September 23, 2019

شعب متسول أم مقاوم ؟ تذكير بأوليات حق المقاومة

mokawamaيمكن القول أن الحصار على الشعب الفلسطيني من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية هو وبكل المعاني غير مسبوق في التاريخ: منع من الحركة، منع من العمل، قتل منظم خارج القضاء، استباحة الأراضي واستيطانها، ممارسة الأبارتايد في وضح النهار، نهب ممتلكات وهدم خيرات الآخر بشكل منهجي…

 مليارات الدولارات صرفت لدعم الاستيطان (وهو جريمة ضد الإنسانية في ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية). مليارات أخرى هدرت لبناء أكبر ترسانة أسلحة في المشرق. مليارات غيرها جيّرت لخلق رفاه مصطنع لدولة مركبة على هوسٍ يوظف التوراة في أكثر مشاريع الحداثة (الأمة-الدولة) علمانية. ملايين رصدت لبناء الجدار العنصري العازل في زمن يصفق العالم فيه لسقوط جدار برلين. اسئلة تطرح نفسها: هل يحتاج هذا الكيان لكل هذه الترسانة الحديدية والاسمنتية والمالية لكي يستمر لو لم يكن مبنيا على أسس باطلة كما تنبأ غابرييل بيري قبل سبعين عاما في مثل هذا اليوم؟ أليست الطريقة الشرسة في الدفاع عن الدولة العبرية هي التي دعت أحد أشرس أنصارها في إدارة فرانسوا ميتيران (مستشاره جاك أتالي) للقول: “إسرائيل كما هي لا مستقبل لها”؟.

سلام من جانب واحد، هدنة من جانب واحد، خضوع من جانب واحد، وظلم على جانب واحد. فهل ثمة أغبى من السؤال عن دواعي المقاومة؟

العالم يستنفر اليوم لإطلاق سراح جندي إسرائيلي اختطف في عملية عسكرية باهرة الدقة لم يسقط فيها مدني واحد. عملية ضد موقع عسكري في بلد محتل. عملية تأتي بعد حصار في المال والغذاء والسفر بل والدواء المقطر بطريقة هوميوباثية لشعب تسقط عليه القذائف في كل مكان. لا يهم أن يكون على شاطئ البحر أو في بيته أو في الشارع. بدعوى ملاحقة الإرهابيين، يموت في كل يوم أطفال ونساء وعزّل، دون صرخة ضمير حتى من منظمات حقوق إنسان شمالية تسمي نفسها دولية!. كل هذا يسوّق ضمن شعارات “الدفاع عن النفس” و”ضمان سلامة أمن إسرائيل”. هذه الدولة التي تطبق عليها الإدارة الأمريكية شعار هتلر في الألمان: “الإسرائيلي فوق الجميع”.

منذ استلمت حماس السلطة في الانتخابات الأكثر شفافية في العالم العربي منذ خمسين عاما، قرر الغرب حصار الشعب الفلسطيني عقابا على خياره الانتخابي. وكون أوسلو قد أدخلت مفهوم الشعب المتسول شرطا في المباحثات- أي أنها لم تشترط مبدأ فتح الحدود الفلسطينية على العالم لإنهاء حقيقي للاحتلال- أصبحت اللقمة الفلسطينية رهن إشارة المفوضية الأوربية واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي. وبات الاقتصاد الفلسطيني أسير قرار الحكومات الإسرائيلية.

رغم هذا الوضع غير المسبوق في التاريخ، استطاع الشعب الفلسطيني أن يقاوم الجوع والمرض بأسلحة بدائية. لم يمت في أعماقه مبدأ مقاومة الاحتلال. لكن لم نر يوما حكام العالم العربي يستنفرون جهودهم من أجل 6673 سجين فلسطيني في السجون الإسرائيلية، معظمهم تعرض لاعتقال خارج القضاء وكان ضحية محاكمات صورية عسكرية. في حين يفعلون هذا اليوم من أجل إنقاذ جندي إسرائيلي.

فأين هي حوانيت حقوق الإنسان الممولة أمريكيا من وقفة ضمير مع النفس يوم لم يعد سوى الصمت المذل ثمنا لتمويلها؟ أين هي الضمائر الحية في أوربة التي دافعت عن كل الشعوب المقهورة، لكن ارتجفت أوصالها عندما تعلق الأمر بجرائم الدولة العبرية؟ أين منا برتراند راسل لمحكمة شعبية دولية للكيان الصهيوني باعتباره المثل المكثف لانتهاكات حقوق الإنسان والشعوب في عالمنا اليوم؟

 حق المقاومة بين الأمس واليوم

ما من قضية شكلت موضوع نقاش ديني ودنيوي، شعبي ودولاني، للعامة والخاصة، مثل قضية حق المقاومة. فالمقاومة كلمة ترتبط بشرعية القائم وبالطابع شبه المقدس للسلطة الأقوى وبتهديد الجماعة السائدة في لحظة ما. بهذا المعنى، تبدو كلمة هرطقية مخيفة حيث من الأفضل عدم إعطائها حق الوجود. لكن هل يمكن للبشر التقدم دون مقاومة الاعتياد على روتين النَظم الحاكم لوجودهم؟ هل يمكنهم التنفس دون مقاومة الظلم الواقع عليهم؟ هل باستطاعتهم أكل لقمتهم بكرامة دون مقاومة الاستغلال البربري لوسائل استمرار عيشهم؟ هل بمقدورهم قول كلمتهم بحرية في غياب الحد الأدنى لقبول اختلافهم؟ أسئلة لا حصر لها جعلت الشعوب والدول تختلف، وأحيانا بشكل جذري حول مفهوم المقاومة.

منذ مزدك وكونفشيوس وبوذا وأنبياء الديانات الإبراهيمية، كان الانشقاق جزءا أساسيا من ميكانيزم الحياة لكل الأديان والمعتقدات. وكان الخروج كالدينامو الذي يبعث الحياة في جسم يخشى على نفسه من فساد الناس وصدأ الأيام. مع كل مؤسسة تبنى، كان ثمة تيار رافض لعملية البناء والتأقلم مع السائد. وتجاه كل حركة تنشط، كان هناك من يبحث لها عن ضوابط تقيدها من التهور وتضخم الأنا. لكن التاريخ، هذا البارومتر الصارم بأحكامه، أعطى السلطة لمن طلبها والنبالة لمن قاومها. وبقيت صورة المسيح المصلوب شاهدا على أن من الهزائم ما يفوق أرفع الانتصارات قيمة واعتبارا، ومن الانتصارات ما هو أشد عارا من الهزيمة.

كان الإسلام الناشئ مقاومة لأعراف ونظم تخالف فكرة إقامة العدل. وعندما تداعت عليه القبائل وتراكب على المسلمين الظلم، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..”الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق”، في نص قرآني يعطي مقاومة الظلم مشروعيتها الكاملة.

في كل الثقافات، نجد بحق كل أشكال المقاومة السلمية أو المسلحة نعوتا ألطفها مّر. وفي الحضارتين اليونانية والرومانية ارتبط التمرد بشكل عام بالبربرية. أما المقاومة في سنين طغيان الكنيسة في أوربة فنالت أبشع التعبيرات. من الضروري متابعة مظالم الكنيسة وتاريخ محاكم التفتيش لمعرفة الثمن الباهظ لما جعل كلمة المقاومة في الأزمنة الحديثة تجد جذورها الأولى في الإصلاح الديني المسيحي. وكما شكلت كتب “المحن” التقارير الأولى لانتهاكات حقوق الإنسان في المجتمع العربي، قدمت مؤلفات العديد من رجال الكنيسة الإصلاحية عن الاضطهاد الذي كانوا ضحيته تقارير عن هذه الانتهاكات في أوربة. لعل في كتاب بيير جوريو Jurieu (1637-1713م) “تأملات في الاضطهاد الفظيع الذي تعاني منه كنيسة الإصلاح في فرنسا”، الصادر عام 1686، ما يعطي فكرة عن هذه المؤلفات.

في التراث الأدبي الغربي، “حق المقاومة” إذن، عقيدة بروتستنتية دخلت القاموس مع الحروب الدينية. وعلينا انتظار وصول ملوك بروتستنت للسلطة لكي يتبنى عدد من المنظرين الكاثوليك هذا المفهوم. في القرن الخامس عشر نجد عند المصلح الديني الإنساني هولدريش زوينغليZwingli (1484-1531م) إعطاء المواطنين حق مقاومة الطغيان والتخلص منه. وقد ارتبط تطور مفهوم المقاومة هذا مع تطور مفهوم آخر هو “العقد الاجتماعي” بتعبيراته الأولى (حوالي 1579م). حيث كان الحديث عن عقدين اجتماعيين: الأول بين الله والشعب والثاني بين الملك والشعب. وأي انتهاك من قبل الملك للدين الحنيف يعني انتهاكه لهذا العقد، ويسمح بالتالي للشعب بممارسة حق المقاومة. القانوني غروتيوس (1583-1645م) ينطلق من فكرة احترام الحق الطبيعي للأشخاص باعتبار أن انتهاك هذا الحق هو الذي يمنحهم حق مقاومة الظلم والعسف.

اعتبر صموئيل فون بوفندورف(1632-1694) نظرية الحق الطبيعي قائمة على وجود نظام أخلاقي عالمي، وقاعدة داخلية مستقلة للعدالة فوق القوانين المدنية. كما صنف القانون الطبيعي والقوانين الإلهية داخل هذا النظام كمعطى أساسي وأول للكائن البشري. في حين صنف القوانين الوضعية باعتبارها بشرية يضعها المشرع لمجتمع معين. لذا فهي مرتبطة بالزمان والمكان والطبائع البشرية. وكون هذه القوانين الوضعية تنطلق من مصالح المواطنين، فهي تسمح لهم باستعمال حق المقاومة في حال وجود سلطة ظالمة. الاستنتاج الذي يصب في منطق جون لوك ويخالف فلسفة هوبس. ولعل فك الاتصال بين حق المقاومة والقوانين الإلهية عند بوفندورف قد أعطاه منذ ذاك الوقت طابعا أكثر عالمية وشمولا.

يمكن اعتبار إعلان الاستقلال الأمريكي (4/7/1776) أول وثيقة  تنص صراحة على حق المقاومة. ينطلق الإعلان في إقراره لحق المقاومة من مبدأ اعتبار السلطة العادلة تلك التي تنشأ من اتفاق المحكومين. وأن الاعتداء على هذا العقد الاجتماعي من قبل المستعمرين يعطي الحق للناس في قطع أي التزام لهم مع السلطة الاستبدادية كحق وواجب. ويؤكد النص على أن المقاومة المسلحة هي المرحلة الأخيرة للاحتجاج ضد الهيمنة الاستعمارية (الإنجليزية يومئذ) في المستعمرات الثلاثة عشر الأمريكية. لقد أصبح هذا النص المبكر مرجعا للعديد من حركات التحرير الوطني في القرنين التاسع عشر والعشرين.

الشرعية وغيابها، كانت أيضا وراء نقاشات حق المقاومة خاصة عند استعمالها للعنف. وقد أقر “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” (1789م) أربعة حقوق طبيعية للإنسان لا يجوز المس بها: حق الملكية، حق الحرية، الحق في الأمن، الحق في مقاومة الظلم والاستبداد. بحيث أصّل لهذا الحق في الاتجاهات المدافعة عن هذه الحقوق بشكل مبكر. وقد اعتبرت المادة 33 من النص الثاني لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 1793، أن حق مقاومة الظلم هو النتيجة الطبيعية لحقوق الإنسان الأخرى. أما “إعلان حقوق وواجبات الإنسان الاجتماعي”، الذي أقرته أمة جنيف في 9/6/1793، فقد أقر في المادة العاشرة حقوقا ستة هي: المساواة والحرية والأمن والملكية والضمان الاجتماعي ومقاومة الظلم. واعتبرت المادة 44 أن لكل مواطن الحق في مقاومة الظلم، ويحدد شكل المقاومة في الدستور..”.

أوربة المستفيدة من الاستعمار المباشر ستكون آخر المتبنين لمفهوم مقاومة الاستعمار وآخر القابلين لفكرة حق تقرير المصير. وحتى في الأوساط اليسارية في القرن التاسع عشر، كان يجري الحديث عن توسيع الحقوق السياسية للبلدان المستعمرة لا عن حق تقرير المصير. يذّكر الدكتور صلاح عامر بأن القانون الدولي التقليدي في القرن التاسع عشر، لم يتعد “تنظيم اكتساب السيادة على المستعمرات وتأكيدها لصالح الدول الاستعمارية”.

كان لثورة أكتوبر وولادة الأممية الثالثة شرقاً، والرئيس الأمريكي توماس ودرو ويلسون (1856-1924) غرباً، الفضل في إعادة الاعتبار لمفهوم المقاومة، بدفاعهما عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. الأمر الذي لم تقبل به عصبة الأمم، التي أصرت على مفهوم الشعوب البالغة والشعوب القاصرة، والتي جاء حرفيا في المادة 22 من عهدها:

“1-المستعمرات والأقاليم التي ترتب على الحرب الأخيرة أنها لم تعد تخضع لسيادة الدول التي كانت تحكمها والتي تقطنها شعوب غير قادرة على الوقوف وحدها في الأحوال القاسية للعالم الحديث، ينطبق عليها المبدأ القاضي بأن رفاهية هذه الشعوب وتقدمها هي أمانة مقدسة في عنق المدنية وبأن يشتمل العهد على الضمانات الكفيلة بالاضطلاع بهذه الأمانة.

2- أن أفضل وسيلة لوضع هذا المبدأ موضع التطبيق العملي هو أن يعهد بالقوامة على هذه الشعوب إلى الأمم المتقدمة، التي هي بحكم مواردها وتجاربها وموقعها الجغرافي، في مركز يسمح لها بالاضطلاع بهذه المسئولية، والتي هي راغبة في قبولها وأن تزاول هذه القوامة بواسطتهم بوصفهم سلطات قائمة بالانتداب وذلك بالنيابة عن العصبة.”

إلا أن حركات التحرر الوطني بدأت تنمو من الصين حتى المغرب، ولم يعد بالإمكان الدفاع طويلا عن موضوعة الشعوب القاصرة.

عبد القادر الجزائري سيفتح الباب لكاوسن اج كيدا ليصبح رمز المقاومة المناهضة للاستعمار الفرنسي في النيجر بين 1917-1920. وسيزرع لاو تشي (1899-1966) في الأدب العالمي تلك الصلة الحية بين المسؤولية السياسية للكاتب وحق المقاومة. ذلك عندما ترك بيته وعائلته والتحق بالمقاومة الصينية للاحتلال الياباني. مؤسس مجلة (قاوموا حتى الرمق الأخير :Kang dao di) ورئيس تحرير “آداب وفنون حرب المقاومة”، ربط لاو تشي بين المقاومة والتعددية السياسية وضرورة اجتماع كل التيارات ضد الاحتلال. هذا المثل الشرقي الإنساني والديمقراطي، كان يمكن لفرنسا المقاومة أن تعطيه للعالم لو ارتقى “ميثاق المجلس الوطني للمقاومة” إلى مستوى حق تقرير شعوب المستعمرات لمصيرها. هذا النص، الذي وضعته الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان واليونسكو في الكتاب الوثائقي الصادر عنهما بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “الفتح العالمي لحقوق الإنسان”، فيه تصور متكامل ليس فقط للنضال ضد الفاشية، وإنما إعادة إعمار فرنسا بعد التحرير. فهو ينص على:

–       إقامة الديمقراطية الأكثر اتساعا بإعطاء الكلام للشعب وإقرار الاستفتاء العام،

–       الحرية الكاملة للفكر، للضمير والتعبير،

–       حرية الصحافة، شرفها واستقلالها، واستقلالها عن الدولة وسلطان المال والتأثيرات الأجنبية،

–       حرية التنظم والتجمع والتظاهر،

–       احترام حرمة المنازل وسرية المراسلات،

–       احترام الشخص الإنساني،

–       المساواة المطلقة لكل المواطنين أمام القانون.

وقد طالب الميثاق ببناء ديمقراطية اقتصادية واجتماعية، والتنظيم العقلاني للاقتصاد، وتطوير ودعم التعاونيات الانتاجية، وحق العمال في احتلال مواقع أساسية في مصانعهم، وحق العمل والإجازة وتثبيت حد أدنى للأجر، وتعزيز استقلال النقابات، وإعداد خطة كاملة للضمان الاجتماعي.

نلاحظ بمرارة أن إعلان الاستقلال الأمريكي لم يرتق إلى علاقة مساواة مع الهنود والسود، كما أن “مشروع إعلان المقاومات الأوربية” (1944) لم يجرؤ على حل ديمقراطي حقوقي لموضوع المستعمرات.

هذه النقاط السوداء في معركة “حق المقاومة” استمرت في أروقة الأمم المتحدة التي خرجت من سيطرة أوربة الغربية. وبالتالي أقر ميثاق الأمم المتحدة في المادة الأولى منه: حق تقرير المصير والمساواة في الحقوق بين الشعوب. جاء في المادة 55 :”رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سلمية ودية بين الأمم المتحدة مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها”. ورغم ذلك خاضت الشعوب المستعمرة حروبا طاحنة من أجل الاستقلال في أكثر من بلد لرفض الدول المستعمرة التخلي سلميا عن مستعمرات”ها”.

لعل التوصية رقم 1514 (15) حول منح الاستقلال للشعوب والأقاليم المستعمرة، تاريخ 14 ديسمبر 1960، تشكل النص الأوضح والأكثر تقدما على هذا الصعيد، حيث جاء فيها:

“1- إن خضوع الشعوب للاستعباد الأجنبي أو سيطرته أو استغلاله يعتبر إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويهدد قضية السلام والتعاون في العالم.

2- لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية نظامها السياسي وأن تسعى في ظل هذه الحرية إلى تحقيق نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

3- يجب ألا يتخذ بأي حال تخلف الإقليم في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي ذريعة لتأخير الاستقلال.

4- يوضع حد لجميع أنواع الأعمال المسلحة أو أعمال القمع الموجهة ضد الشعوب غير المستقلة، وحتى تتمكن من أن تمارس في سلام وحرية حقها في الاستقلال التام وتضمن سلامة إقليمها الوطني.

5- كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية أو سلامة إقليم أي بلد تعتبر منافية لأهداف ميثاق الأمم المتحدة.”.

مهدت هذه التوصية لإقرار مبدأ حق تقرير المصير في المادة الأولى من العهدين الخاصين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتعبيرا عن آلام القارة السوداء، نال حق المقاومة وتقرير المصير حيزا هاما في الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، حيث جاء في المادة 20:

“1- لكل شعب الحق في الوجود ولكل شعب حق مطلق وثابت في تقرير مصيره وله أن يحدد بحرية وضعه السياسي وأن يكفل تنميته الاقتصادية والاجتماعية على النحو الذي يختاره بمحض إرادته.

2- للشعوب المستعمرة المقهورة الحق في أن تحرر نفسها من أغلال السيطرة واللجوء إلى كافة الوسائل التي يعترف بها المجتمع.

3- لجميع الشعوب الحق في الحصول على المساعدات من الدول الأطراف في هذا الميثاق في نضالها التحرري ضد السيطرة الأجنبية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية.”.

مع نهاية الحرب الباردة، خرجت فكرة حق المقاومة من مجرد حق شعب في الدفاع عن نفسه. فقد تداخلت معالم الاستبداد والاستعباد على الصعيد الدولي، وأصبح حق حماية الشعب الفلسطيني مثلا مسؤولية دولية. كما أن إمكانية هذا الشعب للنهوض بعد التحطيم المنهجي الإسرائيلي لمقومات وجوده تعتبر قضية إقليمية وعالمية وليس فقط فلسطينية. إن غياب الدعم الإقليمي والعالمي لا يعني فقط معاناة فلسطينية، بل يعني بكل بساطة أن شعوب المنطقة يصعب أن تشعر بالأمان في ظل غياب الأمان بكل مفاهيمه عن الإنسان الفلسطيني.

يمكن القول اليوم، أن أزمة العالم الأحادي القطب ستعيد مفهوم المقاومة بقوة وبشكل متعدد الأشكال والميادين. فالولايات المتحدة التي تشكل القطب الأقوى ليست هي الأكثر تأهلا على الصعيدين الحضاري والحقوقي لضمان القيم التي أعطت للحضارة الغربية بريقها. في نفس الوقت، أعطى الحيز الحالي لدمقرطة المعلومات والمعارف لكوادر بلدان العالم القدرة على تجاوز العطاء الأمريكي، بالأخص في كل ما يتعلق بالإصلاح الأخلاقي والثقافي والاقتصادي للنظام العالمي القائم. الأمر الذي يعني ببساطة أن التزايد المضطرد للعنجهية الأمريكية من شأنه أن يعزز بشكل مضطرد أشكال المقاومة في الشمال والجنوب على حد سواء. تجلى هذا الأمر أكثر فأكثر بعد أحداث سبتمبر 2001 والأساليب التي اتبعتها الإدارة الأمريكية. أساليب كان من الواضح فيها غياب النضج والطابع الرد فعلي والتبسيط الفج واختصار العالم في فسطاطين: من ليس معنا فهو في معسكر الشر. من هنا مخاطر صدور أي قرار عن الأمم المتحدة حول حق المقاومة ضمن التصور الأمريكي للإرهاب. تصور يعطي الدولة كل حقوق إرهاب خصومها وأعدائها، ويحرم المجتمعات البشرية من مختلف أشكال مقاومتها للاحتلال والطغيان. إلا أننا نشهد اليوم الهزيمة الأخلاقية لهذه السياسة، ولو أن دواعيها السياسية والعسكرية لم ترتق بعد لمستوى الهزيمة. الأمر الذي يتجلى بالاستعمال الفائق للتقنيات العسكرية خارج أي ضابط أخلاقي أو قانوني من قبل الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية في العراق وفلسطين.

في تاريخ البشرية وحتى يومنا، كان الأقوى هو الذي يفرض قواعد الحرب والسلم. لكن أيضا وللأسف، طبائع البشر أثناء الحرب والسلم. بهذا المعنى، يبقى الأقوى المسؤول الأول عن البعد الأخلاقي للأشكال التي تأخذها المقاومة، باعتبار الظلم منتج أساسي للاعقلانية والحقد في العلاقات بين الإنسانية.

لقد تم إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما تقول ديباجته، “حتى لا يلجأ المرء آخر الأمر للتمرد”.

في كل اغتيال للحقوق الأولية للبشر، ينتفض حق المقاومة شامخا على لسان كل الأحرار والشرفاء الذين يدركون جيدا، أن إلغاء هذا الحق من قاموس حقوق الإنسان، يعني ليس فقط انتصارا للظلم والاستعباد، بل وبكل بساطة تأبيد الإرهاب.

——————————-

 28/6/2006

No Favorites Has Been Added!