جاكي مامو وبرنار هنري ليفي، الذين مارسوا عن سابق إصرار وتصميم التزوير في الأرقام والمعطيات كما يقول كريستوف أياد في صحيفة ليبيراسيون. فكما يقول باسكال بونيفاس، مدير معهد الأبحث الدولية والاستراتيجية IRIS : كما أنه لا يمكن لشخص أخذ مواد منشطة أن يشكل لجنة أخلاقية للرياضيين، لا يمكن لأسماء محروقة إعطاء دروس في الممارسات الأخلاقية الضرورية في الحياة العامة.

من الضروري تحديد موقف من التدخل السياسي وتداعياته، خاصة عندما يكون لأغراض رخيصة دعائية لهذا المسئول أو ذاك، ومن الضروري عدم الدخول في السهولة في كل ما يتعلق بالمانحين والممولين، من المواطن العادي إلى كبريات مؤسسات التمويل. فتداخل المانحين والسياسيين يساهم يوما بعد يوم في تشويه صورة المنظمات غير الحكومية. ثم لا بد للعديد من المنظمات الغربية أن تتحرر من “عقدة التفوق”   complex of superiority في تعاملها مع الشعوب والمنظمات والهيئات حكومية كانت أو غير حكومية، وأن تستوعب فكرة بسيطة ولكن جوهرية تقوم على أن التواضع والشفافية والأمانة صفات لا بد من أن يتمتع بها العاملون من أجل كرامة الآخرين.

لقد أصبح تحديد التخوم بين المستفيدين من العمل الخيري ومن يتطوعون ويضحون ضروريا وأساسيا، وأصبح أيضا من الضروري أن يخرج أشخاص أخلصوا للعمل الإنساني مثل روني برومان وفرانسوا بينيون من العالم المغلق للعمل الخيري الغربي لبناء شبكة علاقات حقيقية وضرورية مع المخلصين في الجمعيات الإنسانية في العالم الإسلامي ودول الجنوب. فبالتأكيد، ما يجمعهم مع منظمات في “المكتب الدولي للمنظمات الإنسانية والخيرية” أكثر بكثير مما يجمعهم بجمعيات المرتزقة الجدد الباحثين عن كسب سريع من صناعة البؤس والفقر والمرض في ظل عولمة الغنى الفاحش والفقر المدقع.

قرينة البراءة !

مهما يكن من أمر الفضيحة والجريمة، من حق كل المعنيين بها المطالبة باحترام قرينة البراءة. وكما أننا رفضنا تصنيف الإدارة الأمريكية والمفوضية الأوربية الاعتباطي والظالم لجمعيات خيرية وإنسانية إسلامية، نرفض في هذه القضية وضع أنفسنا مكان القضاء، بل ونطالب بمحاكمة عادلة لكل المتورطين، ونرفض التعميم على كل المنظمات الإنسانية الفرنسية والخبراء الفرنسيين، فأنطوان جيرار رئيس مكتب التنسيق للقضايا الإنسانية في السودان فرنسي وقد كشف أن هذه الجمعية لم تسجل يوما في مكتب الأمم المتحدة، وجاك هينتزي الذي كشف أن معظم الأطفال غير يتامى أيضا فرنسي، وقد أصدرت خمس منظمات فرنسية كبيرة وجادة بيانا طالبت فيه بمحاكمة القائمين على جمعية أرش دو زويه. لكننا نعتقد بأن عدم اتخاذ أي قرار تجنبا لقرار ردئ ليس بالحل الأمثل، من هنا نطالب بلجنة تحقيق دولية، لا مجرد لجنة منتقاة بعناية لحفظ ماء وجه الدولة وحماقاتها. نطالب بتحقيق شفاف حتى نتمكن من الدفاع عن كل مناضلي العمل الخيري الفرنسيين الذين يقومون بعملهم بكل أمانة وإخلاص. كما ونتمنى أن تكون هذه الحادثة عبرة على طرفي المتوسط:

شمالاً، أن تتوقف الحكومات الغربية عن إطلاق التهم السريعة وغير الموثقة على الجمعيات الإنسانية والخيرية الإسلامية. كي لا يحكم الناس بنفس الطريقة وكرد فعل على العمل الخيري الغربي بعجره وبجره.

جنوباً، أن يتذكر هذا الرئيس أو ذاك الملك، أن الرئيس الفرنسي قد استقل الطائرة لاستعادة شركاء في قضية نصب واحتيال لأنهم مواطنين. وأنهم لم يفعلوا شيئا يذكر لرموز كبيرة للعمل الخيري والإنساني مثل السعودي عبد الله المطرفي والسوداني عادل حمد رموز قضت قرابة ست سنوات ظلماً وبدون محاكمة أو اتهام، في سجن غوانتانامو لم يكن لهم من نصير فيها سوى مدافعين مدنيين عن الحرية والكرامة من أبناء المجتمع غير الحكومي. أو جمعيات وضعت ظلما على قوائم سوداء للإرهاب لارتكابها جريمة نجدة المستضعفين ومساعدة المحرومين، فزاودت حكوماتها على القرار الأمريكي والأوربي. فنجحنا في رفع التهمة عن معظمها أمام المحاكم الغربية، في حين مازال الحظر على نشاطها وتحركاتها صارما في عواصم النفط الخليجية.

12-02-2008