ديسمبر 03, 2021

سجن أبو غريب من المشهد إلى الجريمة والعقاب

 لم يتوقف البنتاغون والبيت الأبيض عند أي من تقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية. كذلك لم يجد “مثقفو” البنتاغون الوقت مناسبا لقراءة تقارير عسكرية وأمنية عن ممارسة جريمة التعذيب على نطاق واسع وبشكل منهجي في المعتقلات العراقية من قبل قوات الاحتلال والمرتزقة. السيد بريمر رفض استقبالنا واستقبال غيرنا من الحقوقيين، كذلك رفض الناطق باسمه الرد على أسئلتنا حول أسباب اعتقال محمد عباس وتحذيرنا له من مخاطر معاملته بشكل انتقامي. إلى أن حصلت المأساة بعدها بأشهر وعثر على أبو العباس جثة هامدة في سجن أبو غريب.

ألم يكونوا يعلمون؟ أم أن الولايات المتحدة في سنة انتخابية والعراق يجتاز مرحلة ينزف فيها موارده البشرية والاقتصادية؟ أليست مناقصات عقود الساعة الأخيرة أهم بكثير من كرامة الذين سموا “إرهابيين”؟ أليس إذلال العراقي جزء من تعزيز الروح المعنوية لجيش بلا روح وجنود بلا معنويات ومقاتلين بلا قضية؟
يلفت السيد رونالد رامسفلد نظرنا إلى أن من مكرمات الرئيس الأمريكي وضعه الشعب العراقي في مصاف طالبان ولم يصنفهم في عداد القاعدة! وأنه لم ينقل عراقيا واحدا لغوانتانامو كما وسمح أكثر من مرة للصحفيين بزيارة الغرف التي تم طلاؤها وتصليحها من أجل الاستعمال الخارجي في سجن أبو غريب!
وفقا لمعطيات الجيش الأمريكي في نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، تم دفع 1,5 مليون دولار أمريكي لمدنيين عراقيين لتسوية مطالبات تقدم بها الضحايا أو أقرباؤهم بسبب إصابات شخصية أو وفاة أو إلحاق أضرار بالممتلكات. وحسب ما ورد تتعلق بعض المطالبات المقدمة، والبالغ عددها 10402، بحوادث أردى فيها الجنود الأمريكيون مدنيين عراقيين قتلى أو أصابوهم بجروح بليغة من دون سبب واضح. بالطبع، سلطات الاحتلال وحدها تقرر ما يقبل من هذه الملفات وما يرفض. منذ 27 يونيو (حزيران) 2003 دخل حيز التنفيذ الأمر17، الذي ينص في القسم الثاني منه على ما يلي: “تتمتع سلطات الائتلاف المؤقتة وقوات الائتلاف وبعثات الارتباط الأجنبية وممتلكاتها وأموالها وأصولها بالحصانة من الإجراءات القانونية العراقية”. وقد شرح هذا الأمر بشكل مسهب فصيلة “المتربعون فوق القانون” والتي تشمل كل من يتعامل مع قوات الاحتلال مدنيا كان أم عسكريا، مقاولا أو مقاتلا. بحيث يتمتع كل هؤلاء بحالة إفلات أنموذجية من العقاب.

جل ما فعلته منظمات حقوق الإنسان لم يكن كافيا لكسر حاجز الصمت. كان العالم المشهدي بحاجة إلى مشهد صارخ ليسمع الرسالة بعد أن فشلت كل الرسائل العقلانية والأخلاقية. هذا المشهد الذي يجمع بين رمزية صلب المسيح والكاجول والعري. كان الصلب يعتمد قديما على تثبيت المسامير في النهايات، أما اليوم فهو يقوم على ربط الأعضاء الحساسة بأسلاك كهربائية. واليوم لا تأتي الإهانة فقط من جندي مخمور، وإنما أيضا من امرأة تستبيح رجالا وتعبر عن ساديتها عبر الصورة والصوت. كانت المقابر الجماعية عند هتلر وستالين وصدام تكدس جثثا متراكمة كأكياس البطاطا تلقي بها في حفر ترابية، أما المشهد الهوليودي الحالي فيضع أمام ناظرينا أجسادا عارية يتكدس لحمها على لحم آخرين في مثل حالتها تسمع قهقهة الجلاد وسخريته ورغبته الباثولوجية بالانتقام. وكأن هذا المشهد هو الوحيد القادر على اختراق مسامع الأغلبية الأمريكية التي أصيبت بالصمم منذ “الحادي عشر من سبتمبر”. يختبئ المهندس وولفوفتز في الحجرة الخلفية للبنتاغون، وتبدأ عملية البحث المشهدية عن كبش فداء يثبت بأن ما حدث هو فعل حفنة من الجنود لا علاقة لها بالقيم الأمريكية. فالمشكلة الحقيقية اليوم، هي أن رامسفيلد يختصر بوزارته وشخصيته الخيارات الكبرى لعولمة حالة الطوارئ واحتلال العراق وتضخم موازنة التسلح الأمريكية. وبهذا المعنى، فرأسه يعني بكل بساطة رأس القمة.

من ردود الفعل على صور التعذيب ما يدلل كذلك على هزالة “الثقافة الديمقراطية” في المعسكر الموالي للولايات المتحدة: لماذا الاحتجاج وهل نسيتم جرائم صدام؟ هل نسيتم أوضاع السجون العربية؟ وهل .. وهل.. وفي حين يتحدث المسؤولون الأمريكيون عن الشعور بالقرف والاشمئزاز تنشر صحيفة “الصباح” البغدادية الصادرة عن قوات الاحتلال في 6/5/2004 على لسان جلال الطالباني ما يلي: ” يجب عدم تهويل الأمر كما لو كان ما حدث هو شيء وحشي جدا أو شيء… يستدعي تغييرا في السياسة”.

منذ متى كان وجود مجرم اغتصب عشرة نساء يمنع محاسبة مجرم اغتصب امرأة واحدة؟ الجريمة هي الجريمة والقتل هو القتل والتعذيب هو التعذيب وكل نفس مكرمة. إن كانت حقوق الإنسان في القرن العشرين قد أسست للمبادئ ووضعت نصب أعينها التعريف والشجب والاستنكار، أي ركزت اهتمامها في المسؤولية الحقوقية والأخلاقية والسياسية، فإنها في القرن الواحد والعشرين أمام تحدي تجاوز هذا السقف إلى تحديد المسؤوليات الجنائية والمحاسبة. والأسئلة المطروحة علينا في نشوة “المجتمع المشهدي” الحالية هي: كيف يمكن تصنيف هذه الجرائم ومن هي الجهات المؤهلة لذلك؟ هل يمكن توسيع نطاق المحاسبة من البلدان المعنية مباشرة لبلدان أخرى أو هيئات دولية؟ هل يمكن تحويل الإهانة البشرية إلى قيمة معرفية قابلة للتقدير؟ هل يمكن تقدير التعويضات؟ هل تمتلك المحاكم غير الأمريكية صلاحية النظر والفعل في جرائم الاحتلال؟ ألا تفترض هذه الأسئلة إرادة سياسية غائبة؟ ومن الذي يستطيع تفعيلها أو جعلها جزءا من إنقاذ ما هو أكبر من جريمة الحرب؟

التعذيب وحقوق الإنسان
قد يستغرب المرء أن فكرة منع التعذيب والمحاسبة عليه كجريمة هي فكرة حديثة. ويستغرب أكثر إن قلنا أن هذه السيرورة الطويلة، التي استمرت آلاف السنين قبل التوصل لنص أممي يحرم التعذيب، قد مرت بخطوات بطيئة ومتدرجة. ذلك إلى حد أن الأشكال الأولى للاحتجاج على التعذيب لم تكن باعتباره جريمة أو ممارسة ممنوعة. بل كونه ممارسة غير مجدية أو لا تؤدي الغرض المطلوب منها أو تشكل انحرافا عن الوسائل الطبيعية للحصول على المعلومات أو إذلال الخصم أو العدو.

لم يكن هناك من موقف موحد من التعذيب في الديانات الكبرى. فرغم أن الحديث الشريف أكد على “أن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا” وأن “أول من يدخل النار يوم القيامة السواطون الذين يكون معهم الأسواط يضربون بها الناس بين يدي الظلمة”(1)، إلا أن العديد من الولاة قد بحثوا عما يغطي جرائمهم بالعقوبات التي أقرت في السنين الأولى لدولة الإسلام. كذلك الحال في المسيحية، حيث نجد موقفا متميزا ومبكرا للبابا نيكولاس الأول، الذي اعتبر التعذيب جريمة مزدوجة منذ القرن التاسع للميلاد. فكتب في 866 م لأمير بلغاريا: “إني أعلم أنك لما تلي القبض على أحد اللصوص ترهقه بالعذاب حتى يعترف، وذلك ما لا تجيزه أية شريعة سماوية أو بشرية… ألن تصاب بالخجل والعار إذا لم يظهر الإثبات الجرمي بعد التعذيب؟ وهل تدرك مدى الظلم الذي يسببه إجراء التعذيب؟ ” (2) نجد انتكاسة كبيرة في حقب محاكم التفتيش، بل تشريعا بابويا له من ثلاثة بابوات على الأقل (إينوسنت 4، دستوره وألكسندر الرابع). ويمكن القول أن ظاهرة التفريد، كحدث حضاري عاشته اليونان وفارس والهند والصين وروما ومكة الخ، لم تضمن أو تظهر للعيان مشكلة سلامة النفس والجسد كحق أو كقضية أساسية. وعلينا انتظار ولادة مفهوم الشخص، أي المفهوم الإيجابي للحقوق في عصر التنوير، لمباشرة طرح الموضوع بشكل منهجي مختلف. الأمر الذي لا يعني غياب أصوات لمناهضة التعذيب قبل هذا التاريخ.

ترافقت فكرة الحق الإنساني (الرجالي بادئ الأمر) بنشأة مدارس فلسفية مثالية تركز على الفرد ليس بوصفه النواة الأولى للثروة، كما كان الحال في المجتمعات التجارية الربوية. بل باعتباره أيضا تجسيدا لجملة من الحقوق غير المعترف بها لذات لم تنل بعد الاعتراف بقيمتها الحقيقية. ذات تشكل مركز العالم كما يقول إخوان الصفا. وبالتالي تعيد الاعتبار للكائن الذي خلقه الله على صورته تكريما كما قال الإنسانيون الأوائل في أوربة تكرارا لصدى الابن رشدية المترجمة. فصورة هذا العالم المصغرة التي لا مثيل لها، فرادتها وخصوصياتها تمنحها حقوقا طبيعية غير قابلة للتصرف لأنها ليست من إنتاج إيديولوجيا أو معتقد بقدر ما هي ابنة الفطرة الإنسانية وسنة الوجود.

تجنبا لأية مواجهة مع النظريات المدافعة عن الجماعة أمة أو شعبا أو ملة أو نحلة، أتت محاولة Emmanuel Mounier في بداية القرن العشرين لوضع أسس المدرسة الشخصاوية Personnalisme . ذلك في إطار محاولة إيجاد مخرج من مأزق المواجهة بين المدرستين المتناحرتين بالتوفيق بين قيمة الفرد وضرورة تفتّحه على المجموعة. “يتبيّن نجاح تبلور الشخص من الفرد في غرب القرنين الأخيرين، ليس فقط في الفعل السياسي وإنّما في المكانة المركزية التي أصبح يحتلّها داخل العلوم. فهو في” الفلسفة الكوجيتو الديكارتي” والذات المكونة للعالم في المدرسة المثالية. وهو في علم النفس الموضوع الأوحد بما هو مواقف وتصرّفات. وهو في علم الاجتماع جملة الوضعيات والأدوار ومنطلق ومركز العلاقات التي تشكّل المجتمع. وهو في القانون موضوع الحقوق والواجبات. وهو في السياسة المواطن والناخب. وهو في الاقتصاد المنتج والمستهلك .

نرى عبر كل هذه الأمثلة أن الشخص أصبح مركزيّا وفاعلا ولم يعد مجرّد خليّة طيّعة في نسيج أو رقم في مجموعة حسابية”(3).

لا نستغرب أن يواكب هذا الصراع النظري السياسي انطلاق نضال متفرع عنه من أجل حرمة جسدية لهذا الشخص الجديد لا زالت تنتظر الاعتراف بها بعيدا في إحدى منعرجات المستقبل. كما لا نستغرب أن لا ترجع أهمّ الكتابات المعروفة ضدّ التعذيب إلاّ لعصر التنوير أيّ لبداية القرن الثامن عشر. حيث يمكننا أن نتابع خطابا جديدا عند عالم الرياضيات والحقوقي الإيطالي فيري سيزار باكاريا Beccaria (1794 -1738) الذي ألّف كتابا ” عن الجرائم والعقوبات ” طرح فيه الأسئلة التالية: “هل يعد التعذيب وأدوات ذلك التعذيب عادلة وهل تصل إلى الغايات التي يريدها القانون؟ هل تعتبر العقوبات المتكررة في إطار ذلك التعذيب مفيدة؟ ما هو تأثير التعذيب وأدواته على العادات والقيم الاجتماعية؟ هذه هي المشاكل التي يجب حلها بدقة بحيث لا تنقض المجادلات السفسطائية أو التحليل المنمق الرد الحلول الضرورية” . شجب بكاريا في كتابه التعذيب وعقوبة الإعدام. وكان أوّل من روج لفكرة التربية كوسيلة لمحاربة الجريمة، وقد كان لآرائه دورا هامّا في إصلاح القانون الجنائي في العديد من البلدان الغربية منها الولايات المتحدة. في نفس السياق لعب رجل القانون الألماني Paul Feurbach (1833-1775)(وهو أب الفيلسوف المعروف) دورا هامّا في مملكة بافاريا حيث ساهم نضاله في سنّ أوّل قانون معروف ألغى التعذيب وصدر سنة 1813.

من المعروف أن Voltaire أبدع في إدانة الظاّهرة والتهكّم عليها في دفاعه الشهير عن رجل اسمه Callas عّرض للتعذيب وأعدم سنة 1762 بعد أن أتهم ظلما بقتل ابنه البروتستانتي لنيّته اعتناق الكاثوليكية.

يعلق الصديق منصف المرزوقي على صرخة فولتير بالقول: “الثابت أن إدانة Voltaireجاءت متقدّمة على عصرها ورغم أنّها لم تكن صرخة في واد فإن التعذيب تواصل بل وتكثّف بعد انطلاق الثورة الفرنسي، رغم أنّ هذه الأخيرة كانت تقدّما ملحوظا في عملية إنضاج الشخص من رحم الفرد. هذه العمليّة القيصريّة البالغة الطول والصعوبة والهشاشة. إنّ المهمّ في هذه المعارك الفكريّة هو وجودها نفسه. ذلك أنّها تفضح تمرّدا متصاعدا ضدّ ما بدا طوال التاريخ أمرا بديهيا، أيّ دونية الفرد. كما تبرز تواصل التحرّر السياسي المتواصل للإنسان الغربي ونضاله من أجل حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. معنى هذا أنّ الحركة الاجتماعية في الغرب تطوّرت في نسق تزامن فيه التحرّر الديمقراطي مع بلورة الشخص كقيمة لا تقلّ عن قيمة المجموعة وتزامن فيه تبلور الشخص كقيمة لا تقل عن قيمة المجموعة مع التحرّر الديمقراطي.

لقد مهد الاعتراف بأنّ الفرد أكثر من مجرّد رقم في معادلة وأنّ له ذات وكرامة أصيلة فيه وحقوق تفرضها هذه الكرامة لاعتبار سلامة النفس والجسد حقا أساسيا من حقوقه.

التعذيب والقانون الدولي
لا شكّ أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو الذي لعب الدّور الأكبر في وضع النقاط على الحروف ولو بصفة طوباوية. فأهمّ كلمة فيه ليست الحقوق ولا حتّى الإنسان، وإنّما هي التركيز المتواصل الذي يفتتح كلّ فقرة أي: ” لكلّ شخص”، أي تحقيق النقلة الحقوقية من الفرد إلى الشخص. والمعنى الأكبر له هو الانتقال من البلد والقارة إلى البشر جميعا. وكالوصايا العشرة ثبتت المادة الخامسة الموقف من هذه الجريمة: “لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو المحطة بالكرامة.”

لم يتوقف البشر عند إعلان المبادئ هذا، بل نجحت المجتمعات المدنية على الصعيد العالمي والأمم المتحدة في التأكيد على أن عالمية التعذيب تستلزم عالمية تحريمه وتجريمه. ذلك بجعل الاعتراف بحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة المشينة أو اللا إنسانية قاعدة في القانون الدولي العرفي. وصيرورة الاعتراف بحظر التعذيب معيار قطعي في القانون الدولي العام ملزم لجميع الدول، سواء كانت طرفاً في المعاهدات التي تتضمن الحظر أم لا.

يشكل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المعاهدة الدولية الأبرز حول الحقوق المدنية والسياسية. وهو ملزم للدول الأطراف التي فاق عددها 148 دولة، منها الولايات المتحدة وبريطانيا والعراق. تنص المادة السابعة منه على أنه:
“لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر.” كذلك تتضمن المواد الأخرى الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تتعلق بالقضاء على التعذيب، المادة الثانية الخاصة بواجب احترام حقوق الإنسان وضمانها، والمادة السادسة الخاصة بالحق في الحياة، والمادة التاسعة بشأن الحق في حرية الشخص وأمنه، والمادة العاشرة المتعلقة بحق الأشخاص المحرومين من حريتهم في أن يُعاملوا بإنسانية واحترام لكرامتهم الإنسانية، والمادة الرابعة عشرة المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة.

إلا أن أهم ما يتعلق بجريمة التعذيب في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان نجده في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب). فهي ملزمة للدول الأطراف وقد وقعتها استراليا وإسبانيا وبريطانيا، كما وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر 1994. تنص المادة الثانية في هذه الاتفاقية على ما يلي:

    • “1- تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.
    • 2- لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، سواء كانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب.
    • 3- لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب.”
    هذه المادة تؤكد أن جريمة التعذيب غير قابلة للمساس أو التصرف من قبل أي حاكم أو إداري في أي زمان ومكان. وأن فعالية الإجراءات القضائية والإدارية جزء لا يتجزأ من احترام الاتفاقية.

هذه المادة تتعزز بمادة أخرى تدخل جريمة التعذيب في حيز الاختصاص القضائي العالمي Universal Jurisdiction. إنها المادة الثامنة التي تسمح لأي قضاء في دولة وقعت على اتفاقية مناهضة التعذيب بقبول دعاوى ضد من ارتكب هذه الجريمة أثناء وجوده على أراضي هذه الدولة. بتعبير آخر، يمكن لضحية تعذيب من العراق أن يقيم دعوى قضائية على وزير الدفاع الأمريكي أثناء زيارته لبلد أوربي باعتباره المسؤول مباشرة عن القوات المسلحة الأمريكية التي ارتكبت جريمة التعذيب بشكل منهجي ومنظم في العراق. جاء في هذه المادة:

    • “1- تعتبر الجرائم المشار إليها في المادة 4 جرائم قابلة لتسليم مرتكبيها في أية معاهدة لتسليم المجرمين تكون قائمة بين الدول الأطراف. وتتعهد الدول الأطراف بإدراج هذه الجرائم كجرائم قابلة لتسليم مرتكبيها في كل معاهدة تسليم تبرم بينها.
    • 2- إذا تسلمت دولة طرف طلبا للتسليم من دولة لا تربطها بها معاهدة لتسليم المجرمين، وكانت الدولة الأولى تجعل التسليم مشروطا بوجود معاهدة لتسليم المجرمين، يجوز لهذه الدولة اعتبار هذه الاتفاقية أساسا قانونيا للتسليم فيما يختص بمثل هذه الجرائم. ويخضع التسليم للشروط الأخرى المنصوص عليها في قانون الدولة التي يقدم إليها طلب التسليم.
    • 3- تعترف الدول الأطراف التي لا تجعل التسليم مرهونا بوجود معاهدة بأن هذه الجرائم قابلة لتسليم مرتكبيها فيما بينها طبقا للشروط المنصوص عليها في قانون الدولة التي يقدم إليها طلب التسليم.
    • 4- وتتم معاملة هذه الجرائم لأغراض التسليم بين الدول الأطراف، كما لو أنها اقترفت لا في المكان الذي حدثت فيه فحسب، بل أيضا في أراضي الدول المطالبة بإقامة ولايتها القضائية طبقا للفقرة أ من المادة 5.”.
    • هذه الاتفاقية، تحدد بشكل متقدم سلسلة من التدابير المتعلقة بمنع التعذيب والتحقيق فيه وتقديم المسؤولين عن ارتكابه إلى العدالة سواء محلياً أو عبر الحدود، وتقديم تعويضات إلى الضحايا. وتنطبق بعض بنودها على كل من التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة. بينما لا تنطبق بنود أخرى، مثل تلك التي تشير إلى التجريم والمقاضاة وممارسة الاختصاص القضائي العالمي، إلا على التعذيب فقط.

إضافة إلى هذه الترسانة الحقوقية، يحظَّر التعذيب وسوء المعاملة بموجب المعاهدات الإقليمية العامة الأربع لحقوق الإنسان المعتمدة حتى اليوم – الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (المادة 5)، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (المادة 5)، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (المادة 3)، والميثاق العربي لحقوق الإنسان (المادة 13). وتجدر الإشارة لوجود معاهدتين إقليميتين تتعلقان تحديداً بالتعذيب:

” اتفاقية الدول الأمريكية لمنع التعذيب والمعاقبة عليه وتنص على الولاية القضائية الشاملة على التعذيب بين الدول الأطراف في منطقة الأمريكتين وتحدد التدابير الأخرى المتعلقة بمنعه والتحقيق فيه وتقديم المسؤولين عن ارتكابه إلى العدالة ومنح تعويضات إلى الضحايا وقد وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية. ” الاتفاقية الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة (الاتفاقية الأوروبية لمنع التعذيب) وتنص على تشكيل لجنة (اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب) مخولة بزيارة الأماكن التي يُجرد فيها الأشخاص من حريتهم في الدول الأطراف، البالغ عددها 44 دولة. وبموجب البروتوكول الأول الملحق بالاتفاقية، هناك إمكانية لدعوة دول غير أعضاء في مجلس أوروبا لتصبح أطرافاً.

ظروف الحرب والقانون الإنساني الدولي
لو خرجنا من ظروف السلم الأهلي لوجدنا أن حظَّر التعذيب وسوء المعاملة في جميع الظروف بموجب القانون الإنساني الدولي. وهو المجموعة التي تؤلف القانون الدولي الذي ينظم سلوك أطراف النـزاعات المسلحة: تحظر اتفاقيات جنيف الأربع، المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 في المادة الثالثة المشتركة، الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية وبخاصة القتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب والاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة. وتطالب المادة 13 من اتفاقية جنيف الثالثة “بحماية الأسرى في جميع الأوقات وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد وضد السباب وفضول الجماهير وتحظر تدابير الاقتصاص من أسرى الحرب”. وتنص المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة على تعهد الأطراف السامية باتخاذ إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف مخالفات جسيمة للاتفاقية. وتعتبر المادة 147 من الاتفاقية عينها القتل العمد والتعذيب أو المعاملة اللا إنسانية أو تعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة أو إجراء تجارب خاصة أو النفي وتدمير واغتصاب الممتلكات مخالفات جسيمة.

يوسع البروتوكولان الإضافيان الملحقان باتفاقيات جنيف واللذان اعتُمدا في العام 1977، قائمة الأفعال المحظورة المحددة. يوسع البروتوكول الإضافي الأول (الذي صدقت عليه الولايات المتحدة)، الذي يتعلق بالنـزاعات المسلحة الدولية، قائمة الانتهاكات الجسيمة (المادتان 11 و85). ويؤكد من جديد حظر “الاعتداء على الحياة والصحة أو السلامة البدنية أو العقلية للأشخاص”، وبوجه خاص “التعذيب بجميع أنواعه، سواء أكان بدنياً أم عقلياً”، والعقوبة الجسدية والتشويه و”الدعارة القسرية وأي شكل من أشكال الاعتداء الفاحش” (هتك العرض) الذي يُرتكب ضد “أشخاص خاضعين لسيطرة أحد أطراف النـزاع (المادة 75). كما يقتضي حماية النساء من الاغتصاب والدعارة القسرية وأي شكل آخر من أشكال هتك العرض (المادة 76) وحماية الأطفال من هتك العرض (المادة 77).

يحظر البروتوكول الثاني الإضافي، المتعلق بالنـزاعات المسلحة غير الدولية، “الاعتداء على الحياة والصحة أو السلامة البدنية أو العقلية للأشخاص، وبخاصة القتل، فضلاً عن المعاملة القاسية مثل التعذيب أو التشويه أو أي شكل آخر من أشكال العقوبة الجسدية” و”الاغتصاب والدعارة القسرية وأي شكل من أشكال هتك العرض” المرتكبة ضد “أشخاص لا يشاركون بصورة مباشرة أو أنهم توقفوا عن المشاركة في الأعمال العدائية، سواء قيدت حريتهم أم لا” (المادة 4). كما تحدد اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية (المادة الرابعة) ضمانات ومعايير خاصة بالاعتقال، وإجراءات لحماية النساء والأطفال، يشبه العديد منها تلك الواردة في المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

الالتزامات المحددة في اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين ملزمة للدول الأطراف في هذه الصكوك. وجميع الدول هي فعلياً أطراف في اتفاقيات جنيف، كما أن معظمها أطراف في البروتوكولين الإضافيين. علاوة على ذلك، ليست الدول وحدها بل الأطراف الأخرى أيضاً في النـزاع المسلح ملزمة بتطبيق أحكام المادة الثالثة المشتركة، وحيث ينطبق ذلك، أحكام البروتوكول الثاني الإضافي.

قضت محكمة العدل الدولية أنه بموجب “المبادئ العامة الأساسية للقانون الإنساني الدولي”، تشكل القواعد المثبتة في المادة الثالثة المشتركة “المقياس الأدنى” الذي ينطبق على النـزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية. ووفقاً لهذه القاعدة، يشكل التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة المحظورة بموجب المادة 3، إذا مورس في أي نزاع مسلح، انتهاكاً للقانون الدولي العام. وتنطبق قواعد القانون الدولي العام على جميع الدول، سواء كانت أطرافاً في معاهدة تتضمن القاعدة صراحة أم لا.

في 1998، أقر القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بجريمة التعذيب في نطاق تعريفه لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فقد نصت المادة الثامنة على التعذيب وتعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية والاعتداء على الكرامة الشخصية والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة باعتبارها جرائم حرب. وجاء في تعريف الجرائم ضد الإنسانية، أي هجوم واسع النطاق أو منهجي يتضمن أفعالا كالتعذيب والاغتصاب والدعارة القسرية والحمل القسري والأفعال اللاإنسانية ذات الطبيعة المشابهة التي تتعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة العقلية أو البدنية.

لقد نوهنا في كتابنا (الولايات المتحدة وحقوق الإنسان) قبل عام ونيف إلى الإجراءات الاحتياطية التي اتخذها البيت الأبيض لوضع القوات المسلحة الأمريكية فوق المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية. خاصة وأن الإدارة الأمريكية لا تكتفي بعدم التصديق على نظامها الأساسي بل تقيم نظاما ثنائية موازيا لتهميشها وضربها. إلا أن مساءلة القوات البريطانية والأسترالية ممكنة، خاصة وأن هناك جرائم جسيمة قامت بها القوات البريطانية التي مارست التعذيب بشكل منهجي أيضا. وتقوم اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العدالة العالمية ونقابة المحامين في أثينا بإعداد ملفات في هذا الشأن.

هيئات المتابعة ودورها
هناك ثلاث هيئات وآليات خاصة بالمعاهدات تتسم بأهمية خاصة في مكافحة التعذيب :
” لجنة مناهضة التعذيب، هي اللجنة التي شُكِّلت بموجب المادة 17 من اتفاقية مناهضة التعذيب. تضم 10 خبراء أفراد يتم انتخابهم في اجتماع تعقده الدول الأطراف كل سنتين. وبموجب المادة 19 من الاتفاقية، يُطلب من الدول الأطراف تقديم تقارير حول “الإجراءات التي اتخذتها للوفاء بالتعهدات التي قدمتها بموجب هذه الاتفاقية”. يجب تقديم تقرير أولي خلال سنة واحدة من دخول الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة للدولة المعنية، على أن تعقبها تقارير دولية مكملة كل أربع سنوات. ويُكرَّس قسم كبير من الوقت في الدورات المنتظمة التي تعقدها اللجنة لدراسة هذه التقارير، بحضور ممثلي الحكومات المعنية. ثم بعد الاستماع إلى ممثلي الحكومة وطرح أسئلة عليهم، تُعد اللجنة خلاصاتها وتوصياتها التي تتضمن تقييمها لأوضاع التعذيب وإساءة المعاملة في الدولة وأية توصيات تقدمها لتحسينها. تستطيع لجنة مناهضة التعذيب الاستماع إلى شكاوى ضد دولة طرف من دولة طرف مقدمة أخرى أو من شخص خاضع لولايتها القضائية. إذا كانت الدولة أو الدول المعنية قد أصدرت إعلانات بموجب المادتين 21 و22 على التوالي، تقبل بموجبهما أهلية اللجنة للقيام بذلك. كذلك هناك إجراء خاص بالتحقيق بموجب المادة 20 من الاتفاقية يجيز للجنة النظر بمبادرة منها في مزاعم “الممارسة المنهجية” للتعذيب في دولة طرف. كذلك إمكانية زيارة الدولة، إلا إذا أعلنت تلك الدولة رسمياً في سياق انضمامها إلى عضوية الاتفاقية بأنها لن تعترف بأهلية اللجنة للقيام بذلك.

” المقرر الخاص المعني بالتعذيب هو خبير فردي (حاليا هو السيد ثيودور فان بوفن) يرفع سنوياً تقارير إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. وعلى عكس لجنة مناهضة التعذيب، الذي يقتصر عملها على الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب، يمكن للمقرر الخاص أن يخاطب حكومة أية دولة عضو في الأمم المتحدة أو تتمتع بصفة مراقب فيها. ويرسل المقرر الخاص مناشدات عاجلة إلى الحكومات تتعلق بأفراد يخشى من تعرضهم للتعذيب أو لخطر التعذيب، ورسائل أخرى إلى الحكومات ينقل فيها مزاعم التعذيب أو تتعلق بالإجراءات اللازمة لمنع وقوعه. كما يقوم المقرر الخاص بزيارات إلى الدول بموافقة الحكومات المعنية ويقدم توصيات تفصيلية تستند إلى النتائج التي توصل إليها في تلك الزيارات.

” اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة (اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب) هي لجنة شُكِّلت بموجب المادة الأولى من الاتفاقية الأوروبية لمنع التعذيب لزيارة الأماكن التي يُحرم فيها الأشخاص من حريتهم بغية تعزيز حماية هؤلاء الأشخاص من التعذيب وسوء المعاملة، حيث تدعو الضرورة. وتضم عضواً خبيراً من كل دولة طرف في الاتفاقية.

تقوم اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب بزيارات دورية مقررة إلى كل دولة طرف في الاتفاقية، فضلاً عن زيارات مخصصة لأغراض خاصة (غير مقررة). وبعد الزيارة تنقل اللجنة النتائج التي توصلت إليها إلى الدولة التي ينبغي عليها الرد خلال فترة زمنية محددة. تحاط التقارير بالسرية، لكن عملياً، توافق معظم الدول على نشرها في نهاية المطاف. تُعقد اجتماعات اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب خلف أبواب موصدة، لكن تقاريرها العامة السنوية تنشر على الملأ. هناك أيضاً لجنة تتسم بأهمية خاصة، هي لجنة حقوق الإنسان المؤلفة من خبراء والتي أُنشئت بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. مهمتها الرئيسية مراقبة تنفيذ العهد المذكور على أساس تقارير دورية تقدمها الدول الأطراف. والدولة الطرف في العهد التي تصبح أيضاً طرفاً في البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد، تعترف باختصاص اللجنة في النظر في الشكاوى التي يقدمها أفراد يزعمون أنهم كانوا ضحية لانتهاك ارتكبته الدولة لأي من الحقوق الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك حظر التعذيب والمعاملة السيئة بموجب المادة 7.

كما يمكن للهيئات التي أُنشئت بموجب المعاهدات الإقليمية لحقوق الإنسان أن تنظر في مزاعم التعذيب – اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ومحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ويمكن لهذه الهيئات أن تنظر في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان الواردة في الاتفاقيات ذات الصلة. وقد أصدرت محكمة الدول الأمريكية والمحكمة الأوروبية أحكاماً مهمة في قضايا تتعلق بممارسة التعذيب وسوء المعاملة.

من الهيئات الأخرى لحقوق الإنسان، التي يجوز لها أن تتعامل مع ممارسات التعذيب وسوء المعاملة في إطار عملها، لجنة حقوق الطفل التي أُنشئت بموجب اتفاقية حقوق الطفل. ولجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، التي أُنشئت بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. ولجنة القضاء على التمييز العنصري التي أنشئت بموجب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. وشأنها شأن لجنة حقوق الإنسان ولجنة مناهضة التعذيب، تنظر هذه اللجان الثلاث في التقارير الدورية التي تقدمها الدول الأطراف حول الإجراءات التي اعتمدتها لوضع أحكام المعاهدات المعنية موضع التنفيذ. تشكل لجنة القضاء على التمييز العنصري إجراءً لتقديم الشكاوى الفردية، أسوة بلجنة القضاء على التمييز ضد المرأة بموجب البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. كذلك هناك المقرر الخاص المعني بالعنف ضد المرأة وأسبابه ونتائجه (المقرر الخاص المعني بالعنف ضد المرأة)، ومقرر خاص معني بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتعلق بها من تعصب، ومجموعة عاملة معنية بالاعتقال التعسفي. تقدم جميعها تقارير سنوية إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

آليات المحاسبة وسقفها
حتى اليوم، كانت القاعدة الأساسية في جرائم التعذيب الإفلات من العقاب. ولا يتوقف الأمر على القصور القانوني أو هزالة المؤسسة القضائية بل أيضا عدم تأصيل تقليد ضروري يقوم على ملاحقة الضحية للجلاد في الثقافات البشرية. يمكن للإفلات من العقاب أن يتجلى في أية مرحلة من المراحل: أي عندما لا يُفتح تحقيق في الجرائم أو يكون التحقيق غير وافٍ؛ عندما يعتمد التحقيق على سرية الإجراءات وحصرها بالهيئة المسؤولة عن التعذيب؛ أو عندما لا يقدم المجرمون المشتبه بهم إلى محاكمة بإجراءات عادلة؛ أو عندما لا تتم مقاضاتهم على نحو فعال؛ أو عندما لا يتم التوصل إلى إصدار حكم أو إدانتهم رغم وجود أدلة مقنعة ينبغي أن تكون كافية لإثبات جرمهم بصورة لا محل فيها لشك معقول؛ أو عندما لا يصدر حكم على من تمت إدانتهم، أو يحكم عليهم بأحكام تبعث على السخرية ولا تناسب بينها بأية صورة من الصور وبين جسامة جرائمهم؛ أو عندما لا توضع الأحكام موضع التنفيذ؛ أو عندما لا يُضمن للضحايا وأسرهم الحصول على التعويض المرضي.

قبل بناء أسس المنظومة القضائية الدولية المعاصرة لحماية الأشخاص وحرياتهم وحقوقهم في السلم والحرب (أي من عام 1948إلى عام 1998)، فشل الحلفاء في جعل محكمتي نورنبرغ وطوكيو مثلا لمحاكمة عادلة لجرائم الحرب. لذا كانت هاتان المحكمتان استثنائيتان وعسكريتان. وللأسف، رغم قيام محكمتين محدودتين بالزمان والموضوع ad hoc (رواندا ويوغسلافيا السابقة)، تسعى الولايات المتحدة لمحاكمة صدام حسين أمام محكمة قامت بفبركتها من الألف إلى الياء لإعلاء شأن المثل اللاتيني المعروف (البؤس للخاسر) وإذلال العدالة العالمية. في حين أنها، وفي كل ما يتعلق بجرائم القتل العشوائي التي ارتكبتها واستعمال الأسلحة الممنوعة والتعذيب والمعاملة السيئة وهدم البيوت وأخذ الرهائن، تضع نفسها فوق الحساب والعقاب.

على سبيل المثال لا الحصر، وبعد احتجاجات وصرخات كثيرة، أصدرت الإدارة الأمريكية قرارا بالتعويض على كل قتل يحدث بطريق الخطأ بدفع مبلغ قدره 2500 دولار لذويه. من مآسي الأقدار أن هذا القرار صدر في زمن عوض فيه لكل ضحية من ضحايا لوكربي بعشرة ملايين دولار. هل هذا هو التناسب المنطقي بين الخطأ الأمريكي والخطأ الليبي؟ هل هو فارق الثمن بين الإنسان الأبيض والإنسان الأسمر؟ يذّكر نشطاء حقوق الإنسان في العراق بأن على المتضرر أن يسلك طريقا طويلا من الإجراءات محفوفا بالصعوبات والمعوقات كي يحصل على هذا التعويض. ومن يحصل عليه تجبره سلطات الاحتلال على توقيع وثيقة بإغلاق القضية والتنازل عن أي حقوق أخرى، علما بأن عددا قليلا من العراقيين تقبل شكاواهم. ينبثق الإفلات من العقاب عن القوانين والمراسيم أو التدابير الرسمية الأخرى التي تقضي بأنه لا يجوز لمسؤولين بعينهم أو فئة ما من الموظفين أو مسئولين مكلفين بواجبات معينة أن يقدموا للعدالة. بعض هذه القوانين يقطع الطريق على المقاضاة: وتشمل قوانين الأمان والحصانة والعفو العديدة السارية المفعول في بلدان مختلفة. كثيراً ما يتم إصدار مثل هذه القوانين في حالات الطوارئ أو ظروف الاحتلال التي تدعي الحكومات أثناءها بأن القانون والنظام مهددان على نحو خاص. فتربط القضاء بالمحاكم العسكرية أو الاستثنائية أو الحاكم التنفيذي. نأخذ على سبيل المثال لا الحصر الأمر رقم 7 الصادر عن بول بريمر في التاسع من يونيو (حزيران) الذي يربط أهم بنود القانون الجنائي بشخص الحاكم المدني، فينص على أنه “لا يجوز إقامة دعاوى ضد مرتكبي الجنايات التالية إلا بإذن خطي من المدير الإداري للسلطة الائتلافية المؤقتة:

    • – الجنايات المتعلقة بالجرائم ضد الأمن الخارجي للدولة
    • – الجنايات المتعلقة بالجرائم ضد الأمن الداخلي للدولة
    • – الجنايات المتعلقة بالجرائم ضد السلطات العامة
    • – الجنايات المتعلقة بالجرائم ضد جرائم الإساءة إلى مسؤول حكومي.”.

بالطبع، يتضح لنا خفة ادّعاء استدعاء السيد مقتدى الصدر من قبل قاض عراقي ونحن نقرأ هذا الأمر الذي لا يسمح بهذا الاستدعاء دون إذن خطي من بريمر.
تشمل المصادر الأخرى للإفلات من العقاب عدم كفاية الإطار القانوني. فالتعذيب والجرائم الأخرى المشمولة بالقانون الدولي كثيراً ما لا تُعرَّف على أنها جرائم بموجب القانون المؤقت الذي يفرض من طرف واحد. مثال ذلك التعليمات العسكرية الأمريكية التي سبقت حرب أفغانستان وعرّفت جرائم الحرب من منظار وزارة الدفاع الأمريكية أو إجراءات الإدارة الأمريكية بحق معتقلي غوانتانامو باعتبارهم خارج التعريف والتصنيف. وكثيراً ما تُحذف مبادئ المسؤولية الجنائية الفردية، مثل مسؤولية القادة وذوي الرتب الأعلى عن التابعين لهم. أو يتم تعريفها بطريقة لا تتماشى مع أحكام القانون الدولي، سامحة بذلك للأشخاص المسؤولين بالإفلات من يد العدالة. يشكل التذرع بأعذار من قبيل طاعة المنفذين للأشخاص المسئولين وسيلة من وسائل من العقاب. كما يعترض عدم توقيع الدول على البروتوكول الذي يمنع زوال الجرائم الجسيمة بالتقادم سبيل تقديم مرتكبي التعذيب للمحاكمة بعد مرور عدد معين من السنين. وقد لا تتضمن الولاية القضائية للمحاكم، الموجودة في الأماكن التي يعثر فيها على الأشخاص المشتبه بممارستهم التعذيب، أحكاماً تسمح بالاختصاص القضائي العالمي حيال جرائم ارتكبت في بلدان أخرى. كما يمكن أن لا تتوفر الآليات القانونية لتسليم هؤلاء المشبوهين المطلوبين إلى أماكن تسعى إلى التحقيق في جرائمهم ومقاضاتهم. وكثيراً ما يتعذر وجود آليات فعالة تتيح للضحايا أو عائلاتهم أن يعوضوا عما لحق بهم من تعذيب، سواء كان ذلك تعويضات مالية أم إعادة تأهيل أم طمأنينة نفسية أم ضمانات بعدم تكرار ما حدث.

لا يمكن اجتثاث التعذيب في ظل غياب المحاسبة. المقاضاة الناجحة هي أكثر الإشارات وضوحاً على أنه ثمة سياسة رسمية ترفض التساهل مع التعذيب. وهي تسهم في إعادة تأهيل الضحايا بمنحهم الشعور بإمكانية إقامة العدل. إنها تساعد في بناء مناخ أخلاقي عام يعزز قيم حقوق الإنسان عبر التأكيد على أنه يتعين أن لا تمر انتهاكات حقوق الناس دون عقاب. ويمكن للإدانة أو الخلوص إلى مسؤولية الدولة أن يوفر الأساس للتعويض المالي وسواه من أشكال الإنصاف. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوصل إلى معطيات رسمية بمسؤولية الدولة يمكن أن يقود إلى إصلاحات ذات مغزى.

أحد أوجه التقدم ذات الأهمية المتميزة التي تحققت مؤخراً في مجال حقوق الإنسان كان صياغة آليات للتغلب على الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب. وبين الأحداث الأكثر أهمية في هذا الصدد:

  • بدء سريان مفعول اتفاقية مناهضة التعذيب، التي أنشئ بموجبها نظام لممارسة الاختصاص القضائي العالمي على التعذيب؛
  • ما صدر مؤخراً عن محاكم إقليمية لحقوق الإنسان من أحكام وما اتخذته لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من قرارات تثبت مسؤولية الدولة عن التعذيب وسواه من ضروب إساءة المعاملة في القضايا الفردية؛
  • إيجاد محاكم دولية خاصة ذات صلاحيات لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة في يوغوسلافيا السابقة ورواندا، وتفعيل هذه المحاكم؛
  • بدء سريان مفعول القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقيام محكمة دولية دائمة لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية (بانتظار تثبيت تعريف لجريمة العدوان)؛
  • مباشرة عدة بلدان إجراءات قانونية ضد مسئولين عن التعذيب من خارج حدودها بالاستناد إلى مبدأ الاختصاص القضائي العالمي.

إن القرارات التي أصدرتها لجنة حقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب، ومحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا فردية قد أسهمت أيضاً في تعزيز المعايير. كذلك على المستوى الوطني، سهَّل تشديد القوانين عملية البدء بمقاضاة مرتكبي التعذيب.

لقد أعلنت لجنة حقوق الإنسان أن ما يصدر من قرارات بالعفو “لا يتساوق بشكل عام” مع واجب الدول في أن تحقق في أفعال التعذيب؛ و “في أن تكفل الحرية من مثل هذه الأفعال في نطاق ولايتها القضائية؛ وفي أن تضمن عدم تكرار حدوثها في المستقبل”. وأعربت لجنة مناهضة التعذيب عن بواعث قلقها بشأن استخدام قوانين العفو التي يمكن أن تمتد لتشمل جريمة التعذيب، وأوصت بأن “تستثني مثل هذه القوانين التعذيب من نطاق حاكميتها”. عارضت منظمة العفو الدولية واللجنة العربية لحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية الهامة بثبات إعلانات العفو وقرارات الصفح وما يماثلها من تدابير للإفلات من العقاب عن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان.

لقد جرى التأكيد على أهمية التغلب على الإفلات من العقاب في قرارات متكررة للأمم المتحدة شددت فيها على أنه “يتوجب تحميل من يشجعون على أفعال التعذيب أو يأمرون بها أو يتساهلون بشأنها أو يرتكبونها المسؤولية ومعاقبتهم بشدة”. والتدابير الرئيسية التي يتوجب على الدول اتخاذها للتغلب على الإفلات من العقاب هي تحريم التعذيب بمقتضى القانون؛ وضمان التحقيق الفعال في جميع الشكاوى والتقارير المتعلقة بالتعذيب؛ وتقديم الأشخاص المسؤولين عنه إلى العدالة؛ والتعويض على الضحايا. تشكل جميع هذه التدابير التزامات بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. ووفقاً لجميع المعاهدات الدولية الأخرى، وبموجب القانون الدولي العام، ينبغي اعتبارها ملزمة لجميع الدول. إن التحدي الأكبر والبعيد الأثر، لا يكمن في القرار السياسي الهزيل للإدارة الأمريكية تجاه الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال، وإنما في موقف السلطة القضائية الأمريكية من دعاوى قضائية يقيمها ضحايا التعذيب من العراق أمام المحاكم الأمريكية. فالعمر الزمني للإدارة الحالية قد لا يتجاوز الأشهر. أما تواطؤ القضاء الأمريكي مع مرتكبي جرائم التعذيب، فيعني أن الدولة الأقوى في العالم اليوم مصابة في نخاعها الشوكي وأن القانون الدولي والاختصاص القضائي العالمي سيتقدمان بدون القوة الكونية الأولى، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج سياسية واجتماعية وثقافية.

في الثامن من حزيران (يونيو) 2003، أثناء تواجدي في بغداد، صدرت المذكرة رقم 2 عن سلطة الائتلاف المؤقتة بعنوان (إدارة السجون ومرافق احتجاز السجناء). هذه المذكرة تتبنى ما يعرف في اللغة الحقوقية أهم معالم “القواعد الدنيا لمعاملة السجناء”. وقد طلب مني الناطق باسم الحاكم المدني قراءة هذا النص لكي يطمئن قلبي لأوضاع السجناء الذين سألته عنهم. من المفترض، أن نص هذه المذكرة بالإنجليزية قد وزع على مسئولي السجون قبل أن يوزع على الصحافة ونشطاء حقوق الإنسان. كنا يومها نسمع بفظائع سوء المعاملة في المطار ولم تكن قائمة المعتقلين “كتهديدات فورية للأمن وتحت بنود اتفاقية جنيف الرابعة” التي تقدمها قوات الاحتلال قد بلغت 10390 معتقلا العدد الأكبر منهم في سجن أبو غريب.

اليوم أطرح السؤال بكل جدية: هل قرأ قادة قوات الاحتلال هذه المذكرة؟ وهل عمموها على قواتهم؟ أم أنها جزء من عملية التجميل الضرورية لما يسميه البعض “حركة تحرير العراق”؟
باريس في 9/5/2004
—————————
هيثم مناع : مفكر عربي
الملاحظات:

1) أنظر هيثم مناع، حقوق الإنسان في الثقافة العربية الإسلامية، القاهرة، 1995، ص39.
2) محمد طارية، عباس عروة، يوسف بجاري، تاريخ التعذيب وأصول تحريمه في الإسلام، الراية للتنمية الفكرية واللجنة العربية لحقوق الإنسان،جدة-بيروت-دمشق، 2003، ص26
3) منصف المرزوقي في العمل الجماعي، سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي في القرن العشرين، باريس والقاهرة، اللجنة العربية لحقوق الإنسان، 1998، ص. 35.
4) أنظر للتوسع : منظمة العفو الدولية، مكافحة التعذيب، دليل التحركات. أيضا: الجزء الثاني من موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، حدود الحماية الدولية لحقوق الإنسان.