November 19, 2017

الإصلاح الإسلامي والمرأة

womanكيف يمكن أن يكرّم الإسلام الإنسان (أي الذكر والأنثى) ويضطهد النساء؟ كيف تنسخ آيات من كلام الله في حياة النبي احتراما لتغير الأحكام بتغير الظروف والأزمان ويوقف الفقهاء عقارب الساعة عند الأحكام الصادرة في صدر الإسلام؟ كيف يعطي القرآن مكانة أولى للعقل والعاقلين ويقتل السلفيون العقل باسم النقل؟ لماذا يحثّ الإسلام على طلب المعرفة والعلم إن كان “كل شئ موجود والحمد لله” ؟

بهذه التساؤلات المشروعة يتصدى الإصلاحيون منذ جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين والطاهر حداد وصولا إلى محمود محمد طه وجيل من المجددين الرافضين لسجن الإيديولوجية الأصولية.

ليس من العدالة القول بأن مناهضة أدلجة الدين تنتمي لهذا القرن وحسب، فقد انزرعت نويات هذا التوجه منذ أبي ذر الغفاري وغيلان الدمشقي والحسن البصري ومالك بن دينار، وكانت له صولات وجولات مع النظّام والعلاف والجاحظ والكندي وابن سينا وماسويه، وقد وجد في المتنور من الاتجاهات الباطنية صدى نداء التفاعل بين الفلسفة والدين. وسجل إنجازات حضارية مع ابن رشد وابن عربي. وحتى مدارس الفقه لم تنج من فيروس التجديد والإصلاح، وإن كانت أقل من تأثر فيه. أما المجتمعات الإسلامية، فتصنف بعفوية في وعيها الجماعي حقبة الازدهار الحضاري في تلك الفترة التي أحياها أهل الفكر والفلسفة والمعرفة، رغم كل عمليات التعتيم على كتابة التاريخ بشكل موضوعي.

اتبع أهل الإصلاح والتجديد مناهج عديدة تعتمد بمعظمها على الفصل بين إثبات الخالق ووحدانيته كأساس أزلي واعتبار قضايا الدنيا من الفروع المحتملة لوجوه عديدة كلها هدى ورحمة للبشر إنطلاقا من كون الدين يسر لا عسر وأخذا بالحديث النبوي “إنكم اليوم على دين، فلا تمشوا بعدي القهقرى”. باعتبار أن التنظيم الاجتماعي العام، باستعارة تعبير الشيخ عبد الله العلايلي، خاضع للمتغيرات العاملة الدائبة؛ ففي كل حين هي في شأن، فإذا أفرغت في قوالب، وأغلق عليها، تفانت وتناهت على ذات نفسها، وذوت حتى الذماء، أي لفظ الأنفاس، وغدت أواصر حياة الجماعات العامة مستحجر مجتمع، لا متفجّر حركية دينامية، لكل لحظاتها إيقاعات شلال، لا ينضب ولا يغيض .

يلتقي الأفغاني ومنصور فهمي على تصنيف العزل والحجر بين كبريات المصائب على النساء في المجمعات الإسلامية. ويرى الأفغاني أن الرجل يقيد المرأة ويكبلها تارة بدعوى الدين وأخرى في عدم كفاءتها من حيث التكوين مع أن دعوى التكوين والمواهب من قوة وجسم وعقل وصحة ما كانت أبدا على نسبة واحدة في الرجال كما لا يصح أن يحكم على تجرد النساء منها والذي نراه من التفاوت إن هو إلا من حيث التربية وشكلها وإطلاق السراح للرجل وتقييد المرأة في عدم البراح من الخضر وحصر مواهبها في ذلك المضيق”.

أكد الإمام محمد عبده على أن الأحكام تتغير بتغير الأزمان والشريعة لم توضع لتحويل سنن الكون والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، إن الحاجة تنزل منزلة الضرورة والضرورات تبيح المحظورات والتعيين بالعرف كالتعيين بالنص والحكم الذي تمس إليه الحاجة أو الضرورة يصير متفقاً عليه ذلك هو قوام الشرع الصحيح بل قوام كل شرع. وقد كتب منذ 1880 في قضية الزواج والمرأة منتقدا الخطاب الفقهي التقليدي وكان له بالغ الأثر على قاسم أمين في كتابه “تحرير المرأة”.

فتح كتاب “تحرير المرأة” ملفا من أصعب ملفات الحقوق والحريات في العالم العربي. ورغم ردود الأفعال القاسية التي رافقت صدوره، انطلق قاسم أمين في المرأة الجديدة من المرجعية المحلية إلى المرجعية العالمية ومن النفير المطالب بالاستيقاظ إلى قواعد الاجتماع والنفس الحديثة مع تفسير ذرائعي يضيف لمبدئية قضية المرأة بعدي الضرورة والمنفعة العامة. يتحدث قاسم عن علة الشرق في النهج الاستبدادي العام السائد فيه فيقول: ” انظر إلى البلاد الشرقية، تجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم فهو ظالم في بيت مظلوم إذا خرج منه”. وكمثل لانتهاك حرية المرأة يقول : ” الرجل الذي يحجر على امرأته لا تخرج لا يحترم حريتها. فهي من هذه الجهة رقيقة بل سجينة والسجن أشد سلبا للحرية من الرق”. ويقول في الحرية : ” الحرية هي قاعدة ترقي النوع الإنساني يوم عراجه إلى السعادة ولذلك عدتها الأمم التي أدركت سر النجاح من أنفس حقوق الإنسان “.

على نهج قاسم أمين وضرورة الإصلاح يقول عبد الرزاق السنهوري: “الشريعة الإسلامية في حاجة إلى حركة علمية قوية، تعيد لها جدتها، وتنفض ما تراكم عليها من غبار الركود الفكري الذي ساد الشرق منذ أمد طويل، وتكسر عنها أغلال التقليد الذي تقيد به المتأخرون من الفقهاء”. ويقترح السنهوري تطوير الإجماع ليصبح ابن سلطة تشريعية منتخبة يقول: “الإجماع في المرحلة الأولى كان شيئا يصدر عن غير قصد بل عن غير شعور. عادة ألفها الناس فصارت محترمة. أما في المرحلتين الأخيرتين، فهو يصدر عن شعور، وإن لم يصدر عن اتفاق مقصود. فلو تطور الإجماع، في مراحله المنطقية، وجب أن يصل إلى مرحلة يصدر فيها عن هذا الاتفاق المقصود، ولا يكتفى فيه بالاتفاق العرضي، فيجمع المسلمون، أو نواب عنهم، ويستعرضون مسائلهم، ويقررون فيها أحكاما تتفق مع حضارة زمنهم، وهذه الأحكام تكون تشريعا. وبذلك يكون الإجماع عنصر التجديد في الشريعة الإسلامية، يحتفظ لها بمرونتها ومقدرتها على التطور”.

مع الطاهر حداد، خطا الإصلاح الإسلامي خطوة كبيرة عبر إصرار ابن الزيتونة على فتح باب المسائلة وضرورة فهم الوضع المجتمعي للنساء وبتعبير الطاهر “موضوع المرأة والزواج والمنزل والعائلة من الوجهات النفسية والاجتماعية والتشريعية”.

فقد توجه الطاهر حداد إلى عدد من رجال الدين بالأسئلة التالية:

– – هل للمرأة حق اختيار الزوج، وهل لوليها ذلك، ولمن تكون الكلمة الأخيرة؟

– – هل ظهور العيب الموجب للفسخ في أحد الزوجين بعد البناء يعتبر مصيبة نزلت بالآخر لا مناص عنها؟

– – هل الغيبة الطويلة المتلفة لمتعة الزوجية تعطي حق الاختيار للمرأة في الطلاق أم إنه ممتنع ما بقي الإنفاق، وهل المفقود وغيره في ذلك سواء؟

– – هل يمضي الطلاق بمجرد التلفظ به الناشئ عن حدة غضب أو تعليق، أم إن المعتبر في ذلك تحقق استحالة العشرة بين الزوجين؟

– – هل للمرأة أن تثبت لدى القضاء عدم التناسب بينها وبين زوجها في الروح والأخلاق والرغبات بما ينفي طيب العشرة بينهما فتطلب بموجب ذلك الطلاق؟

– – هل للمرأة أن تلاعن الرجل في رؤية الزنى، أم إن ذلك من خصائصه وإذا كان كذلك فعلى أي نظر بنى هذا الاعتبار؟

– – هل يجوز أن يضمر الرجل نية الطلاق في نفسه عند عقد النكاح فيصح ذلك ويتم “النكاح”؟

– – هل المرأة في البيت رفيق مساو للرجل يعملان باشتراك في الرأي والتنفيذ أم أنها قاصر تحت رعايته كأداة لتنفيذ أوامره؟ وهل إن امتنعت من هذا تجبر عليه أم ماذا يكون؟

– – ما هو مقدار الحرية التي تتصرف بها المرأة في تجارة أو غيرها متى كانت رشيدة ؟ وهل للزوج ولاية عليها في ذلك أم تقويض جبري؟

– – ما هو اعتبار المرأة بوجه أعم، وهل من قائل بتقديمها في إمامة الصلاة وغير ذلك من شؤون خارجة عن دائرة البيت؟

– – ما الذي يجب ستره من البدن عن الأنظار صونا للأخلاق؟”.

يؤكد الطاهر حداد إذن على الاجتهاد كباب للتجديد وعلى المجتمع كمرجع لهذا التجديد لقد بنى الطاهر حداد القسم التشريعي من كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” على نظرية التدرج في تشريع الأحكام المتصلة بالأحوال الشخصية واعتبر تلك الأحكام عرضية، دنيوية لا تمس جوهر العقيدة وتقبل التغيير والتطوير. أما الأحكام الجوهرية كعقيدة التوحيد ومكارم الأخلاق وإقامة العدل والمساواة بين الناس .. فإنها خالدة بخلود الإسلام. أما القسم الاجتماعي فينقل لنا مشاهد حية من حياة الأسر التونسية داخل البيوت في عرض دقيق ونقدي غايته تشريح وضع الأسرة التونسية والبحث عن نقاط الضعف في بنيانها وثقافتها وعاداتها.

وفي الكتاب يبدو جليا المشروع الإصلاحي للطاهر حداد في دعوته إلى تمكين المرأة من حقوقها المدنية كالمساواة في حق الشهادة وتولي مهام القضاء وحرية التصرف في مالها واعتبار نزول ميراثها عن الرجل قابلا للتغيير في اتجاه المساواة، بكلمة، حق المرأة في المشاركة في التعبيرات الأساسية للحياة العامة.

وقد تناول في الكتاب تفصيلات قانونية حينا وطبية أحيانا أخرى حرصا على إقامة العدل وحفظ الصحة العامة فنجده يقيّد عقد الزواج بالفحص الطبي للخاطبين توقيا من آفات الوراثة والأمراض المزمنة والمعدية ويشدد على منع الزواج دون سن الرشد ويفتي بإباحة موانع الحمل، بل تعدى ذلك إلى إباحة عملية الإجهاض إذا وقع الخوف على حياة الأم وسلامة الأسرة. وقد جهر بمنع تعدد الزوجات حفاظا على وحدة الأسرة واستقرارها وتضامن أفرادها كما نادى بتحكيم القضاء في كل ما يقع من حوادث الطلاق وحق المتضرر من الزوجين بالتمتع بالتعويض المالي تضييقا على المطلق بنزوة تضر بقرينته. وانتقد المؤسسة الزجرية “دار جواد” المعدة لردع الزوجة المستعصية النافرة من زوجها، كما اعتبر نفاقا وممارسة بغيضة ملعونة اللجوء إلى “التّياس أو التجحيشة” أي المحلل الصوري للمطلقة بالثلاث. ويمكن القول أنه حتى اليوم لا يوجد بلد عربي يحترم حقوق المرأة بقدر ما يفعل الطاهر حداد.

في رسالة وجهها في الرابع من ديسمبر 1930 إلى المقيم العام الفرنسي بعد أن انتزعت السلطات الفرنسية منه حقوقه المدنية يقول موضحا أطروحته التي تنسجم مع نظرية الحكم عند علي عبد الرازق:

” إن الوظائف في الإسلام ليست دينية كما يظن الجاهلون بالأمر فإن الدين روح لا وظيفة وإنما هي تشريعية لتوفية مصالح الدولة في الإسلام وهي تتطور حسب تطور تلك المصالح نفيا وإثباتا. ونظرة إلى التاريخ الإسلامي ترينا كيف حدثت وظائف في حياة الرسول وأخرى في حياة الخلفاء الأربعة، وأخرى في الدول الإسلامية بعدهم بحسب ما اقتضته الحاجة المتجددة ولو كانت دينية لجاءت كاملة من أول يوم ولما أمكن للمسلمين حذف وظائف وإقامة أخرى مكانها. ونحن المسلمون نعرف كيف نميز الصلاة عن عقد الزواج مثلا فالأولى روح والثانية وظيفة لضمان الحقوق وليست إلا عملا مدنيا لا واجب في انعقاده غير الرضى والقبول من دون غبن ومع قطع النظر عن أي زمن وأي مكان وأي هيئة.

أما شيوخنا فلا أقدر أن أحدد مواقفهم المختلفة وكم هم بعداء في سلوكهم معي عن فهم الإسلام وروح الشريعة. ولا أدري كيف ساغ لهم أن يضعوا إمضاءاتهم في تكفير مسلم لأنه أثبت لنفسه حق النظر في الشريعة وفهمها بما تقتضيه حاجة المسلمين وروح العصر مهما كان مخطئا في اجتهاده ولا شك أنهم مجبورون بحكمهم هذا على بناء النتائج اللازمة عليه فيحكمون أيضا بمنع هذا الكافر من ميراث أهله، وفصله أو منعه من الزواج وإخراجه من جامعة الإسلام حيا أو ميتا وبذلك قتله اجتماعيا كما يشتهون(…).

إنني مهما اجتهد أن احترم وأجل غيري فلا يمكن أن أعتقد أن عائلات ورثت مقاعدها إدخال وإخراج من تشاء من الإسلام بل ولا اعتقد لأحد كائنا من كان حقا مثل هذا وإنما يخرج المسلم من دينه متى شاء هو أن يخرج فيعلن ذلك للناس.

كسر الشيخ عبد الله العلايلي عدة مسلمات في قضية المرأة والزواج وعقوبة ممارسة الجنس للمتزوج (ة) مستنكرا لعقوبة الرجم ومؤكدا على ضرورة العودة إلى الأصل المدني للزواج في الإسلام. وله يعود مفهوم “الشريعة العملية” الذي دافع عنه في وجه المفهوم المتزمت والضيق للإسلام. وهذه الشريعة كما يقول، هي “بمنطق النبي محمد ومنطق العلم في معرض تكيف وتجدد دائمين”. ويقول في شرح مراده: “هذه الشريعة العملية التي لا يخالجني ريب، في أنها القمينة برمّ ما يفري عالم اليوم، من سقم عياء ويستبد به من حمى برخاء… ينعكس فعلها في الفكر والمجتمع ومناهج السلوك، إذا ظلت أسيرة قوالب جامدة. وهذا ما حاذره المبعوث بها في قوله الشريف: إن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة، من يجدد دينها. والحديث الكريم هذا، هو في نظري دستور كامل لحركية الشريعة و “ديناميتها” في مجال صيرورة الزمن، فهي تجدد دائم يدوس أصنام الصيغ في مسار طويل”.

من بين المدافعات أولى عن حقوق المرأة، تميزت نظيرة زين الدين (1908-1976) بدراستها المعمقة للإسلام وانطلاقها في جملة مواقفها من مفهومها الإصلاحي للدين. فهي في الوقت نفسه مصلحة في قراءة الإسلام ومناضلة من أجل المساواة بين الجنسين والمشاركة المرأة في الحياة العامة ونزع الحجاب.

أصدرت أول كتاب لها “السفور والحجاب” قبل أن تبلغ العشرين من عمرها في حقبة تعددت فيها أصوات التجديد، وقد سبقت بإصداره في لبنان الطاهر حداد في تونس. وفي هذا الكتاب يكتشف المرء قراءة متقدمة لمفهوم المرأة في الإسلام أساسها ضرورة إعمال العقل في الدين والتركيز على مصادره وامتلاك نظرة نقدية لقراءات المسلمين المختلفة له. وقد قرأت الطبري والبيضاوي والخازن والنسفي والطبرسي وابن عربي من القدماء والأفغاني وعبده والغلاييني والرصافي والزهاوي من المعاصرين.

تركز الكاتبة الشابة على دور التربية ودور الرجل في توضيح معالم العلاقة بين الجنسين وتعطي مثل والدها تقول : “أرجو من سادتي الرجال أن لا يتهموني بخرق النظام والفرار من سجن الحجاب، فإني لم أفعل ذلك يا سادتي، إنما أخوكم أبي الذي خلقه الله حرا مطلقا – وهو لا يخشى في سبيل الحق لومة اللائمين- هو الذي عد سجني منافيا عدل الله، ومصلحة العيلة والمجتمع ووثق بشرف نفسي وأدبها، فأرسلني سافرة إلى الحياة والنور. ولدى تحكيمي العقل رجحت ما رآى ففعلت”. وتقول : “الدين حلل ما حلل وحرم ماحرم، أما الرجل فحرم الحلال وحلل الحرام”. وتؤكد على مرجعيتها الدينية بالقول: “من الكتاب والسنة قرأت أنوار هدى في الحرية وحرية المرأة وحقوقها تستحي منها الشمس إذا طلعت”. وتقول في آية الحجاب: “قرأت نحوا من عشر تفسيرات لا تنطبق رواية على رواية كأني بكل واحد من الرواة يريد بما يروي أن يؤيد مايرى ولم أر رواية مستندة إلى دليل ما”. وتوجه في نهاية كتابها نداء تقول فيه

“أما أنا، فبعد تلك النعمة، نعمة الحرية التي منحنيها أبي من تلقاء نفسه والتي عددتها نعمته الثانية عليّ، بعد نعمة الحياة، أتيت بأشد ما منحني الله وحرية التفكير من قوة، أثبت أن المرأة ما خلقها الله عيا ولا ناقصة عقلا ولا دينا، وإن الحرية الصحيحة هي بعكس ما يظن الجهلة والسفهاء، هي ولا ريب الأس المتين، والركن الركين للأدب، وعزة النفس والصلاح، والكمال، والدين، وأثبت أيضا أن الحرية قد لا تؤخذ أخذا بل تعطى، وألتمس منكم يا سادتي الرجال، أن تحرروا أفكاركم، من البدع والأباطيل وتأثير العادات، وتمنحوا من أنفسكم كل اللواتي تثقون بشرف نفوسهن من أخواتي العزيزات المحترمات، أمهاتكم وبناتكم وزوجاتكم وأخواتكم، تلك النعمة نعمة الحرية، أما اللواتي، لم يستحققن الثقة فلا رأي لي في أمرهن، على أني أود أن لا أرى تحت لواء الحرية، إلا نفوسا من الجنسين شريفة أبية”.

يلخص كتاب “الرسالة الثانية من الإسلام” فكر الأستاذ محمود محمد طه (1909-1985) الذي يعتبر أن رسالة الأصول تقوم على القيم الإيمانية الكبرى والبعد العالمي الإنساني للرسالة المكية الأولى. أما رسالة الفروع فما هي إلا أنموذج من نماذج تطبيقها في زمان ومكان محددين (المدينة). ويقول في هذا الكتاب: “من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح بكل تفاصيلها، للتطبيق في القرن العشرين، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع، عن مستوى مجتمع القرن العشرين، أمر لا يقبل المقارنة، ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلا، وإنما هو يتحدث عن نفسه فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: إما أن يكون الإسلام، كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف، قادرا على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في مضمار التشريع وفي مضمار الأخلاق، وإما أن تكون قدرته قد نفذت وتوقفت عند حد تنظيم المجتمع السابع، والمجتمعات التي تليه مما هي مثله، فيكون على بشرية القرن العشرين أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات، وهذا مالا يقول به مسلم.. ومع ذلك فإن المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة”.

وفي الرسالة الثانية تلخيص لأهم الأفكار الثورية لمحمود محمد طه حيث لا يعتبر الرق أصلا في الإسلام، ولا الرأسمالية ويقول في قضية المرأة : “عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلا في الإسلام والأصل المساواة التامة بين الرجال والنساء” و”المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلا في الإسلام” و”تعدد الزوجات ليس أصلا في الإسلام” والحجاب ليس أصلا في الإسلام والأصل في الإسلام السفور”. ويعتبر الأستاذ طه النصير الأول لاتفاقية إلغاء أشكال التمييز بحق المرأة بين المصلحين الإسلاميين، ولهذا استنفرت النساء في حزبه لإصدار دراسات جد هامة في 1975 وجدنا من المهم إعادة نشر إحداها كملحق لهذا الكتاب.

إن كان التاريخ قد أعطى حسن البنا لقب المؤسس لأكبر حركة أصولية في العالم العربي، فمن الصعب التنبؤ بالمكان الذي سيأخذه شقيقه جمال البنا، الباحث غير النمطي الذي يجاهد من أجل فقه جديد. وينال موضوع حقوق المرأة وقوانين الأحوال الشخصية مركزا هاما في أطروحات جمال البنا وقد خصص لذلك كتابا يلخص وجهة نظره يقول فيه: “المبرر الأصيل لتحمل المسؤوليات (في الإسلام) هو القدرة والكفاية وليس الجنس أو الحسب أو النسب أو اللون أو القربى” . وهو يدافع عن رأي قاسم أمين معتبرا إياه من صلب الدين الإسلامي. ويتبنى استنادا إلى الاقتداء بالمجتمع الإسلامي الأول والطبيعة الإنسانية مبدأ الاختلاط حيث يقول: ” المجتمع المختلط الذي يتلاقى فيه الرجال والنساء في الدراسة والعمل والنشاط العام هو المجتمع الذي يتفق مع الفطرة وأن أي محاولة للفصل بين الرجال والنساء هي تعسف ومخالفة لطبيعة الأشياء”. ويهاجم البنا المبالغة في قضية الحجاب والنقاب والعزل باعتبارها دخيلة على المبادئ الإسلامية : “يمكن القول بدون مخالفة للوقائع أن المجتمع النسوي في عهد الرسول كان مجتمعا محتشما، ولكنه لم يكن منقبا، وإن لم يخل من منقبات اعتبرن شذوذا عن الوضع العام”. ويقول: “الحجاب في مضمون القرآن ليس نقابا أو حجابا، ولكنه باب أو ستر يحجب من في الداخل ويفرض على الداخل الاستئذان، وهذا هو المعنى الذي جاء في القرآن لكلمة “حجاب” وأنها اقترنت بآيات الاستئذان كما أنها لم ترد إلا بصدد الحديث عن زوجات الرسول” .

في كل مرة نستعرض فيها المشكلات التي تواجه تحرر المرأة في العالمين العربي والإسلامي، نتوقف عند النتائج الكارثة لهيمنة الفقه التقليدي على الحركة الإسلامية السياسية وانعكاس ذلك على مسائل اهترأت الشفاه من تكرارها. فبين مواجه لتيار التراجع مثل ابن عربي، يقول في فترة تحولت فيها المرأة عند أهل الفقه إلى شيطان الفتنة، “العورة في المرأة ليست إلا السؤاتين كما قال تعالى: “وطفقا يخصفان عليهما ورق الجنة (الأعراف 22 وطه 121) فسوى بين آدم وحواء في ستر العورتين وهما السؤاتان”، بين نص كهذا في “الفتوحات المكية” وقراءات ابن عثيمين الوهابي في نقاب المرأة، ندرك مدى تجني القراءة الأصولية للإسلام، وندرك الأهمية الحيوية للإصلاح الإسلامي، الذي يقف في جبهة واحدة مع أنصار الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم الإسلامي.

No Favorites Has Been Added!