September 22, 2017

العلاقة بين حرية الإعلام والرأي والتعبير وحقوق الإنسان

liberte-presse-medias-censureمحاضرة ألقيت في الدوحة في 25/10/2009 في ورشة عمل “حرية الرأي والتعبير في الدول العربية التي نظمتها اليونسكو مع اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان ومركز الدوحة لحرية الإعلام وقسم الحريات العامة وحقوق الإنسان في قناة الجزيرة.

توطئة

لم تكن فكرة الحق والمواطنة والعالمية في نشأتها في التاريخ البشري كلمات بريئة تماما. بل كانت في العديد من تعبيراتها الغطاء الإيديولوجي لأفعال قبيحة كالعبودية والتوسع والهيمنة والتمييز بين الإنسان والمواطن، بين النحن والآخر، بين الولادة والعمادة، وبين الكائن الطبيعي والكائن الثقافي. في حين كانت فكرة الإختيار ورفض الإجبار على الرأي منذ منطلقها الأول، في الكتابات التاريخية التي بحوزتنا، سواء كان ذلك في الفلسفة اليونانية أو القيم المسيحية الأولى أو القرآن الكريم، كانت أمثولة ومنطلق لتحديد حق الذات في التعبير وحق الآخر في الاختلاف. ولعلها أفضل ما اكتشف الإنسان لتخفيف وطأة العنف الداخلي فيه وعلى صعيد العلاقات بين الإنسانية.

هذا الحق، نراه يتسامى في حرية الاعتقاد، أي القيمة الأيمانية المعيارية الأولى في الإسلام: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”(يونس 99) ! هنا، علوية المشيئة الإلهية في قضية حرية الاعتقاد تقف في وجه ممارسة البشر لأي قمع أو منع في حرية الاعتقاد، وقد أكد القرآن المكي من 610 إلى 623 للميلاد على هذا المبدأ في عدة آيات. وقد بلغ موضوع حرية التعبير مداه الفكري في عصر التنوير مع صرخة خروج الإنسان من حالة القاصر.

أكدت الصراعات الفكرية الكبيرة في التاريخ العربي الإسلامي على قيمة الحرية عبر رباعية الاختيار والتسامح والإباحة وإعمال العقل، ورغم السلاسل التي أنتجتها السلطات الدنيوية والدينية، بقيت فكرة حق الإختيار أساسية في علم الكلام والتصوف وعند مؤسسي المدارس الفقهية الأساسية، يربط مسكويه في “تجارب الأمم” بين الاختيار والخير  يقول : “الاختيار اشتقاقه بحسب اللغة من الخير، أي فعل ما هو خير له: أما على الحقيقة، وإما بحسب ظنه، وإن لم يكن خيرا له بالحقيقة”. وفي بيان فضل الإختيار كتب الجاحظ في كتاب الحيوان: “متى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبت وتوقف وتعلم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب التبين ولا دفع مضرة ولا اجتناب منفعة ولا صبر على مكروه ولا شكر على محبوب ولا تفاضل في بيان ولا تنافس في درجة”. لأن الأصل في الناس الحرية، كما يقول السرخسي.

من التنوير إلى العالمية

رهان الحرية في الرأي والمعتقد بلغ مداه الذهني منذ جان جاك روسو وكتابات عصر التنوير الأولى، تسيير الذات وطاعة الشخص لقانونه الخاص وتصوره للعالم والأشياء أصبحت تشكل أساسا للحق الطبيعي. أما عمانوئيل كانت فاعتبر الحرية سبب الوجود وشرط القانون الأخلاقي، هذا القانون الذي يسمح لنا بالتعرف على الحرية. شبه فيكومت دو بونالد حرية التفكير بحرية دوران الدم واعتبر مبنى هذه الحرية في التفكير بصوت عال. أما سبينوزا فكثف الموضوع بجملته المأثورة: “الحرية هي نهاية الدولة”.

شكّل العقدان الأخيران من القرن الثامن عشر نقطة انطلاقة جديدة لحرية التعبير، فقد نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن في 1789 في مادته الحادية عشرة على أن “حرية نشر الأفكار والآراء حق من حقوق كل إنسان. فلكل إنسان أن يتكلم ويكتب وينشر آراءه بحرية. ولكن عليه عهدة ما يكتبه في المسائل التي ينص القانون عليها”. أما الدستور الأمريكي الذي أقر قبل عامين من هذا التاريخ (15 سبتمبر 1787) فقد طرأ عليه أول تعديل دستوري في 1791 أرخ لدخول ما يمكن تسميته القواعد فوق الدستورية supra constitutionality  حيث يمنع هذا التعديل الكونغرس من سن قوانين تعطي الأفضلية لدين أو تمنع دينا من التبشير أو تقيد من حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية المواطنين في الاجتماع السلمي وتوجيه العرائض والمطالب للدولة للتعويض على ما يصيبهم من ضرر”. وكأن النقاش منذ ذلك الوقت كان عالميا ولم يكن وحسب وطنيا، افترقت المدرسة الفرنسية عن هذا النهج بالتأكيد بعد عامين مع إقرار دستور 24 حزيران/يونيو 1793 الذي نص في المادة 24 على ما يلي: “للشعب دائما الحق في إعادة النظر، في إصلاح وفي تغيير الدستور. لا يحق لأي جيل أن يفرض قوانينه على الأجيال اللاحقة”. هذا الخلاف القديم على جانبي الأطلسي، ما زال حجر الرحى في طاحونة الأفكار والممارسات المحددة لسقف حرية الرأي والتعبير اليوم.

رغم أن حرية التعبير والإعلام والرأي مثبتة في كل مواثيق حقوق الإنسان منذ أكثر من عقدين من الزمن، إلا أن تعريفها ما زال من أكثر حقوق الناس ضبابية ونسبية. بل لعلها التجسيد الأكثر بروزا لدور الخصوصيات الثقافية في تحديد وقوننة حق من حقوق الإنسان.

لقد أجمعت العلوم الإنسانية على عمق هذا الحق في الطبيعة البشرية، باعتباره وسيلة سلمية لإخراج exteriorize  ما في الذات عبر الكلام أو الكتابة (ما يطلق عليه منصف المرزوقي الحرب الرمزية السلمية لاقتصاد العنف في العلاقات الإنسانية). بل اعتبرته أهم مدارس علم النفس تحرير ضروري لشئ من أعماق الإنسان. وإن توصل جمع من القوميات والمعتقدات شارك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948 إلى تثبيت هذا الحق بما يشمل اعتناق الآراء دون أي تدخل، والتماس الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة ودون تقيد بالحدود الجغرافية (المادة 19)، فإن العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عاد ووضع في 1966 جدارين حول المادة 19: الجدار الأول في المادة 18  حيث خضعت حرية الفرد في التعبير عن ديانته أو معتقداته للقيود المنصوص عليها في القانون والتي تستوجبها السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية، كذلك احترام حرية الآباء والأمهات والأوصياء القانونيين في التعليم الديني أو الأخلاقي تمشيا مع معتقدات الأهل. والجدار الثاني في المادة العشرين الذي منع بحكم القانون كل دعاية من أجل الحرب  وكل دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية من شأنها أن تشكل تحريضا على التمييز أو المعاداة أو العنف.

الصيغة العامة والقابلة للإحتواء والتوظيف في هاتين المادتين هي التي جعلت العديد من التيارات الفكرية والسياسية تطرح السؤال مع حركة الطلبة والشبيبة في 1968: هل يجب منع أي منع؟

 Faut-il interdire d’interdire ?

لا خلاف على مأثورة جان بول سارتر: “العنصرية ليست وجهة نظر”، كذلك لا يمكن اعتبار عملية تلبيس دين أو معتقد ثياب الإرهاب مجرد تأملات فكرية لشاعر عبثي. فعلى صعيد الممارسة وللأسف، ما يحدث هو إدانة حرب الآخر والتمجيد بالحرب المعلنة ذاتيا باسم الدفاع عن الذات أو الاستباق، ولو كانت عدوانا خارجا عن الشرعية الدولية. ما يحدث هو تجريم عنصرية المختلف وإطلاق الحرية بكل ما يتعلق بازدراء الثقافة والممارسة الغيرية. ما يحدث هو رفض تعبير مثل الإسلاموفوبيا من نخبة ثقافية لا تقبل المسلم إلا منزوعا من ثوبه الثقافي والاعتقادي. بل ويمكن أن يذهب المرء أبعد من ذلك فيقول: نلحظ في معظم الحالات التي نتابعها إخضاع قضية التحديد والتقييد لكل الممنوعات الدينية والإيديولوجية والمحظورات السياسية أكثر منه احترام حرية الرأي والإعلام والتعبير؟ وما يزيد الطين بلة، أن الفضاء الإعلامي فضاء سريع وسطحي، ويمكن لأي كاتب أو سياسي ديماغوجي أن يمرر خلائط سيميائية بوصفها معادلات كيميائية ثابتة ومن هنا يأتي الخطر الكبير على المجتمع المشهدي الذي نعيش فيه: من المحزن أن فضاء الإعلام والتواصل بتعبيراته الحالية ليس المنتج الأهم للمواطن-الحكيم.

لقد أعطتنا حادثة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة أمثولة معبرة عن كيفية المشاركة في مشهد صراعي بين ثقافتين: لم يكن كل من خاض الصراع مستحقا للاحترام، ولم يكن كل من سعى للحوار بريئا… وقد فتحت القضية الأعين على حشد ضخم من التراجعات والإحباطات والخدع التي جعلت الشك يتحول إلى قيمة سلبية سائدة في عالم أصبح التدخل فيه عدوان على الحق في الاختيار، والحق في التكوين الذاتي للشخصية، والحق في تقرير المصير الفردي والجماعي، والحق في استعمال التقنيات الحديثة من دون رقيب يتابعنا حتى في السيارة الخاصة التي كان الرادار يكتفي بتسجيل رقمها فصار يصّور من فيها. وأخيرا وليس آخرا، الحق في المشاركة في صنع العالم. هذه الحقوق التي ضربها مفهوم مختزل وفوقي للتدخل يسمح لنفسه بإعادة رسم ثقافة الآخر ومكانه من خارجه ومن فوق رأسه. وفوق كل هذا يحتكر فيه امتياز «القدرة» على تقدير الأشياء وتحديد المواقف ورسم معالم ومعايير الخير والشر. وهو بذلك يخلق لا محالة إحساسا متصاعدا بالإحباط والريبة بل الخوف من الآخر، خوف يختلط فيه العقلاني بالانفعالي لتضيع الحدود بين مجرد الحذر ومشاعر الحقد.

لا يوجد فتوى تقول بأن الحجة الأكثر قدرة على الإقناع هي الأصح، كذلك لا يمكن الإنطلاق من بذاءة شارلي هيبدو في دعواتها الحاقدة على المسيحيين  أو ميشيل هويلبيك في مشاهد الكاريكاتيرية والشتائمية بحق المسلمين للحديث عن قمع لحرية التعبير، ولو أن الجبهة الوطنية المتطرفة هي التي أثارت القضية في الحالة الأولى، فلسنا أمام فولتير ونيتشه وأوسكار بانيزا، كما أننا لسنا أمام لزوميات المعري ورباعيات الخيام. فالنقد الكبير يأخذ مكانه ولو كان قاسيا على المشاعر، في حين لا يمكن اعتبار التحريض من أجل التحريض وسيلة حوار أو نقاش أو نقد متبادل بين الثقافات. من هنا هوامش النسبية الواسعة في قضايا حرية التعبير التي تشمل حرية الصحافة والطباعة والإبداع والتعبير الفني والإعلام السمعي البصري. وهنا يمكن الحديث 

أولا، عن حدود طبيعية، فحرية الإختيار الكاملة وحرية الإرادة التي يتحدث عنها ديكارت تخضع في الوعي أو اللا وعي لنوع من الرقابة الذاتية، هذه الرقابة ليست بالضرورة ابنة ثقافة خوف بقدر ما هي ذات طابع نفسي اجتماعي ذاتي عميق يختلف بين شخص وآخر.

ثانيا، عن الحدود القضائية والسياسية. فرغم كل التقدم الذي أحرزته المواثيق الدولية والإلتزامات الإقليمية والدساتير الوطنية، كل حرية صحافة أو رأي هي حرية مقوننة، أي مقيدة بنصوص قانونية. فالشتم والقذف والثلم والتعرض للشرف والسلامة الأخلاقية مسائل يعاقب عليها القانون.

وثالثا، عن القواعد المتبعة في بلد محدد كالإمتناع عن التبشير في أجهزة دولة بلد علماني أو الدعوة إلى الإلحاد في دولة دينية إضافة للمحرمات (التابو) الثقافية في زمان ومكان محددين.

يحاول جون ستوارت ميل Mill الدفاع عن ضرورة الإستماع إلى الرأي الآخر دون أي خوف بالقول: “الحرية الكاملة في معارضة ونقض رأيي هي الشرط الذي يَفترض إيصال الحقيقة للشاطئ الآخر. هنا يكمن الأسلوب العقلاني الوحيد المعطى لكائن إنساني للتأكد من أنه في الصواب”. إلا أن هذه المقاربة يواجهها كل أنصار الربط الضروري بين الحرية والمسؤولية، بين الحق والواجب. ونعود لفكرة النمو الإعلامي غير المتكافئ لنتحدث عن مظالم بنيوية في التعريف بالرأي الآخر وثقافة الآخر، تربط بشكل عضوي بين حرية التعبير والحريات والحقوق الأساسية الأخرى.

في دراسته حول “الحكم الأخلاقي عند الطفل” (1932)، يقول عالم النفس بياجيه Piaget : “النمو الطبيعي يتطلب تفاعلات interactions بين شركاء متساوين”. المساواة بين النظائر عنصر اتزان وتقدم، والتفاعل بين النظائر في الحياة البشرية هو المحرك الأساسي للنمو الأخلاقي. فحرية التعبير ليست فقط في القدرة على الكلام، بل أيضا في الشعور بأن التفاوت الهائل بين القدرات التقنية والإعلامية والمالية بين وكالة الأنباء الكوبية ووكالة الأنباء الفرنسية، تجعلنا نضع تعبير “السلطة الرابعة” بين قوسين قبل الحديث عن إعلام محدود التأثير والفعل. فبقدر ما يشكل غياب المساواة في الفرص والإمكانيات مصدر اضطراب في ممارسة الحق الطبيعي في التعبير عن الرأي، بقدر ما تصبح حرية التعبير، خاصة داخل المجتمع نفسه، شكلية ومحدودة، إن لم نقل مدهوسة تحت أقدام موازين قوى تتجاوزها تماما. هذه المساواة المؤسسية بين النظائر تواكبها وتسير معها مساواة بين منظومات القيم نحن بأمس الحاجة للدفاع عنها.

في 1993، صوتت لجنة حقوق الإنسان في جنيف على تسمية مقرر خاص لتعزيز وحماية حق وحرية التعبير والرأي في العالم. وكانت صلاحيات المقرر متقدمة نسبة لدور أي مقرر خاص. في 2008 تم التصويت في مجلس حقوق الإنسان على إضافة تفويض للمقرر يتعلق بالإساءات التي يتعرض لها دين. في العالم الإسلامي اعتبر هذا القرار انتصارا للمسلمين، في حين اعتبر الأمر تراجعا في الحريات في الدول الغربية. مثلٌ جديد على اختلاف الرؤية والترجمة لمفهوم أساسي من مفاهيم حقوق الإنسان، فهل نعود إلى الفلسفة التي كانت تحدثنا عن الحرية والضرورة لفهم العلاقة بين الحق والحرية والمسؤولية؟

يقول الفيلسوف الألماني شلنغ: ” يجب أن تكون الضرورة في الحرية، أي أن تكون في حريتي، فمازلت أعتقد بأنني أتصرف بحرية، فإن هذا ينتج في اللا وعي، أي دون مشاركتي، شئ ما لا استبق حضوره. بتعبير آخر: كل نشاط واع وحر، يعارضه نشاط غير واع، بحيث يضاف  نشاط غير واع إلى التعبير الخارجي الأكثر انعتاقا حول الحرية، وبدون أن يعي صاحب الفعل ذلك، ودون رغبة له بحيث أن النتيجة لا تعبر أبدا عما أراد”.

لعل هذا التصور الفلسفي للعلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية يرفع عنا أعباء القيود التي تتكاثر يوما بعد يوم، وتعيدنا إلى وضع نحن بأمس الحاجة فيه لنسيان الرقابة، ذاتية كانت أم قانونية.

——————— 

هيثم مناع: درس الطب والعلوم الاجتماعية والقانون، مؤلف أكثر من ثلاثين كتابا منها مستقبل حقوق الإنسان وموسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، رئيس المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية، المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان، منسق التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب ورئيس المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان.

No Favorites Has Been Added!