December 05, 2020

العنف في زمن العولمة قراءة لظاهرة تفجير الذات في الآخر

كأي حدث جلل من شأنه أن يقطع روتين الحياة اليومية الرتيبة في الغرب، جاءت تفجيرات لندن لتعيدviolence طرح الأسئلة الهامة حول العنف والإرهاب في المجتمع البشري المعاصر. فما يسمى بالإرهاب ليس فقط مركز اهتمام وقلق بالنسبة للرأي العام في أوربة وأمريكا الشمالية، وإنما أيضا لدى السلطات العامة المختصة فيها ومراكز البحث التي تنتجها أو تعتمد عليها. يمكن أن نجد مقالة تافهة في صحيفة عربية من نمط “قلنا لكم في الماضي امنعوهم واليوم نقول لكم اطردوهم”، لكن يصعب، حتى في ما يعرف بالصحافة الشعبية في بريطانيا، أن يتم تناول الموضوع بنفس الخفة والسطحية وقصر النظر. هناك ما يمكن تسميته بهاجس الأمن الجماعي، حتى لا نحجم القضية بتعبير “الأمن القومي”، والكلمة في وضع كهذا مسئولة ومسئولية.

في كتابهما المشترك “العقل والعنف” يقول كوبر ولانغ : “من أجل الضرورة والقابلية الذهنية للعقل الجدلي، لا مناص من ربطه بالتجربة في كل حالة، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بشكل جدلي(…). يبدو الجدل قوة إيحائية لأي مراقب من داخل المنظومة (السستام)”(1). تبدو هذه العلاقة بين العقل الجدلي والواقع، بين الرؤية من داخل منظومة فكرية أو من خارجها ضرورية جدا لاكتشاف البعد العالمي لأية ظاهرة وإمكانية متابعتها كاحتمال وارد خارج حدود الزمان والمكان النسبيين. والسؤال المطروح علينا باستمرار، ما هي الحدود بين الفطري والمكتسب، البيولوجي والمجتمعي، النفسي والحقوقي، الاعتقادي والسياسي، الاستمرارية والانقطاع، القديم والجديد في ظاهرة العنف والعدوانية؟ هل يمكن اعتبار تفجير “الدراغ ستور” في باريس 1974 و”مترو الأنفاق” في لندن 2005 عملين من طبيعة واحدة لأن كلاهما استهدف مدنيين عزل؟ هل يمكن قراءة العدوان والعنف في علم النفس والقانون بنفس الطريقة؟ وأخيرا هل يمكن الحديث عن تعبيرات مختلفة  للعنف والعدوانية نحن بصدد اكتشاف توسعها الأفقي مع ظاهرة العولمة؟ تحتاج هذه الأسئلة لتأملات جماعية وبحث عميق، ولا تدّعي هذه الأسطر امتلاك الإجابات بقدر ما تحاول أن تكون إسهاما في مواجهة البلادة الذهنية المتصاعدة في المجتمع المشهدي المعولم.

“يصعب علي الاعتقاد بوجود بشر في جنان سعيدة لا يعرفون العنف أو العدوانية”(2)، كتب سيغموند فرويد. وعند هذه الجملة ينتهي اجتماع المحللين النفسيين. فليس هناك اتفاق على تعريف العنف وكذلك الحال بالنسبة للعدوانية. لكن يمكن بالخطوط العامة جدا القول بأن هناك اتجاها كلاسيكيا يعبر عنه فيليب جياميه الذي يعتبر العنف بشكل أساسي “وظيفة لحماية الأنا”، فهو “يقوم بوظيفة تفريغ الشحنات الداخلية للأنا”(3). بهذا المعنى أو التعريف، العنف لا يحمل الحقد. في حين أن العدوانية، “حركة متعمدة لتحطيم الآخر الذي تم التعرف عليه باعتباره شيئا آخر. في العدوانية، وفق هذه المقاربة، نية مسبقة للإساءة إلى الآخر بشكل نوعي: تحطيمه، إيلامه، لخبطته، سرقة أو تحطيم  أشياء لها مكانة هامة عنده”(4). بروخ يعرّفها بالقول: “استعداد دائم لمهاجمة الآخرين، مع نية التحطيم، وبكل الأحوال، مع رد غير محسوب”(5).

هناك اتجاه آخر معاكس يلخصه عنوان كتاب أنطوني ستور: “العدوانية الضرورية”: حيث يعتبر جورج باستان Bastin العدوانية “تصرفا حيويا في غاية الإيجابية”. في حين ينضم هذا الاتجاه لتعريف جان ماري مولر للعنف باعتباره “ما يمكن أن يتعرض للكرامة الإنسانية. ما يأتي لتحطيم شخصية الآخر”. إدغار ولف المدافع عن هذه المقاربة يكمل قائلا: “يبدو لي العنف باعتباره درجة أعلى في العدوانية، درجة أكثر خطورة. وتحطيم الشخصية يمكن أن يتضمن اعتداءات جسدية وضغوط وإذلال نفسي”(6).

ليس بالإمكان اعتبار هذا النقاش حول العدوانية والعنف عالميا، بل يصعب إخراجه أحيانا من المؤسسة الثقافية الغربية وتقسيمها للمعارف والاختصاص، أي العثور عليه في باقي العلوم الاجتماعية والفلسفية والقانون. إذن النسبية ضرورية. ضرورية في التعريف، ضرورية في التحليل، وضرورية في الاستنتاجات. والسؤال الأساسي يبقى: ما هو العنف المقبول أو المفهوم في مجتمع أو منظومة قيم محددين، وما هو دور التبرير السياسي أو الإيديولوجي للعنف؟ وهل يمكن اعتبار حديث بعض المحللين النفسيين في السبعينات عن العقدة السادية-الروحانية (7) لوصف التطرف العنيف في مطلع السبعينات صالحا لوصف ما بعد 11 سبتمبر؟ هل يمكن الاكتفاء بفكرة تشابه الآليات رغم اختلاف المقومات الثقافية لتفسير متشابه لظاهرة العنف السياسي، مع أو بدون ثوب ديني؟ هل يمكن استعادة إشكالية “عنف المظلوم المستلب الهوية” عند فرانز فانون لشرح ظاهرة العنف في أوساط الجيل الثاني والثالث من أبناء المسلمين في أوربة؟ هؤلاء الذين ولدوا في مجتمع يعطيهم الحقوق الفردية الشكلية من جهة، ويصفعهم بسلوكه المدني الانتقائي والاصطفائي القادر على دفع المهمش والمنبوذ نحو رفض “المدنية”.

من الصعب الحديث عن العنف كظاهرة مجتمعية في غياب الأرض الحاضنة، قوة الدافع، ومنطق داخلي متماسك. الاستقصاء المنهجي يخلق الشرخ الضروري للانقسام عن المنظومة السائدة، لبناء لغة موازية مختلفة وضرورية للتعرف على الذات المبعدة، يضع فكرة الدور على الطاولة باعتبارها في حالة مواجهة مع السائد، أما المنطق الداخلي فينطلق، برأينا، من إعادة طرح الأحجية عينها: ليست المشكلة إن كان لوجودي معنى أو لا، المشكلة هي امتلاك رغبة ما للعيش في هذا المحيط الذي بعدائه لي جعل مني عدوا له. والذي بتحديده مسبقا لدوري ووضعي الاجتماعي ومستقبلي حرمني من أية فرصة للتعرف على الذات خارج المخطط المرسوم المعالم للانضمام له أو الرضوخ لقواعده. فأنا بالنسبة له، العنصر المضطر للعب دور القاصر، الأقلية، ليس بوصفها كذلك بنية أو عددا، بل مفهوم الأقلية الوظيفي القديم.

إذا كان تعويم العملة في الاقتصاد يحتمل أكثر من قراءة، فتعويم المفاهيم ذات التأثير المباشر على الحياة اليومية للبشر يترك بالضرورة ثغرات كبيرة يدفع ثمنها الأضعف في السوق والإعلام والثقافة والسياسة. وكما رأينا مع العنف والعدوانية، يصعب الحديث عن وضوح أكبر في جريمة العدوان وجريمة الإرهاب، كذلك الحال في مقومات البناء النفسي للإذلال وطبيعة التأقلم مع المجتمع المستقبِل. ينال هذا التعويم قمته مع عولمة الوجود المفاهيمي للبشر. أي الهم المتصاعد لإعطاء صفة العالمية لإعادة الهيكلة والخصخصة والصرف العائم وتخفيض مصروفات الدولة وإطلاق حرية فعل الأسواق باعتبارها المخلّص من الفقر والمرض والاستبداد والفساد.

ليس من السهل تنظيم آليات السيطرة على الصعيد العالمي في مرحلة أفول الحضارة الغربية. كان لصعود الحضارة الأوربية فضل إعادة بناء العالم المادي والذهني، الحقبة الأمريكية لا تحمل ميزات الانطلاقة وعلى تجاعيد وجهها بشاعات القرون الأربعة الماضية. من هنا سطحية علاقتها بالظواهر والمستجدات. وطغيان الوقت على التأمل باعتبار الأول عنصرا أساسيا لإمبراطورية ال Fast Food المنتصرة. بهذا المعنى، ليس أفضل من عولمة حالة الطوارئ وقوانين مكافحة الإرهاب وسيلة للدفاع عن صيرورة السلعة رب العولمة المعبود.

لا خلاف عند صنّاع القرار الإمبراطوري على أن العنف والعولمة صنوان، وإن كانت قضية معالجة النقد والكرامة والجمال والإيمان والطبيعة والإبداع باعتبارها سلعا لا تشغل بال الرئيس الأمريكي ومساعده البريطاني على الإطلاق، فإن قضية إدارة العنف على الصعيدين الداخلي والدولي تشكل بالتأكيد هما مركزيا عندهما.

هل يمكن لتأميم الحرية وطغيان السوق ومركزة إدارة العنف أن تترك للحضارة الغربية رونقها الأول؟ في نص متميز لجورج حنين، يعتبر الشاعر السريالي المصري أي اعتداء على الحرية إنتاج للشبه والظل وابتعاد عن الغرض الأساسي لها كمشروع وحنين. إلغاء العفوية (بالقوانين والإجراءات الاستثنائية) يحول العلاقة مع الحرية إلى مدنس يدفعنا لقلب الصفحة ضد ذاتنا هذه المرة، وفق قواعد تم تحديدها على مستويات عالية.(8).

سأحاول التوقف عند العنف باعتباره القاسم المشترك الأعظم في كمون كل نفس بشرية، العنف بتعريف منظمة الصحة العالمية. أي “الاستعمال المتعمد للقوة المادية أو السلطة في شكل تهديد أو ممارسة فعلية، ضد الذات، أو شخص آخر أو جماعة أو جالية لما يهدف أو ثمة احتمال كبير لأن يكون سببا في جرح أو قتل أو التسبب بخسائر مادية أو اضطراب في التنمية أو نقص”. أو كما تعبر باختصار فرانسواز هيريتييه: “كل إكراه من طبيعة نفسية أو جسدية”.. إكراه يستفيق  كشكل من أشكال الدفاع عن الأنا ووسيلة قصوى للتعبير عن الذات. كون الحدود المقبول بها مجتمعيا تصبح جد واهية عند تصدع البنيان النفسي للأفراد والجماعات لأسباب متعددة تبدأ في مراحل الطفولة الأولى وقد لا تنتهي إلا في حلقة مغلقة لتدمير الذات والآخر، للتحول من حالة الشعور الذاتي بالذل إلى حالة تقاسم اللحم والدم في الموت كوسيلة وحيدة لتقاسم العالم (لم تقبل المساواة معي في الحياة، ستقبلها مكرها في الموت). أليس العصيان، كما يقول مصطفى خياطي، هو دائما “فعل الذين تحكم عليهم المنظومة الاجتماعية السائدة بالصمت بعد نبذهم من شبكتها الحيوية” ؟ (9)

إن أية رغبة بالانتقام تعني وجود هجوم وأذى مسبقين. وعندما يفسر بنيامين نتنياهو دوافع تفجيرات لندن بالقول أن سلوك “الإرهابي لا ينطلق من أفعال المستهدف what we do وإنما من مجرد طبيعته what we are (10) فهو إما مقتنع، وهي مصيبة أن يأخذه التطرف إلى هكذا تحليل، وإما غير مقتنع، وتتطلب منه الوضاعة السياسية هكذا تفسير، وتلك مصيبة أخرى.

في كل حديث معمق مع أبناء الجيل الثاني والثالث، يتساءل الشاب المسلم عن حصته في المواطنة، في فرص العمل وفي اكتشاف ذاته، عن وسائل تفريغ التوترات الداخلية والاندفاعات الخلاقة في أوضاع عادية.. يحاول الشبيبة التمايز باختراع لغة خاصة بهم، بمنح بعض المفاهيم معنى آخر مغاير (مفهوم العصابة مثلا). في الأعياد الوطنية والدينية الغربية نلاحظ أكثر فأكثر ارتفاع نسبة مستعملي المفرقعات بين الأجانب، كذلك حوادث حرق وسرق السيارات وضرب مداخل المباني.. هناك محاولة وضع بصمة لمن أنكرت المنظومة وجوده، بشكل أعوج أو أهوج، لا يهم. المهم أن المعني بالأمر يرفض أن يكون مجرد نكرة في مجتمع فشل في عرض أية علاقة شراكة جدية معه. لذا لا نستغرب أن تكون مجموعات مناهضة العولمة، باعتبارها التعبير الراديكالي المحلي الصنع، والتطرف الإسلامي، باعتباره الصرخة الأكثر مشهدية لرفض الذل، مادة استقطاب للتمرد الشاب. وما من شك، أن صورة “الغني الزاهد” أسامة بن لادن أكثر إيجابية في هذه الأوساط من صورة “الملك الفاسد” فهد بن عبد العزيز.

التكوين النفسي للقاتل وتمتعه بكل مواصفات الضحية بآن معا، لا يمنحه ورقة حسن سلوك. لكن هل بالإمكان مواجهة هذه الظاهرة، أو هذا الاختيار، دون الاعتراف بأن الأمر يتعدى مجرد “وعكة في الحضارة” أو أزمة يمكن احتواءها أمنيا؟  نحن أمام حالة فراغ هائل: لقد وصلت حالة التفاوت بين الشمال والجنوب، بين القوي والضعيف، بين المركز والمحيط، بين الثقافة المركزية والثقافات الهامشية، بين عالم الغنى وعالم الكدح، شعوب الترف وشعوب القرف، وصلت إلى درجات لم تعرفها البشرية. كان الاقتصاد الاكتفائي يحمي شعوب المحيط في الإمبرياليات القديمة. اليوم دخول اقتصاد السوق أصغر قرية في أقاصي الأرض شرط واجب الوجوب للهيمنة والسيطرة. كما وأن تحطيم وسائل الدفاع الذاتي الكلاسيكية عند الآخر جزء من الأمن القومي للذات.

عندما تصبح البربرية الذاتية شكلا من أشكال الدفاع عن النفس والوطن والقيم الغربية المهددة، وتدخل بربرية الآخر في تصنيف “الإرهاب” والشر والتخلف والتعصب الخ، يصبح ولع المغلوب بطاعة منطق الغالب، باستحضار ابن خلدون، صورة من صور جلد الذات.. بالتأكيد، ليست الماركسية الخرساء والليبرالية العرجاء والقومية المنكفئة على ذاتها والتطرف الديني ماركة عربية إسلامية مسجلة، بقدر ما هي في أعماق أزمة بنيوية شاملة على الصعيد العالمي. بهذا المعنى، يشكل الإسلام قيمة أكيدة في مواجهة طوفان نوح الأزمنة الحديثة. لكن، هل بالإمكان أن يكون الرد على الطغيان العالمي بأسلحة دفاع ذاتي يصعب فك شيفرتها خارج المجتمعات الإسلامية؟

إن الاستقالة المبكرة للإنسانية الكامنة في أعماق كل شخص مؤمن بفكرة التغيير والدور أكثر من مجرد مسئولية..

——————————-

1) R. D. Laing & D.G. Cooper, Reason & Violence, a decade of Sartre’s Philosophy 1950-1960, SSP, London, 1971, P. 101.

2) S. Freud, Considérations actuelles sur la guerre et la mort; Payot; 1999.

3) Philipe Jeammet, L’actualité de l’agir à propos de l’adolescence, in : Nouvelle Revue de Psychanalyse, n° 31, les Actes, pp. 201-222.

4) Françoise Bougnoux, Distinguer violence et agressivité, dans : Les violences.

5) M. Bruch, Réunion de l’Association Internationale d’étude de la personnalité et du caractère, 14 mai, 1977.

6)  Edgar Wolff, instinct sexuel et agressivité, Guy Authier, Paris, 1978, pp. 13.

7) Le complexe sadico-mystique d’Edgar Wolff.

8) Georges Henein, de la liberté comme nostalgie et comme projet, le cahiers de l’Oronte, n° 1, 1965, Liban, réédité par Arabie-sur-seine, 1984.

9)  مادة فورات المدن، هيثم مناع، موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، الجزء الأول، الأهالي، بيسان، أوراب، بيروت ودمشق وباريس، 2000.

10)BBC TV, interview, 10/07/2005.

باريس في 15/7/2005

No Favorites Has Been Added!