December 01, 2020

العالمي والغربي في العدوان على غزة

Israel and Gazaأعاد العدوان على غزة بهمجيته، وتواطؤ أطراف غربية وعربية بشكل مباشر أو غير مباشر عبر موضوعة “الحرب على الإرهاب”، وهي المقولة الأكثر خطرا على الحريات والحقوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أعاد الصراع بين اتجاه عالمي يعتبر الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي مرجعه الوحيد، واتجاه غربي مسيطر عليه بشكل أو بآخر من مجموعات الضغط الصهيونية والمؤسسات بين الحكومية الغربية.

أبرز هذا العدوان من جديد الصراع بين  فكرة إعلام موضوعي يسمع أكثر من صوت، وإعلام موجه يسيطر عليه صوت واحد. بين منظمات غربية النشأة دولية التكوين ومنظمات دولية التصور سواء كان تكوينها دولي أو إقليمي. بين الحديث عن السلام وحقوق الإنسان ومأسسة الدعم لعدوان عسكري مفضوح على شعب محاصر، بالتأييد المباشر للمجرم أو بإعاقة جهود إدانة المعتدي. ذلك في تغييب جوهري لما كان في صلب نشأة حقوق الإنسان: واقعة أن المقاومة حق والعدوان جريمة.

مجموعات الضغط الموالية لإسرائيل تعمل بكل الوسائل: فهي تسعى للمشاركة والحضور في عدة مؤسسات لتفرمل العمل، تطالب بمقاطعة العديد من التجمعات بدعوى العداء للسامية أو التطرف الديني، تتحرك لاحتكار وسائل الإعلام والتهديد المباشر أو غير المباشر لكل من يتوجه لإسماع الصوت الفلسطيني أو الحقوقي. ومع اشتداد الحملة الشعبية والمدنية لنصرة الشعب الفلسطيني في غزة، جرت عدة تعديلات في أساليب العمل. فمثلا وفي الوقت الذي تتحدث فيه أكثر من 100 منظمة وكونفدرالية غير حكومية وأكثر من ستين نقابة محامين عن ضرورة تحرك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو من تلقاء نفسه وبطلب من أطراف مصدقة على ميثاق روما، يتم تحريك أكثر من صهيوني من الأوساط الحقوقية ليقول بأن هكذا مسيرة، ومن الأفضل الذهاب إلى جنيف والحديث أمام مجلس حقوق الإنسان أو الاكتفاء برسالة مفتوحة لتوفر الجهد! وكأن هذا يحول دون ذاك أو يمنع تعدد المبادرات. لكن الصحافة تأخذ التصريح، فتسمي المنظمات المدنية التطوعية التي تتحرك ضد مجرمي حرب الدولة العبرية “منظمات موالية للفلسطينيين” وتشير لمن يتحرك بالحد الأدنى بصفته يمثل منظمة حقوقية متزنة…

هذه المهزلة نفسها نجدها حين يوظف أكثر من صحفي صهيوني وسائل إعلام تابعة للدولة (يدفع المواطن في أوربة لضريبة الإعلام من مرتبه). بحيث تغدو الإذاعة الفرنسية في خدمة الجيش الإسرائيلي، عبر ما فعله إيفان ليفاي على راديو “فرانس انتر” (ثلاثة أيام تضامن مع إسرائيل) أو يفعله فنكلكراوت على راديو “فرنسا الثقافة” كل يوم سبت.  والأنكد، اللجوء إلى ما يسمى بالإضراب السلبي. فحين يزداد القصف على غزة نجد أكثر من موظف صهيوني في مؤسسة حقوقية يصاب بالمرض لإعاقة بيان أو تحرك، أو يترك العمل لأسباب طارئة. وقد وصلتني شكاوى من عدد من الذين حاولوا إيصال رسالة لمنظمات حقوقية غربية، واعتذرت هذه حتى عن استلام رسائلهم طالبة إرسالها بالبريد! لا يتسع المجال هنا لتعداد مختلف وسائل التحايل والتوظيف والاستعمال من أجل حماية الدولة العبرية. ومع ذلك عندما لا ينجح كل هذا يخرجون آخر سلاح سحري بوجه المطالبين بتحرك تضامني: “ما تقومون به يعزز العداء للسامية في أوربة”!

لن أنسى في حياتي معركة خضناها كمجموعة من المناضلين الأمميين (ضمت الأمريكي جيمس بول وإرسكين شايلدرز والفرنسي رولان فيل مع أفارقة وأمريكيين لاتينيين)، ضمن نطاق إصلاح ودمقرطة الأمم المتحدة منذ نهاية حرب الخليج الثانية، حول ضرورة توسيع صلاحيات الجمعية العامة، وإلغاء تقليد أصبح يسمى “حق الفيتو” هو ليس بحق في أي مؤسسة تعتبر من وظائفها دمقرطة المؤسسات. وكنت قد طالبتُ في الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان بأن يحتوي بيان الذكرى الخمسين للأمم المتحدة هذا المطلب. لكن يومها أعادوني للمأثورة المتداولة “الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا” التي لها في أوساط حقوق الإنسان مدافعين. فقد استنفر أبناء الشمال كلهم باستثناء شخص واحد يحق له التصويت (البريطاني مايكل إيلمان) دفاعا عن حق الفيتو للدول الدائمة العضوية. وتحرك ممثل اللوبي الصهيوني يهمس في إذن هذا ويتمتم لذاك عن خطورة تبني قضية كهذه. وبكل أسف تم التصويت في منظمة لحقوق الإنسان هذه ضد التعرض لحق الفيتو.

نلاحظ أنه يوجد في كل منظمات حقوق الإنسان التي يمسك بمفاصل المسؤولية الفعلية فيها عناصر من اللوبي الموالي لإسرائيل، تحفظات أساسية تذكرنا بالتحفظات البريطانية الأربع: عدم السماح لأية حملة تمس الدولة العبرية بتجاوز خطوط حمراء، مثل اعتبار الإسرائيلي والفلسطيني في نفس الدرجة كضحية ولكن ليس كطرف سياسي، توزيع المسؤولية بين الضحية والجلاد، عدم تقديم مكافأة لفلسطيني دون وضع إسرائيلي بجواره، سد الطريق على أي تحرك يطالب برفع المنظمات الفلسطينية من قائمة الإرهاب (للعلم هذه النقطة موجودة قبل ولادة حماس وقبل 11 سبتمبر وعانينا منها عندما طالبنا بالتعامل بشكل طبيعي مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أسسها الدكتور العلماني واليساري جورج حبش وهو من أسرة مسيحية)، تحجيم الوجود الفلسطيني ما أمكن في المنظمات الدولية (وقد نجحنا في كسر هذه السياسة بفرض انتساب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان كعضو كامل العضوية في الفدرالية الدولية مثلا بعد شهرين من تأسيسه وكانت سابقة)، تسليم منطقة الشرق الأوسط لصهيوني أو مسؤول تحت السيطرة، وتشويه سمعة كل من يحاول إعطاء الانتهاكات المرتكبة من الدولة العبرية بحق الفلسطينيين والعرب حقها، رفض أية عقوبة بحق الدولة العبرية، فمثلا عندما نطالب بإلغاء الاتفاقية الأوربية الإسرائيلية الموقعة في 8 ديسمبر 2009 يخرج علينا من يقول: نحن نطالب بعدم وضعها موضع التنفيذ إلا عند وقف إطلاق النار، وآخر يقول لا تعزلوا إسرائيل فالاتفاقية مفيدة للضغط عليها. ثم تخرج الصحافة بالقول “توجد خلافات عميقة بين راديكاليين يطالبون بإلغاء الاتفاقية أمام المحكمة الأوربية الابتدائية، وأصوات معتدلة ومتعقلة تتحدث عن تأخير تنفيذها لحين وقف إطلاق النار” (كذا). طبعا، بعد نجاح الإعلام الغربي في شيطنة حماس منذ وصولها إلى السلطة في انتخابات ديمقراطية، أصبح من المعتاد اتهام كل من يدافع عن علاقات طبيعية مع الحكومة الفلسطينية، بما في ذلك حكومة الوحدة الفلسطينية، بالتعامل مع منظمة إرهابية. بل جرى التعرض، في منظمة تدعي بأنها للعمل الإنساني الخيري، بالنقد لمن ينسق مع وزير الصحة الفلسطيني في غزة باسم نعيم، لأنه “يطبع مع منظمة إرهابية”!

رغم أن منظمات الجنوب تشكل اليوم الأغلبية الكاسحة في كل ما يسمى بالاتحادات والتجمعات الدولية لحقوق الإنسان، فهي ما زالت للأسف مشتتة الأصوات ومخترقة من عرب الخدمات ومتأثرة بالمكاسب السريعة كمنصب هنا أو مساعدة مالية هناك. لذلك نجدها غير قادرة على إسماع صوت يعبر عن موقف عالمي يشبه ما يتخذ من مواقف عندما يتعلق الأمر برواندا أو كمبوديا أو روسيا مثلا.

وما زالت التنظيمات العربية المنخرطة في هذه التجمعات غير قادرة على تحديد استراتيجية عمل أممية واضحة، تنطلق من مبادئ حقوق الإنسان ومن معرفتها الدقيقة بالمأساة الفلسطينية والجرائم الإسرائيلية. لذا، لن نسمع صوت التجمعات الدولية في الأزمات الفعلية وسنجدها تستنفر لاعتقال مواطن إيراني أكثر مما تتحرك لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في فلسطين.

———-

البديل 24-01-2009

No Favorites Has Been Added!