December 14, 2018

ثلاثون عاما في المنفى

hewarفي 27 مايو/أيار 1978، وصل المهندس علي عبد جاسم إلى مطار أورلي جنوبي العاصمة الفرنسية بفيزا زيارة عمل لثلاثة أشهر، جواز السفر “العراقي” المزور كان أكثر دقة من الجوازات الرسمية، أما الفيزا فقد سهلها رجل أعمال لبناني له عدة مشاريع مع فرنسا. وكان على هذا المعارض السوري المطرود من كلية الطب في جامعة دمشق والملاحق منذ عامين أن يجيب في فترة لا تتعدى الثلاثة أشهر على السؤال التقليدي: ما العمل؟ هل يبقى في أوربة أم يعود للمنطقة. في سورية لم تكن الأخبار مطمئنة أبدا، وجواب من حوله سبق حتى محاولة الاستماع لرأيه. أحد أعز أصحابه يقول له: “يا صديقي ليس لديك إلا السجن وإن عاش النظام عشر سنوات ستعيشها وراء القضبان”. أما الصديق أحمد شاهين الذي يحتفل اليوم بذكراه الثلاثين في المنفى أيضا، فكان قد اختار يومها البقاء في بيروت والعمل فيها حتى تتغير الأحوال. وأول مبادرة قام بها، تحميل صديق لبناني قادم لباريس، قائمة المعتقلين والمعتقلات وقتها لنقوم بالدفاع عنهم في أول قائمة تحمل المواصفات المطلوبة. التقيت ببعض الإخوة السوريين واللبنانيين والمغاربة، وسألني محمد حربي: “ماذا تحمل في جعبة الوطن، فقلت له: بضعة كتب ورغبة في إعادة اكتشاف النفس والعالم ؟. “أجابني: سيمنحك هذا قوة كبيرة على الاستفادة من وجودك خارج البلد”. سألته عما يمكن عمله من أجل المعتقلين، شرح لي بأن بالإمكان تشكيل جمعية ببساطة إن كان الرئيس فرنسيا، وعرض علي أسماء أصدقاء أو جمعيات موجودة يمكن استعمال اسمها وصندوق بريدها. في مكتب المفوضية السامية للاجئين تقدمت بطلب اللجوء السياسي للسيدة دان مديرة المكتب أيام قبل نهاية الفيزا، ولم أحتج لوقت طويل لحمل بطاقة اللاجئ وتشكيل جمعية للدفاع عن المعتقلين. بقيت المشكلة في العمل والدراسة والخبز، هنا أسعفتني اللغة الإنجليزية وبدأت أترجم للعربية بأسعار بخسة، كان المهم العيش باستقلالية وشرف، أعطاني أبو خالد (فاروق سبع الليل) آلة كاتبة قديمة وساعدني في الحصول على غرفتين في البناء الذي يعيش فيه، قمت بإصلاح الشقة لتصبح قابلة للسكن. طبعنا بشكل مشترك على هذه الآلة أول مجلة في المنفى (الحوار الديمقراطي) بعدد يتيم، وبدأت أدرس الفرنسية وقبل الشهر الثالث تركت مدرسة اللغة وبدأت عملي في الليل حيث أقرأ وأتابع دراستي. لم يتغير نظام الحكم في بلدي، فبقيت في العمل 21 سنة كتبت فيها 21 كتبا وأطروحة. قبل أن أقرر ترك العمل الطبي في بداية الألفية الجديدة لأعمل باحثا إلى جانب نضالي من أجل حقوق الناس.

لماذا أكتب اليوم، المذكرات تكتب بعد الاستقالة، ربما لأن لدي رغبة بأن يتعرف من يسألني عن القدرة على الابتسام التي تقاوم في أعماقي، فلا يتم التعامل معي كما يتعامل السجان مع المعتقل، كمجرد رقم.

من الجمل التي تحفر الذاكرة ولا تمر مرور الكرام واحدة قالتها أمي: “إذهب يا بني أرض الله واسعة، يكفي أبوك وخالك في السجن،  سأجعل سعادتي في حريتك ولو كنت بعيدا عنا”.  وأخرى قالها لي أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة دمشق محمد العودات عندما أعلمته بفكرة السفر: “الكل شريك في جريمة هجرة العقول، من الاستبداد إلى الغرب وحتى أنت”، وثالثة لأستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية مسعود يونس: “غدا ستتعلم درسا هاما، يوجد منك الكثير في فرنسا ولست وحيد عصرك، إما أن تضيع في الزحام أو أن لا تقبل لنفسك هذه الوضعية، لكن هذا يحتاج لعمل أكثر من دءوب”. لا أعرف ما رأي أمي اليوم، ولكنني أشكر الصديقين اللذين أعطياني فكرة العمل في الليل، والمكتبة والنضال في النهار، فقد سمح لي العمل الليلي بالقراءة والبحث، وكان النهار لاستكمال تعليمي الجامعي وولوج مجاهيل العلوم الاجتماعية واكتشاف عالم الجمعيات والحلقات الثقافية والحركة المدنية في فرنسا وأوربة والمغرب الكبير. إلا أنني بقيت بعيدا عن الوسط الإعلامي العربي لأنه كما يقال يوجد حرية صحافة عربية في باريس ولكن لم يكن هناك صحف ومجلات حرة.

أطمئن القارئ بأنني لن أسرد قصة المنفى القسري لربع قرن ثم الطوعي منذ خمس سنوات، ولكنني تذكرت وأنا أعبر بالطائرة فوق مسقط رأسي في خلسة من الأمن والأهل والوطن، بأن ثلاثين عاما عبرت الجسد والروح تستحق بضع كلمات.

يمكن للإنسان من وقت لآخر أن يقف وقفة تأمل وتساؤل، عن الذات مع الذات في المحاولة الدائمة لاكتشاف الذات. ولا شك بأنه في كل مرة  يحدث مثل هذا الأمر، هناك نوع من التحليل النفسي والتأمل الذهني بل والتصوف. لكن لعل أعمق ما يمكن أن يؤلم المرء، كلمات عميقة ومؤثرة متحررة من الأنا العليا وحريصة على الكائن الذي تحوله المعارك اليومية إلى “بلدوزر” يحمل سمات الجسم الحديدي والفعالية ومؤشرات القوة مع إنسانية مجروحة أو محرومة، إن لم نقل مغيبة حتى في أكثر ما يملك الإنسان من لحظات خاصة وحياة خاصة وحقوق في الحب والراحة وقراءة الأدب والاستمتاع بأناشيد كنسية أو تجويد آيات من القرآن. هل الموسيقى الهادئة أو الأغاني الوجدانية محرمة؟ أم أنه لم يعد هناك وقت للجلوس بحالة استرخاء؟  يذوب الإنسان في كلمة العام، النجدة، الاستنفار، التي تختصرها جملة قاسية وقعت على أذني عدة مرات: أنت مجرد رجل مشاع، تحت الطلب والأمر وفي حياتك لن تفهم أن كل ما تفعله لا يعادل أن تكون خاسرا لأسمى ما في الحياة؟

البعض يعتقد بأنه الغرور أو الشعور بمهمة مسيحية خلاصية.. ولكن هل هناك غرور وتضحية؟ أليس الغرور ضد الوجع وحياة النكد المزمنة من أجل كرامة الآخر؟ هل كان الإنسانيون في أوربة خلاصيين؟ ألم يشكل رفضهم للعنف والهيمنة والتصور الأحادي للعالم حماية لهم من سلبيات الحركات الألفية؟

كتب أحدهم لأحد المناضلين يوما جملا قاتلة وقعت تحت ناظري: “تتمتع بتسبيحك وحمدك وشكرك من البعيد في وقت تكون فيه جامدا وفارغا وباردا كحيطان مكتبك الرطب.. كل “مجدك” لن يتعدى نقطة في بحر الحياة”.. لا أدري إن كان من العدل أن يقال ذلك في أشخاص يضعون أنفسهم “تحت الطلب”، في عصر تضع النخب نفسها “برسم البيع”. فأحيانا لا يصلنا سوى النقد والمحاسبة على التقصير، وما يقدمه المرء لا يقدمه وفي الرأس طمع أو رغبة في الشكر.. صحيح أن الحديث الشريف يقول “لا يشكر الله من لا يشكر الناس”، ولكن الشكر ليس من شيم بني آدم إلا ما ندر. وأهم ما تعلمت في الحياة أن انتقل للدفاع عن النفس كلما طالبتني الضحية، وأن أكون في موقع الهجوم في مواجهة كل الجلادين. في أعماق أعماقي شعور بالمسؤولية الجماعية، كأنني بقيت حيا وخسرت من الناس أعزاء كثر، لأكون بمعنى من المعاني الشاهد والبصمة الضرورية لذكراهم.. ثم منذ متى كانت نجدة الآخر في عصر القحط بأهل الخير مهانة أو نقيصة؟ وهل يمكن أن نستعيد إنسانية مستهدفة دون أفكار بسيطة مثل التعاون وضرورة التضامن والحوار والحرص على الكرامة الإنسانية؟

النضال ليس بالضرورة خلود ومجد وانتصارات، وكم عاد المرء لنفسه قبل النوم ليحصي الملفات التي لم ينجح بها بعد، أو النكسات التي تحدث من حوله ويشعر بالعجز عن الفعل والتأثير فيها.. سألني أحد المستجوبين قبل أسبوع: ماذا فعلت من أجل الصومال، تجنبت الإجابة بأدب ولضيق الوقت، ليس لأنني لم أفعل شيئا، لكن لأن كل ما فعله الناس (بالجمع) كان التأكيد على أن العجز البشري ليس فقط للخانعين والمستسلمين والضعفاء، وإنما يشمل في حالات كثيرة أصحاب العزم والنظر والرغبة الصادقة في الفعل.

في ذكرى مرور ربع قرن على حالة الطوارئ في سورية (1988)، كتبت عن إنتاج حالة الطوارئ لإيديولوجيات طوارئ تشكل حالة نكوص وتراجع عامة في الوعي المدني والألفة المجتمعية والعلاقة بين الدولة والمجتمع. لكن هل ينجو من يعيش حالات الطوارئ الأمنية والإيديولوجية هذه، ونتائجها على الحياة اليومية، من إعلانه هو نفسه لحالة طوارئ على الصعيد الذاتي تترك أثرها بالتأكيد على حياته الخاصة والعامة. وهل يمكن، بعد تحول المرء إلى مواطن عالمي والعدوانية التي نتعرض لها منذ 11 سبتمبر 2001 مع عولمة الحالة الاستثنائية، أن يتمتع بالحد الأدنى من الاستقرار النفسي ومسقط رأسه وما حوله قد تحول إلى منطقة بركانية، بالمعنى الجغرافي السياسي، تنذر بكل الحمم؟ لكن هل يمكن مواجهة هذه الحمم بدون فداء الحوراني وفايز سارا وميشيل كيلو وعارف دليلة وكل المدافعين عن المواطنة أساسا لمناعة الوطن؟

الحياة تجري، ثماني سنوات من ولاية رئيس أرعن هي ثماني سنوات مقتطعة من حياة كل إنسان شرقي بحر المتوسط (حتى البحر يموت يوما بعد يوم بكل قاذورات شماله وجنوبه). تحدث بوش في شرم الشيخ عن الديمقراطية ونسي عطبها في أرض الكنانة حيث هدية الأمس تمديد سنتين طوارئ فوق قوانين مناهضة الإرهاب وعسكرة المحاكم السياسية ودسترة الاستثنائي. تحدّث “المحافظ” الأمريكي عن حقوق المرأة ونسي وزيرة المرأة الفلسطينية الدكتورة مريم صالح المعتقلة في السجون الإسرائيلية، فحتى في “الجندر” ثمة نساء لهن حقوق وأخريات لهن…

لم يعد تعبير الأوجاع الكلمة المناسبة لوصف ما يجري في غزة أو مدينة الصدر أو الموصل، ولم يعد اعتقال رواد الإصلاح الدستوري والمجتمع المدني يستوقف كثيرا حتى وسائل الإعلام الأكثر قدرة على التنفس؟

قبل أن ينشد مارسيل خليفة في أوبرا القاهرة أغنية في الحب سأل الحاضرين إن كانوا ما زالوا يتذكرون معنى الكلمة؟ هل الحرب والجوع والتهجير والتعسف تسمح للحب بأن يبقى أغنية عند فنان ملتزم؟ هل يمكن استيعاب وجود المفكر عبد الله الحامد والباحث الجامعي متروك الفالح والطبيب الاجتماعي سعود مختار الهاشمي والشاب الكويتي نواف مفرج محمد المطيري وأربعة معتقلين يمنيين في إضراب عن الطعام اليوم في خمسة سجون سعودية متفرقة ودون تنسيق مسبق، في ظل صمت عربي وعالمي يفقأ العيون؟ هل يمكن الاحتفاظ بحصتنا من الأمل والحب والعمل دون تلك النبرة والدمعة وقوة الانتظار وضعفه والرغبة في التغيير التي تتلمسها الأذن في حديث عائلات المعتقلين؟.

لا تستعاد كلمة الحب يوم الحرية وإنما أيضا يوم الحرمان منها، هذا ما علمني إياه أحد “أبنائي” بالنضال، خالد، الذي يحب أن يناديني بهذه الصفة، يوم استنفر طاقاته للدفاع عن المعتقلين في مملكة الصمت، في وقت خرست وسائل الإعلام العربية والعالمية بنسبة 99%. وكأن ثمة حنين لهذه النسبة التي بدأت تغيب من الانتخابات الرئاسية العربية باعتبارها ماركة مسجلة للكذب والنفاق. لكن لماذا أعود للحديث في الألم البشري، يبدو أنه يجاور الكريات البيضاء في دمي، ولم يعد بالإمكان بعد ثلاثين عاما أن أكتب أو أقرأ أو أتواصل مع الناس، دون التطرق لعائلتي الكبيرة التي سماها فرانز فانون، المعذبون في الأرض.. أستميحكم العذر، لأنني سأكمل هذا الدرب حتى عودة التراب إلى التراب.

باريس في 27/5/2008

No Favorites Has Been Added!