June 23, 2017

مترتبات السياسة الأميركية في حقوق الإنسان على الأوضاع العربية

usgليس من السهل التعرض لهذا الموضوع في الظروف الطارئة والأوضاع الساخنة مع تعايش هاجسي الموضوعية والالتزام الحقوقي، ولكنني أصبحت أتساءل، هل بوسعنا اليوم البقاء في عالمنا وعدم الاضطرار باستمرار لخوض هذه المغامرة خاصة كلما سنحت الفرصة للتفاعل والتفكير الجماعي بصوت عال للتمكن من مواكبة حقبة تعتبر من قيمها جنون السرعة ؟ لقد أصبح الحق في التأمل من أكثر حقوق الإنسان الفكرية انتهاكا. وليس من السهل استقراء واحد من أهم التحديات التي تعيشها حركتنا السياسية والحقوقية بآن معا ونحن داخل الوعاء الذي تطبخ فيه وهي تطبخ فيه، أي فوق النار. لكن هل بالإمكان فعل شئ قادر على التأثير دون تتبع جدل العلاقة بين الداخل والخارج، المهيمن والمهيمن عليه، السيادة الوطنية والسيادة الأمريكية وأخيرا وليس آخرا، تزعزع منظومة الأمم المتحدة بتعبيريها الجيو سياسي (مجلس الأمن) والحقوقي الأخلاقي (جملة الاتفاقيات والإعلانات وقواعد العمل التي تسعى لتحجيم البربرية في الوجود الإنساني)سأحاول تناول الموضوع في مثلث غير متساوي الأضلاع يتعرض سريعا لحقوق الإنسان في الثقافة السياسية الأمريكية أولا، ثم يتناول الاتجاهات القومية الجديدة وتأثيرها على هذه السياسة في قضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية وأخيرا  تتبع مترتبات هذه السياسة على الأوضاع العالمية بشكل عام والعربية بشكل خاص.

 حقوق الإنسان في الثقافة السياسية الأمريكية

 في عام 1864، هنأ كارل ماركس باسم الأممية الأولى (التي تشكلت في العام نفسه)، الرئيس الأمريكي ابراهام لنكولن بمناسبة إعادة انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، فتلقى الجواب التالي من شارل آدم سميث، وكان حينها وزيرا في حكومة لنكولن: “إن حكومة الولايات المتحدة مدركة تمام الإدراك أن سياستها ليست سياسة رجعية ويجب ألا تكون أبدا كذلك. بيد أن علينا المحافظة على توجهنا الثابت، أي الامتناع عن أي دعاية أو تدخل غير شرعي في الخارج. فمبادئنا تفرض علينا تطبيق العدالة نفسها على جميع البشر وجميع الدول، وإننا نراهن على فوائد جهودنا للحصول على دعم مواطنينا وعلى احترام العالم أجمع وصداقته”(1).

لم يكن هذا النص من وحي الخيال الرومنسي وحده، فرغم تجاهل إعلان الاستقلال الواضح لحقوق العبيد السود والهنود الحمر، إلا أن فلسفته المركزية كانت تعتمد على تفكيك فكرة الهيمنة ومشروعية سيطرة دولة على شعب خارج حدودها، وقد شكل هذا النَفَس الراديكالي فيه بالتأكيد، خطوة جبارة نسبة للتراث البريطاني الحقوقي. إلا أن الصراع بين الحس العملي الأمريكي الفظ والمثالية البلاغية كان باستمرار عنصرا ديناميا هاما في رسم صورة السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة وأن هذا الجهاز المتوجه للعالم، كان بحاجة إلى خطاب إيديولوجي في قرن الإيديولوجية بامتياز، القرن الماضي. ولعل أولى ضحايا فكرة الهيمنة في الإمبراطورية الناشئة، هم سكان البلاد الأصليين والسود واللاتينيين بدءا بالجارة المكسيكية، التي شارك لنكولن في محاربتها.

هل يمكننا اختزال الموضوع في التناقض المزمن في الشخصية الأمريكية الذي اعتمد الفرنسي توكفيل عليه في نقده للنموذج الأمريكي للديمقراطية؟ أم هي الجمهورية التجارية التي أدانها توماس جيفرسون إبان وفاته؟ كل ما يمكننا قوله، بعيدا عن التعميمات، أن الجمع بين الليبرالية الاقتصادية المتميزة بوتيرة تصنيع عالية، والليبرالية السياسية الخاضعة لعملية تشكل أمة بهذا المزيج العجائبي مع ذاك الستار المخملي البروتستنتي الضروري للتذكير بالروح كلما انحسرت آثارها بجملة “بالله نؤمن” المتربعة على الورقة الخضراء، كل هذه العوامل قد أصّلت لفكرة تفوق الأنموذج واقتناع أهله بأن العالم سيضطر بالضرورة لأن يجعل منه قدوة. وكما تعلمنا في علم النفس الاجتماعي وعلم التاريخ، نادرا ما لا يشعر المتفوق بأنه على حق بامتياز. الأمر الذي سمح بإحساس الحكومات الأمريكية المتتابعة، بواجب التدخل من أجل تحرير الآخر من تأخره ومفاسده. لعل افتعال الحرب الكولومبية في 1903 لإنشاء بنما يعطي المثل على الجذور الأولى لفكرة الحق في التصرف في مفهوم السيادة الوطنية للآخرين. وكما يعطي الفرنسي جول فيري الأب الروحي للتعليم المجاني والعلماني في فرنسا مثلا لذلك الشعور (المفيد للآخر من جراء استعمار دولة غربية له)، نلاحظ أنه حتى كارل ماركس لم يستطع أن يبصر النتائج الكارثية للاستعمار الفرنسي في الجزائر. لذا ليس من الغرابة أن تكون حقبة الإصلاحي الديمقراطي وودرو ويلسون حقبة التدخل الكثيف في أمريكا اللاتينية.

رغم تفوقها، رفضت الحكومات الأمريكية المتتابعة العمل مع الآخرين إلا على نظم السرعة المحلية لمواطنيها وتجمعات الضغط الاقتصادية والبشرية الهامة فيها. من هنا تأخرها في إدانة التمييز العنصري  وقبول بعض الحقوق المدنية وعجزها حتى اليوم عن التعامل مع فكرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وفشلها في الخوض الجدي في إغناء الحقوق الثقافية. ينقل ناعوم شومسكي رأي السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة جان كيركباتريك Jeane Kirkpatrick من هذه الحقوق: “هذه الحقوق هي رسالة من بابا نويل.. فلا الطبيعة ولا التجربة ولا الاحتمالات تدعم هذه القائمة من الحقوق التي لا ترضخ لأي ناظم باستثناء الروح والشهية عند من يدافع عنها”(2). المعركة نفسها خاضها السفير الأمريكي موريس أبرام Morris Abram الذي يرفض كلمة حق التنمية ويصر على أن كل ما يتعلق بها من التفاهة بشكل ينتج الضرر على صعيد الأفراد والجماعات(3). ومعروفة المواقف المتصلبة للإدارات الأمريكية المتعاقبة من اتفاقيات حماية البيئة.

إلا أن المشكلة المركزية بالنسبة لنا كمدافعين عن حقوق الإنسان تكمن برأيي في مخاطر هدم عملية بناء عالمية الحقوق عبر خنق الانتقال التاريخي من السيادة الوطنية إلى السيادة الحقوقية الذي بدأ منذ عام 1948 مع الإعلان العالمي وتأصل أكثر في أشكال المراقبة والمحاسبة الدوليين في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في الستينات والمحاسبة في قضايا التعذيب والمعاملة اللا إنسانية أو المشينة وأخيرا في الجرائم الكبرى مع ولادة المحكمة الجنائية الدولية. كل الخطر هو في تحطيم هذه الانجازات واستبدال الطفولة العالمية الغضة العود بالجبروت الأمريكي، أي الانتقال المشوه من السيادة الوطنية إلى الهيمنة الأمريكية. وموقف الإدارة الأمريكية الحالي ومعظم أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ يصب في هذا الاتجاه. وإن كان الإعلان الرئاسي في سبتمبر قلما استوقف الرأي العام بل وأصبح البعض يقارنه بخطابات رؤساء الدول التسلطية. فإن استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية الصادرة في سبتمبر من هذا العام  قد تطلبت منا دراسة متأنية ودقيقة كونها تقول بصريح العبارة لكل المدافعين عن كون الناس سواسية كأسنان المشط: لا يولد الناس أحرارا ومتساوين في الحقوق ويبقى للأمريكي منهم ما ليس لغيره:

 We will take the actions necessary to ensure that our efforts to meet our global security commitments and protect Americans are not impaired by the potential for investigations, inquiry, or prosecution by the International Criminal Court (4)

 الإدارة الأمريكية وحقوق الإنسان

ليست الغاية في هذه الفقرة رصد انتهاكات الإدارة الأمريكية الحالية لحقوق الإنسان داخل وخارج أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. فثمة منظمات غير حكومية (أمريكية ودولية) لحقوق الإنسان قامت وتقوم بهذه المهمة باختصاص ومهنية يشهد لها بها أي مراقب موضوعي. إنما الغاية هي تتبع ما نسميه بالاتجاهات القومية الجديدة New National Tendencies التي بدأت بالتنامي في الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط جدران برلين ودخول عصر العولمة الأحادية القطب وتأثيرها على السياسة الأمريكية في قضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

إن كان كاتب السطور شاهدا مباشرا على العديد من مواقف الحكومة الأمريكية في محافل حقوق الإنسان الأممية، فمرتكزنا الأساسي هنا هو تتبع كتابات أهم صانعي القرار في الفريق الحالي المحيط بالرئيس جورج  بوش الابن. سيلاحظ القارئ أن هناك تغييبا متعمدا لموقف وزير الخارجية الحالي كولن باول في سياق التحليل، لاعتقادنا بأن ما يعرف بالصقور يحاول منذ سنوات بلورة سياسة أمريكية جديدة “تحقق اللقاء بين القرن التاسع عشر والقرن الواحد والعشرين” (باستعارة تعبير دونالد رامسفيلد)(5). أي تعود بنا إلى ما كان يعرف بالنظام البريطانيl’ordre britannique في ثوب أمريكي. وعندما نتحدث عن القرن التاسع عشر، إنما يجري الحديث عن الاستعمار الغربي المباشر وغياب ثنائية القطب في النظام الاقتصادي والسياسي.

لم يكن بإمكان أطروحات كهذه أن تنال شعبية كبيرة في بلد لم تحرره حربي الخليج والكوسوفو تماما من تناذر حرب فيتنام. ولم يكن من الممكن أن يتحول الخطاب العسكري، المطالب بأكثر من حرب في وقت واحد، إلى خطاب مسموع عند الأمريكي المتوسط، دون حالة الاستنفار الناجمة عن مأساة الحادي عشر من سبتمبر. فإيديولوجيات الطوارئ تصبح، كما هو معلوم، ذات شعبية في الأوضاع الطارئة. كما وأن هذه الأحداث قد تركت بصماتها أيضا على التوازن بين ما يعرف بالصقور والحمائم في إدارة بوش. بحيث يصبح رأي كولن باول (الأقل إيديولوجية والأكثر دبلوماسية) ذو حظوة بالاستماع إليه في حال وجود ضغط فعلي على الصقور من الداخل أو الخارج أو كلاهما. أو في حال فشل الصقور في إحدى مغامرات استعراض القوة التي تشكل أساس تعريفهم الجديد للمصلحة القومية(National Interest).

 بعد تراجع فلسفة جان فوستر دالاس لمواجهة الشيوعية بالتبشير المسيحي، التي عبر عنها في كتابه “حرب أم سلام”، بدأت فكرة الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية في مواجهة الأنموذج السوفييتي تنال انتسابا في الأوساط الجمهورية والديمقراطية سواء بسواء. ولا شك بأن حركة الحقوق المدنية داخل الولايات المتحدة نفسها قد عززت هذا التوجه. منذ توقيع 35 دولة أوربية وشمال أمريكية لاتفاقية هلسنكي عام 1975، ركزت الولايات المتحدة، على الأقل في البلدان الواقعة تحت النفوذ السوفييتي، على موضوعة احترام الحقوق المدنية والسياسية. ذلك، باعتبارها أحد رباعي أجندة كلاسيكية معلنة للخارجية الأمريكية في السبعينات والثمانينات قوامها: وقف سباق التسلح، تشجيع اقتصاد السوق، ضبط الصراعات الإقليمية وحقوق الإنسان. لكن بقيت السياسة الأمريكية على موقفها السلبي من كل ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وكذلك الحق في التنمية. لم يغير الرئيس جيمي كارتر في المفهوم الأمريكي الرسمي الضيق لحقوق الإنسان الذي يركّز على الحقوق المدنية والسياسية والحريات الفردية. وبقيت سياسة الولايات المتحدة، سواء في العقوبات أو الضغوط، مرتبطة مباشرة بالتحالفات والعداوات الجيوسياسية والاقتصادية.

يمكن القول دون مبالغة، أن الانهيار السريع للاتحاد السوفييتي قد باغت الجميع بما فيه معاهد العلوم السياسية الأمريكية المعروفة بطابعها البراغماتي والتصاقها بالأحداث. لقد احتاج الأمر لعدة سنوات قبل أن تبدأ بالتشكل أطروحات جديدة تنطلق من التكوين الاستراتيجي الجديد للعالم. ثم بدأ النقاش في ظل ولاية الرئيس بيل كلينتون، حيث طرح العديد من أكاديميي الحزب الديمقراطي (مثل جوزيف ناي الابن) فكرة ضرورة إعادة تعريف المصلحة القومية(6). لقد كانت هذه الفترة مخبرا للمعارضة الجمهورية التي سعت عبر نقدها للإدارة الديمقراطية إلى تكوين مواقف جديدة تنسجم مع الوضع العالمي الجديد.

يمكن القول أن معظم الأطروحات الجديدة قد سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر(أيلول) 2001. عبرت عن العديد منها كوندوليزا رايس أثناء الحملة الانتخابية عام 2000، حين كانت مستشارة السياسة الخارجية للمرشح الجمهوري بوش. ففي مقالة نشرتها مجلة  (Foreign Affairs) في عددها الصادر في يناير-فبراير 2000، تؤكد مستشارة الأمن القومي الحالية على ضرورة تجاوز الأسس القديمة للسياسة الأمريكية الخارجية بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

تنتقد السيدة رايس من يعتقد بضرورة قراءة المصلحة القومية عبر مشارب القانون الدولي ومنظمات كالأمم المتحدة، وتوضح أنها ليست ضد “المصلحة الإنسانية”، لكن تضعها في الصف الثاني بعد المصلحة القومية. فكون المصلحة القومية للولايات المتحدة الأمريكية تخلق الظروف لتشجيع الحريات وحركة السوق والسلام، من المفترض أن تعطى الأولوية. على هذا الأساس “لا يمكن للاتفاقيات والهيئات المتعددة الأطراف أن تكون غاية في ذاتها، فمصلحة الولايات المتحدة تقوم على تحالفات قوية يمكن تعزيزها داخل الأمم المتحدة أو في غيرها من المنظمات المتعددة الأطراف، كما يمكن أن يحدث ذلك عبر اتفاقيات دولية متقنة الصنع”(7).

هذه “المرونة” في التصور السياسي تشكل خطرا مباشرا على ما يعرف بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان. فهي تهمّش العمل الجماعي في الأمم المتحدة الذي يهدف، من حيث المبدأ، لتحقيق الأمن والسلام المشترك بين الأمم، استنادا إلى ميثاق عالمي. فيما يجد ترجمته العملية بمأثورة السيدة رايس: “ليس من القيادة، كما أنه ليس بالموقف الإنعزالي القول بأن للولايات المتحدة الأمريكية دور خاص في العالم، ولذا ليس من واجبها أن تنتسب لأية اتفاقية أو معاهدة دولية تقترح عليها”(8).

هذا التملص المسبق من أي التزام بالمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والبيئة والقانون الدولي، عنصر مشترك في السياسة الأمريكية منذ أكثر من عقدين من الزمن. لكنه لم يكن يطرح بهذا الشكل الفج الذي يعطي الولايات المتحدة صفة خاصة تعفيها من التزاماتها الدولية. إن بذلك ما يساعدنا على فهم رد اليمين الصهيوني في أوربة على من انتقد جملة آرييل شارون “يحق لإسرائيل محاكمة من تشاء ولا يحق لأحد محاكمة إسرائيل أو الشعب اليهودي”، بالقول: “نحن نعيش في حقبة المصلحة القومية للأقوى ليس فقط في إسرائيل بل على الصعيد العالمي”. بالتأكيد، هذه الفلسفة تزرع الأسس النظرية-السياسية لضرب المكتسبات العالمية لحقوق الإنسان عبر رؤية شوفينية ضيقة.

تكمن نقطة الانطلاق في الأطروحات القومية الجديدة في الولايات المتحدة في عملية قلب المبدأ الذي ساد عشية العاشر من ديسمبر 1948 (عالمية حقوق الإنسان) رأسا على عقب، بما تلخصه كوندوليزا رايس بالقول: “القيم الأمريكية قيم عالمية، يستطيع الشعب أن يقول ما يفكر به، أن يعتقد بما يشاء وأن ينتخب من يحكمه؛ إن انتصار هذه القيم يكون بالتأكيد أسهل إذا كان ميزان القوى في صالح من يؤمن بها”. (9)

لكن تصدير القيم الأمريكية لا يمكن أن يكون عبر الثقافة أو الإعلام أو العمل الإنساني، وإنما بشكل أساسي عبر النظرة القومية للاقتصاد والمؤسسة العسكرية والعلاقة بينهما. في تصور كهذا تصبح حقوق الإنسان بالتعريف الأمريكي الرسمي محصلة لسيادة الاقتصاد الأمريكي والقوة العسكرية الأمريكية الرادعة. تعبر رايس عن هذا بالقول: “إن السياسات الاقتصادية العالمية التي تشكل رافعة لتقدم الاقتصاد الأمريكي وتوسع التجارة الحرة تعتبر أدوات أساسية في تحديد السياسات الدولية. إنها تسمح لنا بالوصول إلى دول متنوعة مثل الهند أو جنوب إفريقيا وبدفع جيراننا في النصف الغربي من الكرة الأرضية نحو مصلحتنا المشتركة في الازدهار الاقتصادي. إن توسع طبقة أصحاب الأعمال عبر العالم يشكل مصدر قوة لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الفردية، ويجب أن يتم فهمه واستعماله على هذا الأساس. إن كون السلام هو الشرط الأهم لاستمرار الازدهار والحرية فذلك يتطلب ضمان القوة العسكرية الأمريكية، والولايات المتحدة هي الضامن الوحيد للسلام الشامل والاستقرار. إن أي إهمال للقوات المسلحة الأمريكية يمس في قدرتها على بقاء السلام”(10).

هذه النظرة القومية الجديدة تتعامل بشكل أوضح مع أطروحة “التدخل الإنساني” الرائجة عند بعض المنظمات الإنسانية الشمالية بإعادتها لحظيرة المصلحة الاستراتيجية. فالعمل الإنساني، حسب تعبير السيدة رايس، “نادرا ما يكون إنسانيا”. في هذا التصور المسبق لأي عمل إنساني باعتباره عملا موظفا من قبل أصحابه لغايات محددة مسبقة، نفهم نظرة الشك والريبة في التعامل مع المنظمات الإنسانية غير الأمريكية. هذه المنظمات، إن لم تكن في خدمة الإدارة الأمريكية أو في فضاء يسمح بمعرفة تكوينها ووظيفتها وغاياتها، فهي بالضرورة تعمل لأطراف غير أمريكية، إن لم نقل معادية للمصالح الأمريكية (كما يفضل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد).

في إطار تحديد تعريفها للمصلحة القومية، تؤكد السيدة رايس على أن مفهوم الحد من التسلح ينتمي لمرحلة الحرب الباردة. بالتالي، من المفترض تجاوزه إلى مفهوم يؤكد على ضرورة اختراع أسلحة جديدة وبشكل دائم، فيما يضمن للولايات المتحدة هيمنتها العسكرية الحالية. أما بالنسبة للأعداء، فقد أعطت حرب الكوسوفو برأيها درسا هاما مفاده: “أن القوى الصغرى التي تخسر كل شئ أكثر عنادا من القوى الكبرى التي يشكل الصراع بالنسبة لها واحدة من مشاكلها. من هنا ضرورة التركيز على هذه القوى الصغيرة لأن خطرها أكبر”. (في رد على أطروحة لأكاديميين من الحزب الديمقراطي، تصنف مناطق الخطر على المصلحة القومية إلى آ (الاتحاد السوفييتي) و ب (العراق وكوريا الشمالية)  و ج (مناطق التوتر في العالم كرواندا والكوسوفو).

ضمن نفس التوجه، نتابع كتابات هنري كيسينغر، الذي سبق رايس واحتل منصبها الحالي في حقبة الحرب الباردة. ففي دراسة له بعنوان “المأزق المستور للاختصاص الجنائي الدوليUniversal jurisdiction، وفي نفس المجلة (عدد يوليو-أغسطس 2001) يحذر المسؤول الأمريكي السابق مما يسميه “خطر الطغيان القضائي” : “إن الخطر يكمن في وضع طغيان القضاة مكان طغيان الحكومات. فتاريخيا، أدت دكتاتورية أصحاب الفضيلة إلى محاكم التفتيش ومطاردة وتعذيب المشعوذات”(11). بصراحة واضحة يتحدث هنري كيسنغر عن عداء صانعي القرار في الولايات المتحدة للمحكمة الجنائية الدولية. إنه يعيد إلى الأذهان أن حقوق الإنسان سلاح سياسي وليس مبادئ يدافع عنها محبة بها: “بوصفي أحد المشاركين الأساسيين في مباحثات النص النهائي لمؤتمر هلسنكي، أستطيع التأكيد بأن الإدارة الأمريكية التي مثلتها، كانت تعتبر الوثيقة، في المقام الأول، سلاحا ديبلوماسيا لمحاربة الشيوعيين”(12).

بعد شن هجوم حاد على نضال المنظمات غير الحكومية من أجل تعزيز الاختصاص الجنائي الدولي وقيام المحكمة الجنائية الدولية، يصر الدكتور كيسنجر على رفض هذه المحكمة بنظامها الأساسي الحالي مطالبا بتعديله. بانتظار ذلك، يقترح على مجلس الأمن تشكيل لجنة لحقوق الإنسان، ثم الطلب للحكومة المعنية بموضوع المحاسبة أن تقوم بها. وفي حال استحالة ذلك، تشكيل محكمة جنائية محدودة الموضوع والزمان ad hoc. بتعبير آخر، إبقاء كل من ارتكب أو يرتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية من مواطني الولايات المتحدة الأمريكية موضوع نقاش قومي داخلي. فيما يحمي السيد كيسنغر وقائمة هامة من المسؤولين الأمريكيين من موضوعة الحساب في نطاق القانون الجنائي الدولي.

يتابع دونالد رامسفلد، في مداخلاته الصحفية ومقالاته المنشورة بعد الحادي عشر من سبتمبر منطق القوة بتعبيريها العسكري والاقتصادي لتأكيد الهيمنة الأمريكية على العالم. ولتفسير سياسته المطالبة بتصعيد كبير في برنامج التحديث وتعزيز القدرات العسكرية الأمريكية في الأعوام الخمسة القادمة، يركز وزير الدفاع الحالي على موضوعتي الخوف من عدو مجهول والتفوق العسكري كحل وحيد لمواجهته. فيقول في عدد آخر من المجلة المذكورة أعلاه (مايو-يونيو 2002)، في مقالة حول التحولات العسكرية: “إن التحدي الذي يواجهنا في القرن الجديد تحد مختلف: علينا الدفاع عن أمتنا ضد المجهول، غير المعلوم، غير المرئي، وغير المتوقع. يمكن أن يبدو ذلك مهمة مستحيلة، لكن ليس هذا هو الحال. للقيام بها، علينا أن نضع جانبا الطرق المريحة للتفكير والتخطيط –أن نأخذ المخاطر ونجرب أشياء جديدة- هكذا يمكننا مواجهة وهزيمة الخصوم الذين لم يبرزوا بعد ليتحدونا”.(13)

يلاحظ من التداخل بين تضخيم قدرات العدو وخطاب عنجهية القوة سعي وزير الدفاع إلى تضخيم موازنة الدفاع بشكل هائل. فهو يطالب بزيادة قدرها 47 بالمئة في مخصصات الدفاع الداخلية ووراء البحار، زيادة تبلغ 157 بالمئة لحرمان العدو من الملجأ الآمن، 21 بالمئة لمؤازرة البرامج البعيدة المدى في مناطق معادية، 125 بالمئة لبرامج امتلاك التقنيات المتقدمة، 28 بالمئة لبرامج مهاجمة شبكات المعلومات المعادية، وأخيرا 145 بالمئة لبرامج تعزيز القدرة العسكرية للولايات المتحدة في الفضاء.(14)

ترد كلمة حقوق الإنسان عند رامسفيلد عند الحديث عن أفغانستان في ظل طالبان، حيث يروق له الاستشهاد بتقرير منظمة العفو الدولية وتقرير منظمة هيومان رايتس وتش الأمريكية لعام 2001. أما بالنسبة لتوقيف قرابة 2450 شخصا بمساعدة 90 دولة، في أقل من عام على حوادث سبتمبر، وبقاء 660 شخصا منهم في المعتقلات وفي ظروف تحقيق استثنائية (وفق احصائيات البنتاغون)، فهذا أمر تقدره الحكومات المعنية بالأمر.  يقدر البنتاغون عدد المعتقلين في أفغانستان بقرابة 7500 معتقل من أربعين جنسية ولا يعطي أرقاما بالمفقودين، (الأمر الذي لا يشمل معتقلي غوانتانامو).

بقدر ما نرصد من إحصاءات دقيقة في شأن تطوير القدرة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، بقدر ما يتحول الخطاب إلى غامض وعام في كل ما يتعلق بضحايا الحملات العسكرية الأمريكية من المدنيين. ويتساءل دونالد رامسفلد: “هل يمكن العثور على طريقة ما عبر الوكالة الدولية للتنمية لتقديم المساعدة إلى الجماعات التي كانت بالخطأ ضحية كوارث تسببت بها القوات الأمريكية”(15)؟

هنا، الخبير في شؤون تحديث القدرات العسكرية للولايات المتحدة لا يعطي الجواب؟

يبقى أن الخطوط الأساسية لسياسة الرئيس جورج بوش الابن تجاه الآخر يمكن أن تندمج في تكثيف جورج شولتز لها بأربع نقاط نعرضها كالتالي:

–       –   نحن في حالة حرب ضد الإرهاب

–       –   عدونا ليس الإرهاب وحده وإنما حامله وبائعه ومروجه وشاربه ومطعمه الخ

–       –   الإرهاب هو الإرهاب بوجود أو عدم وجود قضايا مشروعة.

–   –   علينا أن نتذكر تراثنا، من نحن وكيف ولدت جزيرة الحرية التي نعيش فيها: عبقرية اليانكي الجسور الذي لا يقهر ولا يعرف الكلل:

The Yankee ingenuity… Indefatigable, Intrepid and Indomitable (16)

 مترتبات السياسة الأمريكية على الأوضاع العربية

 هذا التصور والممارسة من القوة الأعظم في العالم اليوم، سيتركان أثرهما دون شك على صعيد التكوين المجتمعي العربي، أولويات الصراع الاجتماعي-السياسي والقدرة على امتلاك هامش للمبادرة والدينامية على صعيدي الدولة والمجتمع، وأخيرا وليس آخرا، المستقبل الجيو سياسي والحقوقي لهذا الجزء من العالم.

إن أية حالة حرب في زمن العولمة، تعني أن الأثر لا يمكن أن ينحسر بحدود الأطراف المشاركة. فسواء كانت الصواريخ دقيقة في توجهها للهدف أم لا، فإن البشرية مستهدفة بشكل مباشر أو غير مباشر. ويمكن القول أن الإدارة الأمريكية، تتصرف قولا وفعلا منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 كحكومة في حالة حرب. فلنتصور حدثا في أهمية انضمام عدد من دول حلف وارسو سابقا لحلف شمال الأطلسي نال فقط 20% من أحاديث الرئيس الأمريكي الذي عبر الأطلسي لهذه الغاية في حين نال موضوع العراق والحرب ضد الإرهاب الباقي مع ترجيح واضح لموضوع العراق. هل هو مجرد حالة هوس نفسية عند الرئيس الأمريكي أم أن تنفيذ مشروع الحرب قد أصبح النقطة المركزية في السياسة الأمريكية على الأقل في المدى القريب؟ كيف يمكن، مع التصريحات شبه اليومية للرئيس الأمريكي في هذا الموضوع، أن نتصور إغلاق الحاكم والمحكوم في العالم العربي لأذنيه وعينيه للبقاء خارج حالة الحرب المعلنة. خاصة وأن مندوبي الإدارة قد تقدموا بلائحة المطالب الأمريكية بعد أقل من شهر من أحداث سبتمبر والتي تضمنت:

1- تقديم كشوف عن المعلومات الأمنية المتعلقة بالمنظمات الإرهابية.

2-  تسليم قادة المنظمات “الإرهابية”.

3-  إغلاق المكاتب والقواعد.

4-  المساهمة المالية.

 5-  تقديم مساعدات سياسية وإعلامية ومشاركة عسكرية حين الطلب.

6-  التوقف عن التحريض الإعلامي على الإرهاب (17).

ولم يمتنع مسؤولون في مواقع هامة في وزارة الدفاع من التصريح بأن من الضروري ترسيخ فكرة حدوث تحقيقات خارج الولايات المتحدة الأمريكية وفي البلدان الإسلامية للتمكن من الحصول على معلومات أكثر عبر الوسائل التي يعاقب عليها القانون الأمريكي (اقرأ: التعذيب). لقد تم التقاط هذه الرسالة دوليا وليس فقط عربيا، وقبل الاحتفال برأس السنة الميلادية في 14/12/2001 قامت قوات مدرعة من KFORباقتحام مكتب الإغاثة العالميةGR في مدينة جاكوفا ومصادرة ما في المكتب واعتقال من فيه، وقد تم تعذيب العاملين قبل بدء التحقيق معهم بحضور مراقب من FBI. هذا المشهد الذي حدث في الكوسوفو، سيتكرر في باكستان والمغرب واليمن والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية.

إثر عام ونيف على أحداث سبتمبر يمكننا رصد قرابة 200 قانون مؤقت أو ردعي بحجة مواجهة الأوضاع الاستثنائية في الدول العربية. أقل من نصفها بقليل في الأردن وحده.

شكّل الشعب الفلسطيني قربان الحرب ضد الإرهاب. وبتضحياته فرمل الهجوم الأمريكي على المنطقة. فدول أوربة التي وقفت لأول مرة في تاريخها 3 دقائق صمت على الضحية الأمريكية لم تستطع مسايرة التبسيطية الخبيثة للإدارة الأمريكية التي حولت النضال الفلسطيني إلى جزء من الإرهاب العالمي وألبست آرييل شارون ثوب رجل السلام. هنا أدركت الحكومات الأوربية ضحالة المنطق الرسمي الأمريكي وبدأت تناقش وترفض وتعترض بدون عقدة عدم التضامن مع القوة العظمى الحليفة. باستثناء طوني بلير، لا يوجد مسؤول أوربي قادر على تحمل تبعات السياسة الأمريكية الحالية على بلاده.

بقيت المشكلة الرئيسية قابعة في الحكومات العربية التي تحولت إلى جثث عارية أمام الهجمة الأمريكية: لقد فقد النظام السياسي العربي السائد القدرة على اكتساب اعتراف مجتمعاته به، أي وفق ماكس فيبر، خسر الشرعية السياسية بكل معاني الكلمة. في وضع كهذا، يختزل المندوب السياسي لأي بلد إلى ممثل لفئة صغيرة تحكم بلادها بالقوة الصرفة. وكما يقول محمد حافظ يعقوب: “في الشرعية تتسامى الدولة إلى الدرجة التي تصبح فيها قوة الفكرة ذاتها، وفي فقدان الشرعية تتضاءل الدولة إلى الحد الذي تغدو فيه العدو الذي يحاصر الجماعة ويقهرها”(18).

جاءت الأنظمة القومية في قطار التخطيط الوطني والوحدة القومية  والسيادة الوطنية، ولم تودعنا بعد إلا وقدمت هذه السيادة على طبق 1441 الذي تجرعته السلطات السورية باسم المجموعة العربية في الأمم المتحدة ، وتسعى السلطات العراقية لتنفيذه باسم إنقاذ الوطن من الحرب.

دافعنا للدخول في هذه المنعطفات المتميزة هو الوصول إلى استنتاج مركزي: إن رفض معظم الأنظمة العربية الحج إلى شعوبها، والتعاون مع الإدارة الأمريكية في مشاريعها الإقليمية، قد جعل منها ليس فقط السلطة التي تنتهك حقوق مواطنيها وترفض أي انفراج وإصلاح سياسي، بل أحد أهم المنتجين للعنف المجتمعي. وهنا مكمن الخطر والداء. ففي النماذج السياسية العربية المعاصرة، غطت الوفرة الاقتصادية حينا على عيوب الاستبداد السياسي، أو أعطيت حريات سياسية مقننة لتخفيف الضغط الاجتماعي. أما أن يترك المواطن لمبدأ “لا أرحمك ولا أدع رحمة الله تنزل عليك” فهذا معناه، دفع الأغلبية المهمشة إلى خارج حقل الهم السياسي والمدني، وبالتالي جعل ممارسة الممنوع في القانون مسألة عادية.

من جهة ثانية، عبرت نظرية المؤامرة الأطلسي وصار اليانكي يرى في كل ذي لحية ابن لادن وفي كل صائم متبرع للقاعدة. وكون المال في البراغماتية الأمريكية هو صاحب الحل والعقد، توجهت أصابع الشك إلى كل من يملك المال أو يحصل بشكل جيد عليه من التبرعات. قصدنا بذلك الجمعيات الإنسانية والخيرية التي أصبحت مستهدفة في بلدانها وفي الغرب. الأمر الذي يهدد التراكمات الطويلة والبطيئة التي عشناها مع نشوء الجمعيات الخيرية بتعبيراتها الجديدة منذ ولوج الرأسمالية الغربية فيما يعني ضرب النسيج المجتمعي والتماسك الأهلي والألفة والتضامن التي حققت إمكانيات توازن الحد الأدنى لتماسك هذا النسيج مع استقالة الدولة عن أداء مهماتها في العديد من جوانبه الحيوية.

إن تحرك الولايات المتحدة لردم الحفرة التي نجمت عن سقوط حلف وارسو وحرب الخليج الثانية والتي اقتادت عددا غير قليل من صاحبي القرار لدعم أطروحة التواجد المباشر في القارة الآسيوية ليس فقط في مناطق النفط الكلاسيكية وإنما أيضا في محاور استراتيجية كبرى كأفغانستان والعراق، هذا التحرك يعود بنا إلى عشية الحرب العالمية الأولى وخريطة الكيانات السياسية المتفرخة بقرار بريطاني فرنسي من الرجل المريض (الخلافة العثمانية). ليس من أجل تجاوز الحدود لكيانات قادرة على الدفاع الذاتي بالمعنيين الاقتصادي والجيو سياسي، وإنما من أجل التواجد المباشر في مناطق تجمع بين الثروة البشرية والثروة الطبيعية. من هنا يصبح من الضحالة بمكان حصر الحرب على العراق بموضوع صدام حسين ونظامه، بقدر ما تعني هذه الحرب وضع إيران بين فكي كماشة وجعل منطقة الخليج ساقطة عسكريا وسورية مكشوفة الظهر والبطن. بكلمة، الانتقال من السيادة الوطنية إلى السيادة الأمريكية بالمعنى المباشر للكلمة.

لا يعني طرح أي مشروع نجاحه بشكل آلي. وتحاول الإدارة الأمريكية تعزيز فكرة التدخل المباشر من جهة، وإلغاء فكرة التمييز بين حاكم عسكري محلي وحاكم عسكري أمريكي. وكما قال أحد المسؤولين الأمريكيين لقيادي من المعارضة العراقية المتحالفة معه: ” إذا أوصلتكم الأنظمة التسلطية إلى هذا الحد من القرف وفشلتم في التخلص منها فنحن على استعداد لتخليصكم منها ولن نسمح لأتباعنا بأن يكونوا على نفس الدرجة من الدموية” ؟؟ لعل في هذه الصراحة ما يخفف من أوهام البعض حول بناء الديمقراطية في ظل الحراب الأمريكية. ففي نقاش حاد مع نشطاء أمريكيين من أوساط حقوق الإنسان بوجود دبلوماسيين غربيين لم يمتنع أكثر من دبلوماسي عن الدفاع بصراحة عن موضوعة تقول بأن “دمقرطة الدول العربية تعني أسلمتها، وبالتالي فالمشروع الاستئصالي على المدى البعيد له فوائد جمة للديمقراطيين”.

يبقى الخطر الرئيسي للسياسة الأمريكية في كونها تبني أنموذجا موازيا للقرارات الأممية يعتبر التوقيعات الثنائية أو المتعددة بدون ضوابط خارجها نقطة الارتكاز في السياسة الخارجية. وهذه السياسة مع محاسبة انتقائية تعتمد ما يسمى بقرارات الشرعية الدولية،  توقف عمليا الدافع عند دول العالم لتوقيع أي اتفاقية دولية، باعتبار هذا التوقيع مصدر بلاء ضمن اختزال فكرة التدخل إلى ما يصفه اوليفييه كورتن وبيير كلان في هذا الخصوص: “حذار من الوقوع في الخطأ: فليست الأفكار الشهمة والأعمال الشجاعة لرموز المساعدة الإنسانية هي المستهدفة، وإنما النوايا الخبيثة للقوى العظمى الذين يرون في الاعتراف بـ “واجب التدخل” أداة جديدة لسياسات الهيمنة التي يمارسونها. إن دوافع رجال السياسة والكتّاب هي دون شك مشروعة. ولكن يبدو لنا أن تحقق مشروعهم سيعطي الشرعية لعدد لا حصر له من التجاوزات، ويعيد بناء منظومة مشابهة لتلك التي سادت القرن التاسع عشر حيث فرضت الدول العظمى قواعدها بإعلانها المنافق لقيم إنسانية. إن اعتبار “واجب التدخل” كمعطى أخلاقي يشمل كل فرد مسؤول شئ، أما وضعه قانونيا تحت تصرف دول فهذا شئ آخر. ومن المؤسف أن شخصيات تلعب دورا هاما على الأرض لا تريد فهم ذلك”.(19).

ترجح الوقائع وجهة نظر مورتن وكلان، حيث يتحول مفهوم كوشنر ومدرسته إلى تعبير مباشر للدفاع عن أشكال جديدة للهيمنة الاستعمارية. فالولايات المتحدة تدفع من أجل المشروع الديمقراطي 29 مليون دولار، أي أقل مما تحتاجه مدينة رفح في قطاع غزة الفلسطيني لإعادة بناء ما دمره السلاح الأمريكي بيد إسرائيلية. ثم تسترجع ما أعطته للمتسولين من “ديمقراطييها” بنهب ليس فقط ثروات شعوبهم وإنما أيضا كرامتها.

محاضرة ألقاها المفكر العربي هيثم مناع في نقابة المهندسين في المنامة بدعوة من الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان في 14/12/2002

ضمن احتفاليات اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

 —————-  Notes:

  1-   نورمان بيرنبوم، في أصول القومية الأمريكية، ترجمه للعربية مصطفى النحال، الاتحاد الاشتراكي، 18/10/2002. المغرب.

2       Cité par : Noam Chomsky, Le bouclier américaine, le sepent à Plumes, 2002, Paris, P. 32.

3-     Ibis.

4-     President of USA, The National Security Strategy of the United States of America, September 2002.

5-     Donald H. Rumsfeld, Transforming the Military, Foreign Affairs, May/june 2002, p. 21.

6-     See: Joseph S. Ney, Jr. Redefining the National Interest, Foreign Affairs, July/August 1999, pp. 22-35.

7-     Condoleeza Rice, Promoting the National Interest, Foreign Affairs, January/February 2000, p. 47.

8-     Ibis, p 48-49

9-     Ibis, p 49.

10-    Ibis, p 50.

11-    Henry A. Kissinger, The Pitfalls of Universal Jurisdiction, July/August 2001, p86.

12-    Ibis, p 88.

13-    Donald H. Rumsfeld, op.cit, p. 20.

14- Ibis, p. 26.

15- Testimony as Delivered by Secretary of Defense Donald H. Rumsfeld, Dirksen Senate Office Building, Washington, D.C., July 31, 2002.

16- George P. Shultz, A More Accountable World, Mediterranean quarterly, A Journal of Global Issues, Summer 2002.

17- طلال الخالدي، ساعة ونصف هزت العالم، خريف دمشق والمستدات العالمية، مقاربات، العدد الرابع والخامس 2002,

18-   18-  يعقوب، مادة الشرعية السياسية، في : الإمعان في حقوق الإنسان، موسوعة عالمية مختصرة، الجزء الأول، الأهالي وبيسان، 2000.

19-   livier Corten & Pierre Klein, Droits d’ingérence ou obligation de réaction. Cité par : A. Pellet, op.cit. p. 122.

22/7/2005

No Favorites Has Been Added!