July 15, 2020

احترام الدولة الداعرة للاتفاقيات الدولية غزوة أريحا مثلا

State pornographicصورتان، ستبقيان في مخيلة كل صاحب ضمير. الأولى، صورة سجناء شبه عراة يحملون ما استطاعوا من ملابسهم وحاجياتهم مندفعين نحو مجهول جديد. الثانية صورة سجن مدمّر بعد أن أنجز مهمته في الاحتفاظ بعدد من القياديين الفلسطينيين لمدة أربع سنوات قبل أن تصل حكومة فلسطينية في برنامجها احترام قرار محكمة العدل العليا الفلسطينية التي قضت في حزيران/يونيو 2002 بإطلاق سراح القياديين الفلسطينيين أحمد سعدات وفؤاد الشوبكي.

فبعد أقل من عشر دقائق، على مغادرة ما سمي بالمراقبين الدوليين الأمريكيين والبريطانيين، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مركز إصلاح وتأهيل أريحا المركزي صباح أول أمس الثلاثاء وقامت باعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات وأربعة من رفاقه ومدير المالية العسكرية الفلسطينية اللواء فؤاد الشوبكي وعشرات الفلسطينيين من السجناء ورجال الأمن والعاملين الذين كانوا بداخله. وقد أسفر عن الاقتحام الإسرائيلي اختطاف كل من كان داخل السجن واستشهاد وجرح مدنيين فلسطينيين وتدمير لمعظم أجزاء السجن وترويع لأطفال فلسطينيين تواجدوا في حضانة وروضة بالقرب من السجن. ليشهد العالم على الهواء مباشرة، جريمة حرب تمثل خرقا معلنا للقانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص اتفاقية جنيف الرابعة، وجميع المواثيق الدولية ذات الصلة بمعاملة السجناء والموقوفين في أماكن الاحتجاز، والاتفاق الرباعي الفلسطيني الإسرائيلي الأمريكي البريطاني، الذي قضى في حينه، بوضع ستة “معتقلين”  في سجن فلسطيني في مدينة أريحا تحت حراسة أميركية بريطانية.

خلال قرابة أعوام أربعة، قدمت الحراسة البريطانية الأمريكية بانتظام تقارير عن وضع السجن للأطراف المعنية بالاتفاق تجاوز عددها 150 تقريرا، وأرسلت أكثر من أربعين رسالة منها عدد من الرسائل يهدد بسحب المراقبين. إلا أن الجديد هذه المرة، يتلخص في أن نجاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالانتخابات النيابية الفلسطينية، يعني أن وزارة الداخلية ستؤول غالبا إلى عضو فيها، وبالتالي سيضطر المراقبون الدوليون للتعامل مع حكومة مشكلة، حسب رأيهم، من منظمة إرهابية، الأمر الذي ترفضه حكومة بلير وإدارة بوش. هنا قفز رئيس وزراء إسرائيل بالوكالة على الفرصة ليضرب عصفورين بحجر. من جهة، يلغي أي نقاط تماس إجبارية بين حماس والدول الغربية، ومن جهة ثانية، يقدم نفسه كقائد غزوة أريحا التي “نجحت” باعتقال القائد الفلسطيني أحمد سعدات ورفاقه وإحالتهم  لمحكمة إسرائيلية.

أما القانون الدولي واحترام الاتفاقيات الموقعة فمبدأ يسري على بني الضعفاء ومعسكر الشر والإرهابيين والمتطرفين وذوي السبيل.

هذا التغييب المتعمد لفكرة المواثيق والاتفاقيات، وربط العهد والقرار الدولي بمنطق القوة وحده، هو المنتج الرئيسي للعنف والتطرف اليوم. فمنطق الدولة الداعرة، الذي اتبعته إسرائيل منذ ولادتها، وتطبقه الإدارة الأمريكية الحالية بإعجاب، يعطي ردود أفعال غير عقلانية وغير منظمة. إن التحطيم المنهجي لأية مرجعية قانونية وأخلاقية في ممارسات القوي يحطم أية مرجعية قانونية أو أخلاقية في ردود فعل الضعيف. فعندما يقوم رجل مدجج بالسلاح باغتصاب امرأة مكبلة، وتستطيع الأخيرة أن تمسك بموس أو عصا، فبالتأكيد لن تقدمها هدية لمن يغتصبها.

لا تستطيع الحكومة الفلسطينية الحالية التنصل من مسئوليتها في عدم إطلاق سراح سعدات والشوبكي احتراما لقرار محكمة العدل العليا الفلسطينية، ولا يمكن لوزير الخارجية البريطاني أن يعطينا دروسا في الشرعية الدولية. لقد جاءت غزوة أريحا لتبين أكثر من ذي قبل الوجه البشع للسياسات البريطانية والأمريكية في المنطقة، ومدى ارتباط هذه السياسات بمواقف المحتل الإسرائيلي.

هناك أكثر من ثمانية آلاف سجين وأسير هم ضحية القرصنة الإسرائيلية اليوم، وما زال الشعب الفلسطيني يعاني واحدا من أشد حالات الحصار في ظل الاحتلال التي عرفتها البشرية. وبعكس ما جاء في تقرير الخارجية الأمريكية، نشهد أعلى نسبة لانتهاكات حقوق الإنسان تمارس من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تتعرض بشكل يومي للبيئة والأرض والماء والأحياء مغيرة في الخريطة السكانية مقيمة لمناطق أبارتايد عربية خلقتها جريمة ضد الإنسانية اسمها الاستيطان. لقد أصبح النيل من كرامة الإنسان الفلسطيني وشروط الحياة الدنيا له، جزء لا يتجزأ من أمن دولة إسرائيل.

سيأتي الفيتو الأمريكي كالعادة، ضد كل ما يمكن أن يطالب إسرائيل، كدولة احتلال، بتطبيق القانون الدولي الإنساني الذي يكفل احترام إنسانية وحقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال في مناطق النزاعات والحروب. وستقوم الآنسة كونداليسا رايس بشرح الموقف للحكومات والشخصيات العربية الحليفة، وستطرح مراكز البحث الأمريكية والبريطانية على نفسها السؤال: لماذا يكرهوننا ؟

باريس في 16/3/2006 

No Favorites Has Been Added!