July 15, 2020

غياب حقوق الإنسان مبرراً للنكسة ؟

SETBACKكنا في اليوم الأول لامتحان الشهادة الإعدادية عندما دخل المراقب العام وطلب منا الخروج من القاعة لأن “الكيان الصهيوني يشن عدوانا علي الدول العربية التي باشرت بالرد عليه.
فيمكن أن تذهبوا إلي بيوتكم أو أي ملجأ قريب”. وقعت هذه الجملة وقع الصاعقة علي مراهقين، طموحاتهم وأحلامهم ورؤيتهم للعالم أكبر من أجسادهم. باشرني التلميذ المحاذي بالسؤال: ماذا نفعل؟. قلت له نعود جريا ونختبئ عند مرور الطائرات. ضحك وردّ: بعدها القصة في أولها، فورا طائرات؟

بعد عشر دقائق كان هدير الميراج يحلق فوق مدينة درعا الجنوبية المتاخمة للجولان. سمعنا قصفا وعرفنا أنه أصاب الرادار القريب في قرية مجاورة. لم نزحف بل ركضنا بكل سذاجة وبساطة نحو المجهول. لم نكن قد تحضّرنا لهذه اللحظة إلا في الخطابات والتعبئة الكلامية. لذا بحثنا بأنفسنا بعد أيام عما يمكن فعله، واستفدنا مما تعلمنا في فرقة الكشافة لبناء الخيام ومساعدة النازحين. لم يستمر وهم الانتصار سوى أيام خمس. وصول النازحين والجنود المنسحبين طوعا جعلنا نفهم بأن الخطاب القومي كان مجرد ظاهرة صوتية. يومها كتبت أول مقالة لي لمجلة “الأسبوع العربي” بعنوان: “إلى العرب”.. كانت صيحة رفض وغضب.
بصدق وأمانة، لم تكن كلمة حريات أو ديمقراطية أو حقوق إنسان حتى عام 1970 موجودة، لا في قاموس جيلنا ولا في من قرأنا له، من صادق جلال العظم إلى سيد قطب. في كل الأحاديث عن النقد والنقد الذاتي، بقيت أفكار مثل الكفاح المسلح، المقاومة، بناء حزب ثوري، أو العودة إلي الإسلام، العناوين الأولى في تشكل وعي جيلنا السياسي. لذا ذهب عدد كبير منا لدورات العمل الفدائي، مع نقاشات سياسية تبحث عن النفس بين الماركسية والإسلامية. الماركسية في قراءة عربية تتبنى المقاومة، والإسلام في مقاربة أخلاقية وقتالية. وفيواقع الأمر، لم نبدأ مناقشة مسألة الحرية إلا عندما عدنا من دورة العمل الفدائي لنخضع لاستجواب أجهزة الأمن. كذلك عندما تظاهرنا فاعتقل عدد منا قبل بلوغه سن التصويت.

هذه اللمحة الموجزة لتبيان موضوع أساسي، وهو أن مناقشة النكسة ووعيها عند الشبيبة والمثقفين لم يكن ممحورا حول غياب الحريات، بقدر ما كان في انقطاع الثقة بالأنموذج والخطاب السائدين. وكما أن النكبة مهدت الطريق لضرب الليبرالية الكولونيالية في عدة بلدان عربية عبر انقلابات عسكرة الحياة السياسية، لم تسمح النكسة بطرح الأسئلة الجوهرية في المعنى العميق للدولة القوية وأسس التوازنالاستراتيجي وتأثير غياب المواطن والمواطنة والدولة التعاقدية المدنية علي الصراع العربي الإسرائيلي في حروبه الباردة والساخنة. لعل من المفيد للتاريخ، أن يسجل المرء أن أول من حاول تناول الموضوع من هذه الزاوية، كان الشاعر المصري جورج حنين. لقد كتب دراستين بالفرنسية في 1968: “الحرية كمشروع وحنين” و”الديمقراطية”، تعرفت عليهما بعد عشر سنوات.

مهما كان المشروع السياسي للأشخاص والجماعات، لا يمكن أن يتجاهل أن حرب 1967 هي حرب الأيام الست، في حين أن المعارك التي رسمت تاريخ أوروبا المعاصرة قلما وقعت رحاها بأقل من سنة. وأن هذه الحرب لم يجر تحضير أحد لها. لأن السلطة السياسية صادرت الفضاءات المجتمعية والثقافية. صار من الصعب على ضابط يعتقد بأن الجيش هو الذي يحارب وينتصر، أن يفسح المجال للمقاومة الشعبية الوطنية أو لحملة القلم إعطاء الرأي في حملة السيف. لهذا يمكن القول أن المقاومة المسلحة شكّلت أيضا الرد على احتكار السلطة المهزومة للعنف.

في 1967، كان كل سكان المناطق المحاذية للدولة العبرية يعيشون مع مخيمات صغيرة وكبيرة للاجئين الفلسطينيين، ويسمعونشهاداتهم ومأساة تأجيل حقهم في العودة.  كيف والحال هذه تخرج جموع بعشرات الآلاف من مدنها وقراها لتنزح إلي المناطق المجاورة؟ هل كان بإمكان الجيش الإسرائيلي هدم القرى السورية والقنيطرة لو بقي أهلها فيها وقاوموا سلميا؟ هل كان بإمكان إسرائيل مباشرة بناء مستوطنات في الجولان المأهولة بوجود أكثر من مائة ألف سوري يومئذ، أو السيطرة عليها وفيها قرابة نصف مليون هو تعداد النازحين اليوم؟
كانت فكرة الشخص المخلّص، الحزب المخلص، تتقوى في الرؤوس. عبارة مظفر النواب “الحزب أمك الحزب أباك”، كانت سائدة في أوساط اليسار وموجودة في المشروع الإسلامي. لم يكن الشعب أو المواطن، المبادرات التحتية، الجمعيات الأهلية المستقلة، موضوع احترام في البرنامج السياسي للسلطة، ولحد كبير في عدة مشاريع بديلة. في سنوات الانتقال والاهتزاز الثقافي بين حربي 1967 و1973، صادرت السلطات هوامش واسعة مما تبقى من متنفسات مدنية مستقلة، لتظهر فيما بعد للسطح أهميتها الوجودية عبر افتقاد الناس لها.

إن أفكار النهضة الأولى، مثل انتخاب الناس من يمثلهم، وضرورة وجود عهد وعقد بين المجتمع والدولة وأخيرا، وهنا مربط الفرس: تنامي فكرة الحقوق الفردية، لم تكن رد الفعل الأول على الهزيمة. كنا بحاجة إلي الفشل المعمم، التنموي والتحرري والديمقراطي للدولة التسلطية الحديثة، لكي نتجرأ علي اعتبار القطيعة مع أنموذجها شرطا للتغيير والتحرير. خاصة أن خسارتها للمعركة الوطنية تلازمت مع تحطيم الحقوق الأساسية للناس.
مع ضرب الحقوق الفردية الأساسية التي تضمن صيرورة المواطنة، عادت  العلاقات العضوية العصبوية بشكل باثولوجي. كونها تنمو هذه المرة في ظل أجهزة أمنية حديثة تزر وازرة فيها وزر أخرى. إن غياب الأمن الفردي الإنساني (أي عدم وجود نواة صلبة غير قابلة للمس أو التفاوض لحقوق وحريات الأفراد)، أعطى الانتماءات التاريخية: من جغرافية وطائفية وعشائرية وقبلية، قوة حضور. وذلك عبر صيرورتها الملجأ الاضطراري في دور هو بالأساس من المهمات المركزية للدولة الحديثة. حل التفتت محل الفكر الوحدوي، والعصبة محل الألفة المدنية، والرعية مكان المواطنة، والتمويل مكان التطوع، وتوظيف القيم بدل ممارستها. فلا بأس أن تتكرر على أسماعنا الجملة المأثورة: وهل يوجد حقوق إنسان؟
تحتاج المقاومة الوطنية والمدنية اليوم إلي إعادة النظر في المفاهيم الأساسية لحقبة كاملة. ولعل التأكيد علي العدالة يشكل الجسر الأكثر ضمانة. ليس فقط لاسترجاع الثقة بالألفة والاجتماع البشري، وإنما بناء القاعدة الأخلاقية والحقوقية. الأسس القادرة علي الجمع بين الأصالة والحداثة، بين الدولة المدنية الجامعة وإمامة العقل والعدل، بين كرامة الإنسان كمفهوم إسلامي وحقوقه الأساسية كمفهوم عالمي. أي العدالة بالمعني الواسع للكلمة، كمؤصل لاحتقار الفساد والاستبداد والاستعباد.  كقاعدة سليمة للحكم الصالح المؤسس علي المواطنة، وأساس لاستعادة الحقوق الوطنية

  البديل (القاهرة)  07/06/2008

No Favorites Has Been Added!