December 16, 2018

الإنتقال السياسي في سوريا

الإنتقال السياسي في سوريا… أو سلة الأحجيات والتناقضات

سواء توجهت الأنظار نحو أوربة الشرقية بعد سقوط جدار برلين، أو إلى أمريكا اللاتينية بعد إفلاس الدكتاتوريات العسكرية، تبقى التجارب الواقعية للإنتقال، بما لها وما عليها، مرجعيات بعيدة عن واقع التجربة السورية. وحتى في إطار هاتين القارتين، يصعب الحديث عما يمكن تسميته بعلم الإنتقال  Transitology. ونحن نتفق مع G. B. Madison عندما يقول بأن البحث عن طرق جديدة  للتغيير ما زال يتموضع حول نظرية التجربة والخطأ. ويصبح كلام ماديسون أكثر صحة ودقة، عندما نتحدث في المثل السوري. فقد تميزت الأحداث في سوريا، منذ 18 آذار/مارس 2011 بفرادتها وخصوصياتها. من هنا وضعنا التعبير الشائع “الربيع العربي” بين قوسين منذ اغتصاب انتفاضة الشعب السوري بالتسليح والتدخل الخارجي وجرثوم المذهبية. فلسنا ممن يعتبر الحراك التونسي والمصري والسوري مؤامرة خارجية، ولكن ومنذ 19 آذار 2011 في ليبيا وتبلور المكونات الأساسية للجماعات المسلحة الكبيرة في سوريا ثم الأيام الخمسة المصيرية (مؤتمر جنيف 1 في 30 حزيران/يونيو ومؤتمر الجامعة العربية للمعارضة السورية في 2-3 تموز/يوليو 2012 في سوريا. لم يعد الحديث في التدخل الخارجي مجرد بروباغندا سلطوية. ورغم أنني استمعت لأكثر من خبير دولي يدّعي أبوة وأمومة بيان جنيف، لم يقدم لي أي خبير أو سفير تفسيرا لرفض طرح موضوع مؤتمر جنيف الأول في أجندة مؤتمر الجامعة العربية. وكان علينا انتظار الجزء الثاني من تموز/يوليو 2012 ودخول الفصائل الإسلامية والجيش الحر لمدينة حلب لفهم ما عناه السفير البريطاني جوناتان ويلكس عندما قال لنا: نحن انتقلنا للخطة باء.

اعتمد “أصدقاء الشعب السوري” على غرفتي الموك والموم (بقيادة غير سورية) وفي الوقت عينه تمكنت المجموعات المسلحة المحترفة (داعش والقاعدة ووحدات حماية الشعب) من بناء تكويناتها العسكرية الموازية في الجانب المقابل للجيش السوري، في حين بدأ التدخل العسكري الموالي للنظام بالتدخل المباشر لحزب الله في معركة القصير.

كنا نقاتل عراة الأيدي في مستنقع العنف للمطالبة بحل سياسي لا يؤيدنا فيه إلا مجلس حقوق الإنسان في ختام تقاريره وبياناته. ونظمنا أكثر من ورشة عمل عن “بيان جنيف” ونقاط ضعفه وقوته. وللتاريخ وقف معنا يومها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ومندوب العراق في الجامعة العربية قيس جواد العزاوي ووزير الخارجية التشيكي ووزير خارجية جنوب إفريقيا ووزير الخارجية اليوناني. إلا أن المجلس والائتلاف وقفا مع الحل العسكري وكانوا يعزفون على نغمات ما أسميته بالأساطير الثلاثة: تغيير موازين القوى، الحصول على أسلحة نوعية والنصر العسكري… للتاريخ نذكر أن 80% من المشاركين في مؤتمر الرياض الأول كانوا ينتمون لهذا الفريق ونسبة مقاربة في وفد التفاوض منذ جنيف 3 إلى جنيف 9.

نذكر بهذه الوقائع لأننا نسمع ليلا نهارا أسطوانة تطبيق بيان جنيف والقرار 2254 من أسماء يكفي الإنصات لمداخلاتها على العربية والجزيرة قبل أربع سنوات وهي تصنف المدافعين عن الحل السياسي “بحلفاء نظام الأسد”؟

وكما كانت قراراتنا في مؤتمر “من أجل سوريا ديمقراطية ودولة مدنية”(جنيف 28-29 ك2/يناير 2013):

  • “اعتبار اتفاق جنيف الدولي أساسا صالحا للتنفيذ وفي المقدمة إيقاف متزامن للعنف.
  • العمل على إقامة عملية سياسية عبر التفاوض بين المعارضة والسلطة لتنفيذ بيان جنيف الدولي من أجل إصدار إعلان دستوري تتشكل على أساسه حكومة كاملة الصلاحيات لإدارة المرحلة والعمل على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة بإشراف دولي.
  • الدعوة إلى عقد مؤتمر جنيف الدولي 2 بحيث يأخذ بعين الإعتبار المستجدات الميدانية ومتطلباتها ويضع آليات ملزمة بنتائج التفاوض من مجلس الأمن وفق الفصل السادس.
  • القيام بأعمال الإغاثة الفورية والعمل على إعادة الحياة إلى طبيعتها لجميع السوريين اللاجئين والنازحين وإعادتهم بتأمين الإيواء المناسب لهم داخل الوطن ومعالجة الجرحى وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين وتعويض المتضررين وإعادة المؤسسات التعليمية والصحية والمباشرة بإعادة الإعمار.
  • الالتزام بوحدة سوريا شعبا وأرضا والمساواة الكاملة بين جميع السوريين، وإقامة نظام سياسي يحترم حقوق الإنسان والشعوب والحريات العامة حسب المواثيق الدولية والدخول إلى مجتمع الحداثة والمعاصرة، مجتمع المواطنة المتساوية.”

كانت رد الفعل من معارضة “أصدقاء الشعب السوري” التخوين والتجريم لكل من شارك في المؤتمر.

في الذكرى الخامسة لهذا المؤتمر نسمع من هؤلاء تكرارا ببغائيا لما طالبنا به، وتركيزا منهم على “الإنتقال السياسي”. فهل هناك تصورات عملية وعقلانية قابلة للتحقق في أطروحات وفد المعارضة أو أطروحات لوفد النظام حول “الإنتقال”؟

يقول أحد الاقتصاديين البولونيين: “أعرف جيدا كيف أحضر شوربة السمك من حوض للسمك، ولكنني لا أعرف كيف أبني حوضا للسمك من الشوربة.” هذا المثل ينطبق تماما على وضعنا السوري بعد سبع سنوات. فالحل الأمني الذي اعتمده النظام، وتغييب الحل السياسي وتجريم التفاوض والحوار وشعارات من نمط  “كل سلاح مقدس” لم تنجح في إسقاط النظام وإنما في تصدر العنف والمذهبية للمشهد والتطبيع مع التدخل الخارجي. واغتيال الحركة المدنية الديمقراطية في البلاد. صارت الثورة والشعب تعبيران للإستهلاك الفيس بوكي واستجداء المال والترزق. هناك من يعيش من الشعارات ولم يعد هناك من يعيش من أجل الشعارات. ولا حاجة للتذكير بالأرقام الفلكية للقتلى والهدم والتشريد إلخ. في هذا الوضع يجتمع مفاوضو ديميستورا في فيينا ونحضر أنفسنا للمشاركة في مؤتمر سوتشي.

“الإنتقال السياسي” بالنسبة لوفد الحكومة السورية تعبير فضفاض وبالتالي من الضروري التركيز على حكومة وحدة وطنية بصلاحيات هامة ومناقشة الإصلاحات الدستورية الضرورية ووسائل إجراء انتخابات حرة برقابة أممية.

“الإنتقال السياسي” تعبير تتعامل معه هيئة التفاوض (حسب بيان الرياض 1 والبيان الختامي للرياض2) وفق فقرات قرار مجلس الأمن وبيان جنيف مع إضافة مبدأين أساسيين (الأول: لا يمكن تنفيذ ذلك دون مغادرة بشار الأسد وزمرته وأركانه سدة الحكم مع بداية المرحلة الانتقالية، والثاني: عدم مشاركة أي مسؤول تثبت مشاركته في جرائم حرب ضد المدنيين).

ليس السؤال حول قدرة هذا الطرف أو ذاك على التمسك بما يريد أو تحقيقه، السؤال الحقيقي هل يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي في سوريا ضمن برنامج يبقي على المنظومة المتأزمة، باستعارة التعبير الرسمي نفسه؟ أو يعطي نصرا سياسيا لجماعات اختزلت الديمقراطية بآليات؟ كيف يمكن للحكومة وجيشها أن تقبل بطرح معارضة الرياض بعد أن همشت مجموعاتها العسكرية في الميدان العسكري، وتفككت مكوناتها نتيجة تفكك داعمها سواء في الصراع الرباعي مع قطر أو التحالف الأمريكي الأوجلاني أو التنسيقات التركية الإيرانية الروسية؟

باختصار هناك لغة خشبية عند وفدي التفاوض تضع أي تقدم في طريق مسدود، وتحتاج إلى نهج خلاق ومبتكر للوصول إلى مشتركات تضع التفاوض على خطى تحوّل ديمقراطي وبناء دولة مؤسسات. ومن الضروري للوصول إلى ذلك، محاربة الجميع للإرهاب الأسود، ومشاركة كل المتبنين لحل سياسي، بما فيهم أشخاص تلوثت يدهم بالدماء، في وقف النزيف السوري والإنخراط الجماعي في معركة إنقاذ البلاد والعباد. ومن أجل ذلك، كل الملتقيات والاجتماعات والمؤتمرات الساعية لتحقيق اختراق أو تقدم في العملية السياسية ضرورية، سواء رضيت عنها هذه الدولة أو رفضتها تلك. سنسعى لأن تكون متكاملة مع الأمم المتحدة دائما، ويفضل أن يباركها المبعوث الدولي، ولكن إن لم يباركها لضغوط من هذه الدولة أو تلك، فليهمش نفسه بنفسه.

أذكر بأن كاتب هذا الأسطر مناضل حقوقي، ومن أهم المناضلين في العالم ضد الإفلات من العقاب. ولكنني أعرف بأن الرئيس السوداني ما زال على رأس الدولة السودانية  بعد أكثر من عقد من الزمن على استدعائه للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأن الديمقراطيين التشيليين آثروا إفلات بينوشيه من العقاب مقابل انتقال سلمي ديمقراطي ونجحوا، وأن القائد مانديلا وقع مع أحد المصدقين على قرارات عنصرية خطيرة لإنقاذ جنوب إفريقيا من منظومة الأبارتايد. والجميع يعرف أن عشرة سنوات أخرى من الحروب المستنقعية، وليس من الثورة كما يتفلسف البعض، لن تبقي في سوريا لا حجر ولا شجر ولا بشر.

————————

هيثم مناع قيادي في المؤتمر الوطني الديمقراطي ورئيس تيار قمح

نشرت في صحيفة رأي اليوم

No Favorites Has Been Added!