September 23, 2019

المؤتمرون والرعايا

baathأوجدت الثقافة السوفييتية هالة قداسة حول مؤتمرات الحزب الأوحد، القائد الثوري المخلّص: تسبق المؤتمر، الذي يتمتع دائما بصفة التاريخي، شعائرية التقارير المتميزة التي تعتصر خلاصة الهمة في عطاء الأمة..  وتأتيه رسائل التأييد والمناشدة من كل حدب وصوب، وفي حالات الخبث الذي يريد تسمية نفسه جرأة، نصائح  يمكن أن “تنّور قلب وعقل المؤتمرين”. المؤتمر هو السلطة الأعلى للحزب القائد للدولة والمجتمع. وبالتالي صلاحياته هي الأعلى وقراراته مقدسة. وإن كان المؤتمر في حزب البعث سببا للخلاص من الحزب لصالح حزب داخل الحزب أو من القيادة لصالح تجمع عسكري أمني، فهذا لا يغير في الأمر شيئا. بكل الأحوال، المؤتمر يتنصب باستمرار باعتباره صاحب القرار العلني في السياسة السرية للسلطات الأمنية السياسية، التي تحتاج لحزب يحاول اخفاء الوجه الحقيقي للسلطة التعسفية.

قبل وفاة الجنرال حافظ الأسد بأيام، قام أحد نشطاء حقوق الإنسان بجمع تواقيع عدد غير قليل من منظمات حقوق الإنسان على رسالة لمؤتمر حزب البعث. ضحكت يومها بأسى واكتفيت باعلان عدم علاقتي أو اللجنة العربية لحقوق الإنسان بهذه المبادرة. قبل أسابيع، اقترح علّي أحدهم بيانا أكثر جرأة وبمثابة رسالة مفتوحة لحزب أغلق الباب على نفسه. من المؤسف أن زميلنا لا يريد استيعاب أن شعائريات المدرسة السوفييتية قد ماتت بما في ذلك المناشدات والهولا هولا والتصفيق الحاد للأمين العام.

جرت العادة في كل مؤتمر أن يتحدث “الرفاق” عن إنجازات هامة، أما الأوضاع “التعبانة”، فهي “قصور في الأداء”، و”أخطاء وثغرات” من الضروري تداركها. هنا يلاحظ المواطن البسيط أنه غريب عن خطاب غريب. فالمؤتمرون يتحدثون في زيادة عدد أعضاء القيادة أو في تخفيضه، بينما هو معتلّ من أسلوب عمل القيادة وممارساتها. المؤتمرون يناقشون السياسة الدولية والعلاقة بالصين الشعبية، وهو لا يملك الحق بعلاقة طبيعية مع جاره يمكن أن ينجم عنها جمعية خيرية تطعم الأيتام. المؤتمرون يتحدثون في الإستراتيجية، وهو ممنوع من الحديث في شؤون حياته اليومية. المؤتمرون يتحدثون في القضايا المصيرية، والمواطن الذي هو من جنس البشر مثلهم لم يرتق بنظرهم بعد إلى مستوى مناقشة المواضيع القومية.. المؤتمرون وحدهم يتمتعون بلقب المواطن في أثينا الجديدة، أما ابن المجتمع، فهو من “رعايا” الأزمنة الحديثة الذين أعطتهم أثينا القديمة صفة البرابرة.

“حمار بوريدان” العربي لا يعرف الفرق بين الزكام والسرطان ويريد معالجة الأخير بحبة أسبرين. رغم أننا نشهد للأسبرين بقدمه وتعتقه في الصيدليات، إلا أن التشخيص الردئ لا يمكن أن يعطي علاجا جيدا. كما أن تغيير بعض الوجوه لا يبدل في العقلية والنهج والممارسات. من الصعب رفض مبدأ وجود أزمة عميقة بنيوية وراء حالة الاستعصاء السائدة، ولكن كيف يمكن المشاركة في الخروج من الطريق المسدود لمن تم إبعادهم عن القرار الحياة المدنية والسياسية عن سابق إصرار وتصميم؟ كيف يمكن التعامل معهم بشكل طبيعي وقد كانت حصتهم الوحيدة في الشأن العام طيلة أربعة قرون ألقابا خاصة كالسجين والمنفي والمسرّح والمرحوم..

أزمة أمن الحزب وحزب الأمن تكمن في تصور أشكال العلاقة مع المجتمع، في مفهوم الدولة، في فكرة المعارضة والتداول السلمي على السلطة، في تفاهة استمرار تقديم الحزب اسم المرشح الوحيد لرئاسة “الجمهورية” الذي يقول له الشعب نعم للرئيس ولا لغيره.. الأزمة في معسكر من يعتبر سياسته الخالدة قرآن الأمة ولا يريد قاعدة فقهية بسيطة اسمها روح العصر وتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان. والاعتراف، أخيرا، بأن آثام مآل الحال في قاعة مؤتمر “الحزب القائد” وليس خارجه.

 الحزب القائد، هذه الفكرة الجهنمية التي أنجبت آليات السيطرة والهيمنة الداخلية وأهم أشكال التطرف الدنيوي والديني، وألغت فكرة التعبير الحر والحوار والإبداع. أممت الدولة من قبل السلطة عند الحاكم وصادرت الدين من قبل الطليعة الوصية عليه في إيديولوجيات الطوارئ عند المحكوم.. كان ثمنها مجازر جسر الشغور وإدلب وحماه وخروج سورية من التاريخ ربع قرن على الأقل. ، ليصبح الاستقصاء والنبذ ممارسة طبيعية في الحياة السياسية.

الاستبدالية هي الابن الشرعي للحزب القائد، يستبدل الشعب بالطبقات الشعبية، وهذه الطبقات بالحزب الوحيد الممثل لها، وأخيرا يتم استبدال الحزب بالأمن والأمين العام. وعندما يموت الأمين العام يبقى الأمن لوحده في الصدارة. كتعبير رسمي خارج عن القانون، كمؤسسة تملك “الحق” في جعل الاستثناء قاعدة وإزمان حالة الطوارئ وشلّ المؤسسات والقواعد القضائية والخلقية. وأخيرا وليس آخرا، التنصب فوق الحزب القائد باعتبارها القوة التي تسمح له بالاستمرار في السلطة في غياب أية شرعية شعبية أو تاريخية.

شهر ما قبل المؤتمر كان أيار الأسود، أرسلت القيادة الأمنية رسالة واضحة للمجتمع والسلطة، نحن هنا لاعتقال من نشاء حيثما نشاء وقتما نشاء.  يوم بدء المؤتمر وصلت رسالة من رئيس محكمة الجنايات تذكر بمعتقلي ربيع دمشق. بجملة أمنية حزبية أكثر منها قضائية رد على طلب محامي النائب محمد مأمون الحمصي لإعفاء موكله من ربع مدة حكمه بالحرف:”رد الطلب لعدم وجود ما يشعر بأن السجين قد أصلح نفسه”. ففي المنطق السائد، المجتمع والمعارضة بحاجة لإصلاح أما الحكام فقد عافاهم الله من زلات الأيام.

لقد قرر المؤتمرون إعطاء الأولوية للإصلاح الاقتصادي بحيث يهتم الحزب أكثر بلقمة الرعايا، وسيتم محاسبة الفاسدين والمفسدين في البلاد، خاصة في أسفل الهرم، احتراما للطابع الجماهيري للحزب. وسيتم الاحتفاظ بعلي العبد الله ورياض درار ونزار كستناوي ومحمد رعدون وحبيب صالح ومحمد حسن ديب ومحمد بشار كلزية ومحمد عامر خضير وعبد العزيز الخير وغيرهم من سوريين وعرب، من مقيمين أو عائدين من المنفى، في إصلاحيات دمشق وضواحيها. من الضروري نسيان رياض سيف ومأمون الحمصي وعارف دليلة ووليد البني وحبيب عيسى وفواز تللو لمدة عام ونصف علّهم يتمكنون أخيرا من إصلاح أنفسهم في سجن عدرا. ولا مانع من إعدام أحد المتهمين باغتيال الفقيد الشيخ محمد معشوق الخزنوي لإظهار قدرة السلطة على محاسبة من تريد. وستلخص لنا السيدة شعبان جهود المؤتمرين بما قلّ ودل: “لقد تكللت أعمال المؤتمر التاريخي لحزب البعث بالنجاح”.

 —————————–

18/7/2005

No Favorites Has Been Added!