October 25, 2020

عولمة حالة الطوارئ والمقاومة المدنية

state of Emergencyيمكن القول اليوم، في تحليل سياسي اجتماعي ونفسي هادئ، بعيدا عن صخب ضحايا 11 سبتمبر والرسائل الكيميائية الغريبة التي رافقته وهيجان الثور الجريح في واشنطن، أن هذه المأساة التي جمعت بين عمى الفعل الشرير والرد الشرس لمن يشعر؛ ويذكره الآخرون دائما أيضا؛ بأنه الأقوى، قد شكلت تحولا أساسيا في بداية هذا القرن سندفع ثمنه بالتأكيد لسنوات.

فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تعود النظرة الكونية للفعل السياسي-العسكري والأمني غير المحدد بالزمان أو المكان، تضطرب عالمية القيم الإنسانية، تسقط أكثر من عضاضة في بنيان القانون الدولي، ويجري حشر الناس بين مؤيد وعدو، خّير وشرير، إرهابي ومناهض للإرهاب.

لم يكن من السهل على الفكر النقدي أن يقبل بهذا الحشر التعسفي، وأصعب من ذلك، كانت مهمة من ارتبط دورهم بقيمة أخلاقية هنا أو أمثولة للعدل هناك، ما يعرف اختصارا “بالسلطة المضادة” أو أشكال مناهضة جنوح السلطة في الفضاء غير الحكومي، سواء كانت منظمة وجماعية كانت أم ثقافية فردية، كانت مهمة هؤلاء الوقوف في وجه التيار العاصف. وبالفعل، وكما هو الحال في كل اللحظات الصعبة، وقع قرابة 300 محام فرنسي على عريضة تطالب بإلغاء الإجراءات الاستثنائية في فرنسا عوضا عن تعزيزها، نقابة القضاة طالبت بعدم اعتماد القضاة على قرارات استثنائية في أحكامهم، عدد من القضاة الدانمركيين والهولنديين والبريطانيين طالبوا بعدم احتذاء حذو الإدارة الأمريكية في إقرارها “الباتريوت أكت”، عدد من المثقفين العرب والأوربيين تجمعوا من أجل مناهضة عولمة الحالة الاستثنائية. إلا أن هذه الأصوات كادت تضيع وراء جعجعة القنابل في أفغانستان، في قرار أممي وغطاء دولي لضرب إمارة “إسلامية” (للذكرى فقط، لا يعترف عليها سوى ثلاثة حلفاء للإدارة الأمريكية: السعودية والإمارات وباكستان).

إلا أن ما حصل، هو زرع فكرة جد خطيرة تعود بالبشرية إلى ما قبل حقبة نزع الاستعمار، فكرة تقوم على أن تغيير الأوضاع يمكن بل ويجب أن يحدث من الخارج ومن فوق، وليس بالضرورة من الداخل ومن تحت. أي ضرب الذاكرة الجماعية العالمية لفكرة التغيير التي ارتبطت بثورة فرنسية وحرب استقلال أمريكية وثورات شعبية وحركات تحرر وطنية عريقة وتحركات مجتمعات مدنية صنعت التاريخ الحديث..

المقاومة المدنية أصبحت من حيث المبدأ أصعب وفي إعادة تكوين خنادقها وجبهات نضالها أعقد، والشرخ بين حكومات شمالية تقبل بالتضحية بحريات أساسية مقابل نظرية الأمن الداخلي وجماهير مسلمة يشككها هذا التراجع بكل القيم الغربية بخيرها وسوئها، هذا الشرخ تزايد في فترة زمنية قصيرة بحيث لم يعد المواطن العربي في العديد من البلدان، يرى في الأنموذج الغربي سوى نقمة عليه، خاصة وقد وصل منذ 2002 خبراء من FBI للمشاركة في التحقيقات الأمنية في أربعة عواصم عربية وتم تسليم عدة مشبوهين لبلدانهم، أما ما يعرف بالأفغان العرب فصاروا يباعون من قبل القبائل الأفغانية بأسعار تثير السخرية للقوات الأمريكية لاقتيادهم إلى باغرام ثم غوانتانامو في مشاهد تعيد للقرون الوسطى الاعتبار.

ترافقت هذه الحقبة مع صعود المجهول إلى السطح، وتوزع الخوف بين الحاكم والمحكوم، ومزايدة عدة سلطات قمعية بالولاء للسياسة الأمريكية، وتوقيع الإدارة الأمريكية لاتفاقيات ثنائية مع أكثر من ستين دولة تعفي الجنود الأمريكيين من أية محاسبة في قضائها الوطني. وبدا وقتئذ أن التحضير للمحطة الثانية (بغداد)، يسير على قدم وساق كون المجتمعات المدنية والرأي العام العالمي بدأ يستعيد أنفاسه من هذه الهجمة البربرية، باسم حماية الديمقراطية والحرب على الإرهاب.

كانت التعبئة السلمية لمناهضة الحرب على العراق أول عمل مدني عالمي ناجح إلى حد كبير، وقد تمكنت شبكة المنظمات غير الحكومية وعدد كبير من النقابات والأحزاب السياسية من تنظيم مظاهرات مليونية من أجل وقف العدوان. ولا يعني حدوث هذا العدوان، أن المجتمعات المدنية كانت عاجزة عن الرد، فنحن اليوم نعرف أن الإدارة الأمريكية والحكومات التي ناصرتها (البريطانية والإيطالية والإسبانية) قد اعتمدت كل الوسائل غير الأخلاقية والكذب والتزوير وتوزيع بيانات مزورة ومعلومات خاطئة من أجل تضليل الرأي العام. ولعلها في إصرارها على الحرب بكل ثمن قد غيبت العنصر الأساسي بعد الحرب، أي إعادة البناء، حيث تبين أن هذا التحالف المتعدد الجنسيات حمل العتاد الحربي ونسي الذخيرة السلمية، ذهب وفي رأسه تقليص عدد الضحايا في قواته، ونسي عدد الضحايا من العراقيين. وبعد أقل من شهر، على الاحتلال كنت في بعثة تحقيق في العراق وكتبت: “خلقت قوات الاحتلال كل الظروف الموضوعية للخراب والفوضى”.

لقد حطم الاحتلال كل الرؤى والطموحات الكبيرة عند الإنسان، وعاد به للهويات والانتماءات الأصغر يحتمي بها من حالة الضياع، وبعد أن زرع أسس الحرب الأهلية لتخفيف الضربات عليه، انتقل الوضع إلى حالة توحش لا عقلاني يتدخل فيه الوطني والمذهبي بالإقليمي والدولي وتتحول فيه الدولة إلى ميليشيا كبيرة تنظم عمليات النهب والسيطرة بآن.

هذا الوضع، بكل آلامه، أعاد الصحوة للمجتمع المدني على الصعيد العالمي، فتم تهميش مؤسسات الفرد الواحد One Man ONGوأتباع نادي شيكاغو القائمة على المساعدات والأجندة المطروحة في السوق الدولية، والتي دعمتها الحكومات الأمريكية المتعاقبة في مختلف دول العالم . وبدأ التأكيد على مفهوم المشاركة والمقاومة وديمقراطية العلاقات التنظيمية في الوسط غير الحكومي يأخذ مكانة مركزية، وبدأت تجارب مّد الجسور بين المظلومين لا تمر بالضرورة من الشمال (كالتنسيق بين منظمات أمريكية لاتينية وعربية وإفريقية). كذلك صار من الواضح الانتقال للمبادرة المتعددة الأشكال والصيغ والتشبيكات في قضايا مثل “الحريات الأساسية أولا”، وبرز ذلك في محاصرة المدافعين عن معتقل غوانتانامو والصامتين عن السجون السرية وضحايا الأدلة السرية والمحاكمات الاستثنائية على طرفي الأطلسي.

النقلة من الدفاع إلى الهجوم واستعادة الأنفاس على الصعيد العالمي لم تترافق على الصعيد العربي بنفس التفاعل والتجاوب لا في المجتمع ولا في الدولة، فمازالت العديد من البلدان تحت

وطأة ما يمكن تسميته “صدمة بعد العراق” Post-Irakian traumatism في العالم العربي، فالتغيير بعد أن صار القاسم المشترك الأعلى للخارج والداخل، لخطاب الحاكم وبرنامج المحكوم، هذا التغيير صار موضوع خوف من المجهول أكثر منه خلاص من وضاعة المعاش. المثل العراقي خلق ما يمكن تسميته حالة الرهبة من الأسوأ.. ففي عام 2006 انكفأ رواد الإصلاح في أكثر من بلد عربي على أنفسهم، بل مّر أكثر من مشروع سياسي بهزة داخلية وفقدان للبوصلة العامة. ولولا العدوان الإسرائيلي على لبنان، يمكن القول دون مبالغة، أن خواف التغيير بدأ يصيب فئات واسعة من المجتمع في عدة بلدان. ولعل في السياسات الإقليمية الرسمية، التي تحاول إبراز العصبيات المذهبية والطائفية على حساب المطالب الوطنية والمدنية، ما جعل العديد من القوى والأطراف السياسية والمدنية يؤثر الانتظار على ما صار يعتبر “مغامرة غير مضمونة النتائج”.

في وضع كهذا، لا يمكن لأية مقاومة مدنية وسلمية، أن تتخلى عن مبدأ الدولة المدنية، باعتبارها القاسم المشترك بين التيار الإسلامي الأوسع والتيار العلماني الديمقراطي. هذه الدولة التي تحمي المواطن ولا تحل محله، تعزز الاختلاف والتعددية وفكرة التداول، ولا تجعل من هذه القواعد عنصر ضعف للسيادة، تؤكد على دور الدولة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولا تنسى دور المجتمع في حماية وصيانة وتقدم هذه الحقوق. وأخيرا تعتبر المقاومة المدنية للخروج السلمي من الدولة التسلطية ليس فقط وليد الحس السليم والحضاري وإنما أيضا التعبير الحقيقي عن مصالح الناس.

—————-
مفكر وناشط حقوقي سوري يعيش في فرنسا

عن صحيفة البديل – القاهرة – العدد الأول 02/06/2007

No Favorites Has Been Added!