October 26, 2020

المبادرات السورية والسياسات الدولية

تحدثت في مقال سابق عن انهيار المعارضة السورية. وقلت في نهاية مداخلتي، في العلوم الطبيعية كما في السياسة، لا يوجد مكان للفراغ. واليوم نعود لاستكمال تحليل أوضاع المجتمعين المدني والسياسي ومحاولات خرق الفراغ الناجم عن انهيار التعبيرات التي ولدت بعد 2011، والتي رغم كل حقن الإسعاف المالية والسياسية والإعلامية الخارجية، لم تعد جزءا من الحل بقدر ما صارت جزءا من المشكلة والقضية السورية. لذا يمكن القول أن السوريين يعيشون اليوم ظاهرة موضوعية اسمها إعادة البناء السياسي والمدني حيث تتعدد المبادرات والندوات والسهرات، رغم كل حالات الحصار الاقتصادي والخناق الاجتماعي والتشرد وتعدد أشكال الموت البطئ.. فكما سبق وقلت: تعرف المجتمعات البشرية على اختلافها، ظاهرة انتحار الأفراد، ولكن البشرية لم تسجل بعد انتحار الشعوب في قاموسها ولن تسجله.

 يحاول كل من المبادرين استنباط معالم لطريق الخروج من حالة الموات السياسي بشكل من الأشكال. إلا أن تعدد التجارب الذاتية واختلافها، والنرجسيات والأحقاد الصغيرة، وحالة التصحر في الثقافة السياسية الديمقراطية التي يتقاسم مسؤوليتها كل التعبيرات السياسية التي حدثت الناس بالوطنية والديمقراطية طيلة أربعين عاما، ومحاولات كل طرف تبرئة الذات من عطب لم يعد بالإمكان إخفاء شينه وقبحه، بعد مآسي تسع سنوات.. خلق عند الشبيبة أولا، ومن لم تتلوث يديه بفساد أو دم ثانيا، حالة ريب وخوف. وقد أعجبتني جملة لأحد رموز حقبة “أصدقاء الشعب السوري” عندما قال قبل أيام: “من الصعب إعادة المصداقية لمن افتقدها، لذا مني وعلي، على الجيل القادم أن ينطلق دون أية أوهام حولنا”. وأكرر ما قلت أكثر من مرة، “استشيرونا ولا تنتخبونا”، لأن الخبرة والتجربة ضرورية للجيل الجديد، لأن الهدف المشترك هو بناء غد ديمقراطي مدني لسوريا، ومن الضروري نقل الدروس المرّة التي عايشناها كي لا تتكرر أخطاء الماضي القريب والبعيد.   في نقل الدروس المرة التي عشناها..

من المبادرات التي انطلقت منذ أكثر من عامين وما زالت تتعكز وتراوح في مكانها، محاولة عدد من الأحزاب السياسية المتبقية في هيئة التنسيق الوطنية بناء ما سمي “جود”. تشكلت اللجنة التحضيرية في وقت يشارك فيه أكثر من نصف المبادرين في اللجنة التفاوضية، متقاسمين الكعكة، ولكن أيضا أهم المواقف مع الائتلاف. وقد ارتفعت وانخفضت حرارة النشاط في هذا المشروع مع انغلاق أفق عمل اللجنة التفاوضية أو إغلاقها من الائتلاف، الذي ومنذ الرياض 1، حرص على التمتع بأغلبية تسمح له بإبعاد من يخالف السياسة العامة المطلوب منه تنفيذها. سمح وجود جود فائدة بالتصريح أو النقد حين يصعب الصمت، لكن هل يكفي هذا أو يسمح ببناء أو تنظيم ما يمكن تسميته “حلبون2”.. للأسف أقول لا، أولا لأن أهم من صنع مؤتمر حلبون 1 أصبح خارج هذه الهياكل، وثانيا، لأنها تعود لنفس الوسائل القديمة التي ثبت عقمها ومحدودية سقفها (الحوار بين الأحزاب بحثا عن وثيقة تفاهم)، وثالثا: لأن التاريخ يكرر نفسه مأساة أو مهزلة. من المؤسف أنه ليس بإمكان أحد أن يقول جملة ماركس: “لقد كنا ومن كان معنا على خطأ؟” لا يوجد تشكيل واحد يمتلك الجرأة على ذلك، وباستثناء الأبناء والأقارب، يغيب الدم الجديد عن هذه التنظيمات منذ سنوات. ولم تعد تشكل قوة استقطاب مستقبلية.    

هناك تجربة أخرى تقوم على الندوات بحثا عن التقاطعات واستنباط الحلول عبر التقاطعات بين سياسيين ومثقفين. وهي تجربة مفيدة لأنها تجري بشكل مواطني غير حزبي، ورغم أن قسما كبيرا في هذه الندوات ممن هجر حزبا أو مجلسا أو ائتلاف، وقسم آخر ينتمي لفئة المستقلين، فإنها تتسم بالحرية والتعددية التي تسمح بتشريح الأوضاع واستنباط آراء جديدة.

هناك اجتماعات يبادر لها طرف بالتواصل مع ما يمكن التواصل معه، دون حساسيات أو اعتراضات، معظم هذا الشكل يتم داخل الوطن، بمناطقه المختلفة، وهذه الظاهرة على اختلاف المبادرين لها هنا أو هناك، تعيد للنقاش والحوار بين السوريين أهميته، في وقت لم يعد يتحدث في الحل العسكري سوى المسعورين والمتهورين.

من الضروري متابعة التجربة النقابية شمالي سوريا. وبشكل خاص نقابتي الأطباء والمحامين، واعتبارها جزءا أساسيا من عملية إحياء المجتمع المدني في أوساط اعتبرت المدنية كفرا والديمقراطية شرك. رغم كل المضايقات والحصار المادي والمعنوي.. كذلك تشكل حلقات النقاش في أوساط الضباط المنشقين الذين حرصوا على استقلالهم عن أي طرف غير سوري، تبشر بالأمل بأن الحديث في بناء جيش وطني سوري ليس مجرد رغبات وتنظير.

من الضروري متابعة المبادرات الوطنية في السويداء، لأنها تحمل بعمق التوافق على دولة مواطنة وعقد اجتماعي جديد، كذلك الحوارات والتفاعلات المدنية- السياسية في محافظة درعا. حيث ينظم عدد هام من الكوادر لقاءات دورية مع أشكال تنسيق بين اللجان الشعبية التي تتشكل في القرى والبلدات. تحمل هذه اللجان مشروعا اجتماعيا ومدنيا وسياسيا ينطلق من عيانية الأوضاع، ويسعى للتقدم نحو صيغة تنظيمية غير تقليدية. وبهذا المعنى، فهم يسطرون تجربة أصيلة تستحق من جميع الوطنيين متابعتها والتفاعل معها.

هناك حلقات النقاش الشبابية، وهي متعددة وغالبا ما تطرح القطيعة مع كل التنظيمات التي أوصلت مع السلطة، البلاد والعباد لحالتنا المأساوية، عسكرية أو مدنية أو سياسية. وهي تستخدم وسائل التواصل بشكل خلاق وناجح. وتبادر حيث تستطيع ميدانيا الفعل في رفض لأية مراتبية في المهام (لا نسمع لا قرارات مجلس الأمن ولا إسقاط النظام ولا هيئة حكم انتقالي إلخ). مثال للأسئلة التي يطرحونها ويحاولون تقديم إجابات عملية عليها: كيف يمكن توفير مساعدة لترميم مدرسة أو تأمين الدواء لمريض مزمن؟ تشكيل مجموعات لمحاربة كورونا، إيصال مساعدات غذائية، تشجيع أشكال التضامن في الحي والقرية لمواجهة صعوبات العيش اليومية، تنظيم حملات مدنية ضد الحصار والعقوبات، تشجيع المحامين على الخوض في قضايا الدفاع عن المعتقلين والمخطوفين… فيهم الطبيب الذي رفض مغادرة منطقته حرصا على واجب معالجة أهله، المتخرج الجامعي الذي لا يجد عملا، مقاتل سابق طلّق العنف ويرفض أي تعاون مع سلطات أمنية ما زالت تستعمل هذا العنف بحق المواطنين، طالب جامعي يستفيد من أوقاته لمساعدة الآخرين إلخ.. لعل هذه المجموعات من أكثر الأطراف نضجا وقربا للناس.. وهم يشكلون كابوسا مرعبا لأجهزة الأمن والأحزاب التقليدية.. فهم يعملون بشكل عفوي على مبدأ التسيير الذاتي غير المركزي، ولا يصدرون البيانات أو المناشير، ويرفضون الإنغلاق على أنفسهم في هيكل محدد، ويعتمدون الفكاهة السوداء والصور والتعليقات وتفكيك الخطاب الرسمي في الموضوع المتناول، ولعلهم أنجح بكثير من الأحزاب السياسية في تفكيك منظومة الفساد والاستبداد..

شرقي الفرات، يسعى جناح في مسد لضم، أو التنسيق مع، ما استطاع للخروج، ولو شكليا، من الهيمنة المطلقة لحزب الاتحاد الوطني الديمقراطي وتف دم ووحدات حماية الشعب. إلا أن الوجود الأمريكي وقيادة قنديل يشكلان عائقا أساسيا أمام ذلك. فالأمريكي يحرص على كيان صغير له الحق في طلب بقاء قاعدة أمريكية دائمة في مناطق النفط كما هو الحال في السليمانية على الأقل، لذا يحرص على تفاهمات كردية كردية أكثر من تفاهمات سورية عربية-كردية. وقنديل ليست على استعداد للتخلي عن هيكل عسكري على نمط البيشماركة العراقية. نحن أمام تحديات جدية لا يكفي فيها حبوب الأسبرين المشهدية من حميميم أو موسكو. ولا بد من دعم الصوت الوطني السوري الذي يحترم الحقوق القومية للجميع في إطار الوطن المشترك والجيش الواحد واللا مركزية الإدارية.

في اسطنبول، ثمة محاولات يائسة لإعادة الروح للجسد الميت، تارة بالإعلان عن “جبهة التحرير والبناء” على الورق، وتارة بالتواصل مع تنظيمات مدنية وسياسية وشخصيات عشائرية ضمن مشروع لم يتوقف الحديث فيه ولم ينجح يوما اسمه إعادة بناء وتوسيع الائتلاف.. لا أعتقد بأن كل ما نراه من مشاريع واتصالات وأوراق يمكنها أن تبعث العظام وهي رميم.

أخيرا وليس آخرا، نشهد منذ عامين ونيف المبادرة الوطنية السورية، والتي جمعت عددا كبيرا من التواقيع من أجل مؤتمر وطني. ولنتحدث بصراحة هذه الليلة، كان الهجوم شرسا على هذه المبادرة منذ اللحظات الأولى. وطلب عدد من الموقعين عليها سحب تواقيعهم.. وهناك من كان في صلب المبادرة منذ اليوم الأول وغادرها، سواء انكفاء، أو ما أسماه تصحيحا لمسارها.. وكون هذه المبادرة مستقلة القرار ورافضة لأي تبعية، فقد حوربت بدرجة أو بأخرى من مختلف الدول المتدخلة في المنطقة. مع هذا تسعى اللجنة التحضيرية للتواصل مع كل الوطنيين السوريين الراغبين في قيام جسم سياسي واسع التمثيل قادر على تعبئة الفراغ الذي خلقه انهيار الأشكال العتيقة للمعارضة، والتي لم تعد قادرة على استعادة ثقة الناس بها. وكوننا في مرحلة التحضير والتواصل، من واجب اللجنة التحضيرية تقوية احتمالات نجاح مؤتمرها بالتواصل والاحتضان لكل المبادرات المجتمعية التي نقف بكل احترام أمام تجاربها الصاعدة.

 اختلف مع العديد من زملائي حول الدور الأمريكي في سوريا، فأنا اعتقد بأن السياسة الأمريكية في سوريا منذ أربع سنوات تتميز بغياب الرؤية الواضحة وخارطة طريق جدية، بغض النظر عن مصداقيتها. بومبيو- جيفري يعتمدان بكل بساطة على مبدأ التعطيل بانتظار ركوع المحاصرة.. ويتصور السيد جيفري أن ما فشلت الولايات المتحدة به في كوبا قابل للنجاح في سوريا. وهناك جمع من السوريين، الذين غادروا وعائلاتهم البلاد منذ عقود، يقكرون بالطريقة نفسها.. لكن واقع الأمر، أن هذه السياسة هي التي تحجم الدور الأمريكي وتعطي هوامش واسعة لثلاثي الأستانة.

لدينا مخاوف جدية من حرق آخر أوراق التوت عن مساعي الأمم المتحدة، وأن يجري نقل الملف، ضمن تفاهمات ومقايضات موضعية، إلى موسكو.. ولهذا حديث يحتاج لإسهاب.

—————————  

هيثم مناع مؤسس تيار قمح (قيم، مواطنة، حقوق) وعضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار.

 

No Favorites Has Been Added!