November 19, 2017

رامبو والإرهاب.. وإرهاب الدولة

رامبو والإرهاب.. وإرهاب الدولة !
هيثم مناع
في نقاش معمق مع صديق سوري-أمريكي في آذار/مارس 2013 قال صديقنا: “رامبو ليس شخصية هوليودية، هو صورة المارينز في العالم الافتراضي والمشهدي. صورة مستقرة في المخابرات المركزية الأمريكية والبنتاغون. اليوم الرئيس الأمريكي(المقصود أوباما) بخلفيته القانونية وجائزة نوبل التي نالها قبل الاستحقاق، غير قادر على تقديمها لليمين المحافظ الأمريكي ولكن الأجهزة لن تتوالى عن استعمالها في أول فرصة”.
وقد صدق صاحبنا، فبعد احتلال داعش للموصل نهض رامبو في حلة “تحالف دولي” يقصف يسارا ويمينا باسم مكافحة الإرهاب. عدد الضحايا، وفق المنظمات الحقوقية الغربية، من المدنيين، ثلاثة أضعاف عدد القتلى من الإرهابيين، وفي الأربعين يوما الأخيرة لكتابة هذا المقال، قتلت طائرات التحالف في سوريا 204 مدنيا بينهم 32 طفلا و34 امرأة وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. هذا إذا تحدثنا عن سوريا ولم نتعرض للمجزرة التي ارتكبت في الموصل بقصف أمريكي.
في 4 أبريل/ نيسان 2017 وقعت مجزرة الكيميائي في خان شيخون. وهي جريمة حرب مهما كانت الوقائع والتبريرات، فإن قام الطيران بالقصف بالسلاح الكيميائي فهو يرتكب جريمة حرب مباشرة، وإن قصف مستودعات تحتوي أسلحة كيميائية وهو على علم بذلك فهو أيضا شريك في الجريمة. أي بكل القراءات السورية الرسمية والقراءات الغربية، ثمة جريمة حرب ارتكبت. وعندما ترتكب جريمة، من الضروري تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، دولية لأن سوريا لم تعد لأبنائها. و62 بالمئة من أراضيها خارج سيطرة الحكومة في دمشق، بما في ذلك خان شيخون الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام المصنفة أمريكيا كمنظمة إرهابية. وقد اعتبرت سوريا منطقة نزاع مسلح منذ 2012 من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهيئات الأمم المتحدة على اختلافها. وكون المبدأ في مثل هذه الجرائم، أن المجرم برئ حتى تثبت إدانته، كان من المفترض على الحكومة الفرنسية، التي أعطت أفضل مثل لسياسة خارجية فاشلة والتي تعيش أيامها الأخيرة غير مأسوف عليها حتى من اليساريين، والحكومة البريطانية التي تتعثر بالبريكسيت وغيره من الأزمات الداخلية التي لن تجعلنا نرى المملكة المتحدة متحدة في عام 2020، أن تتقدم بمشروع قرار يجمع بين ضرورة الإدانة وعقلانية الإجراءات التي تحدد الجاني وتجعل محاسبته حصيلة إجماع دولي. لكننا في عصر المزاودات والنكاية والصغار، لذا كان مشروع القرار البريطاني الفرنسي لا يستحق الحبر الذي كتب فيه، الطرف الروسي، الذي قال لنا في 2011: “سيكون هناك عشرين فيتو ولن نسمح بتكرار الخدعة الليبية”، قام بإعداد مشروع مضاد أعرج أيضا، وهنا وقف “رامبو” الذي وصل للبيت الأبيض هذه المرة، ليحمل على كتفه صواريخ توماهوك مخاطبا ناخبيه وناقديه في عموم الولايات المتحدة: سأذكر العالم بأنني شرطي بلا حدود يقرر ما يريد عندما يريد. اللوبي الإعلامي الموالي لإسرائيل يتصالح مع ترامب الذي يقصف الجيش السوري، الكونغرس يعاتبه لعدم تقاسم شرف اتخاذ القرار معه، وصديق الرئيس بوتين (تيليرسون) يمكنه التوجه إلى موسكو، إذا لم تلغ الزيارة، حاملا العصا عوضا عن الجزرة للتخلص نهائيا من تهمة الدعم الروسي لترامب.
النفاق هو الوصف الوحيد لمجريات الأحداث. نفاق دول الخليج التي تقول في جلساتها المغلقة “اللهم ابعد عنا شر ترامب واجعله ينشغل بأعدائنا الإيرانيين آمين”، الإعلام القطري “المستقل” يجد الفرصة لنسيان اتفاق الدوحة بين “هيئة تحرير الشام” والطرف الإيراني حول البلدات الأربعة (كفريا والفوعة ومضايا والزبداني)، والذي جرى بمباركة رئيس الهيئة العليا للتفاوض كما أكد لنا مسئول قطري، ونالت قطر بموجبه وعدا بالإفراج عن الرهائن القطريين في العراق. نفاق أردوغان الذي خاض جديا في مباحثات الأستانة ويبحث عن أية ذريعة لإبعاد شبح انهيارها قبيل استفتاء التعديل الدستوري، نفاق نتنياهو الغارق في فضائحه وصراعاته الداخلية والذي يجد في رامبو الحليف الذي أرسله الرب لإنقاذه من مشاكله، النفاق الفرنسي لرئيس اشتراكي لن يتمكن مرشحه من الحصول على 15 بالمئة من أصوات الفرنسيين، والنفاق البريطاني التقليدي. الروسي كان يعلم بالضربة كما هو حال نتنياهو، لذا قايض على حجمها وعدم تعرض جنوده لنيرانها…
في مقالة للدكتور فيصل القاسم، بعنوان “المتغطي بالأمريكان عريان”، بدأ مقالته بالقول: “ليس هناك أدنى شك بأن كل القوى الاستعمارية والإمبريالية الكبرى عبر التاريخ كانت بلا أخلاق، فلا يمكن للمستعمر أن يكون صاحب مبادئ أصلا، لكن اعتقد أن أمريكا تفوقت على أغلب المستعمرين عبر التاريخ”. ويستشهد مرتين بكيسينغر، مرة حين يقول: “الغموض البناء في السياسة الخارجية الأمريكية هي سياسة بحد ذاتها”، وثانية لقوله: “أمريكا ليست معنية بحل الأزمات الدولية بقدر ما هي معنية بإدارة تلك الأزمات والتحكم بمسارها لخدمة المصالح الأمريكية”. وكم أتمنى أن يحلل القاسم الضربة العسكرية الأمريكية بنفس المنطق الذي كتب فيه المقال اليوم، وأن لا يكون في صف المصفقين “على عماها” الذين لم يغادروا محطات التلفزيون كالراقصات في ليلة عيد رأس السنة يتنقلن من مطعم إلى آخر. لقد أصبحت سمعتنا كمعارضة سورية في الحضيض، ولا أخفيكم أن العديد من الشخصيات الوطنية المعارضة حقا وفعلا، والتي أمضت في سجون الأسد، الأب والابن، أكثر من عشرين عاما في السجن، قد طلبت من اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الديمقراطي الذي سيعقد في جنيف في منتصف هذا الشهر، عدم وضع كلمة “معارضة” في اسم المؤتمر. كتب سجين سابق لنا ونحن نحضر للمؤتمر: “عندما تصبح المعارضة المعترف عليها غربيا وخليجيا تلك التي تقدم أوراق اعتمادها لغير السوريين، وترهن قرارها بأهوائهم، يفضل أن نستخدم كلمة أخرى، ونترك للإخوان ورياض ورياض الصالحين حق احتكار الكلمة”. فقد اكتشفت معارضة اسطنبول أن ترامب، وليس الإسلام هو الحل. فبفضل ترامب تستقبل الإمارات المتحدة يوميا الإخواني أحمد رمضان على محطاتها، وهي التي تخوض حربا شرسة مع الإخوان المسلمين في جميع المحافل، وبفضل ترامب، عاد صاحب قناة بردى الممولة من الخارجية الأمريكية كما هو معروف ليقول: ألم نقل لكم الأمريكي هو الحليف الأول والأخير… وبفضل ترامب، كل أنصار الحل العسكري الذين خفتت أصواتهم بعد هزائمهم العسكرية والسياسية عادوا يتحدثون عن الموقف الإيجابي والصائب للرئيس الأمريكي، وضرورة القيام بضربات أخرى ليس فقط ضد مواقع سورية بل مواقع كورية شمالية وإيرانية ومواقع لحزب الله إلخ.
قصر النظر والأمية السياسية صارت العملة الأكثر رواجا في الشأن السوري، والتضارب في المواقف صار سمة عامة ومشتركة. لقد تراجع أقطاب معارضة الارتهان الخارجي بدقائق، عن كل ما قالوا في الأمريكي “الذي يسلح إرهاب حزب العمال الكردستاني” والذي “خدم الأسد أكثر من روسيا” والذي “نكث بكل وعوده للثوار”… هذه الجمل لم يجف حبرها بعد، ومازالت تملأ المواقع والصحف، فاحتراما للنفس والناس، نتمنى أن يكون التعامل مع السياسة الأمريكية “البناءة الغموض”، بالحد الأدنى من المنطق والتماسك. وليكن منا من يقلها بصراحة أخيرا لكل من يقول “بقاء الأسد يعزز الإرهاب”، إن بقاء هكذا قيادات للمعارضة هو ما يعزز بقاء الأسد.

No Favorites Has Been Added!