July 15, 2020

التأسيس لإرساء قوانين إنسانية في الحروب والأزمات

11التأسيس لإرساء قوانين إنسانية في الحروب والأزمات

 

تنويه..

لا يمكن الحديث عن التأسيس بمعنى الولادة، بل بمعنى التراكم التاريخي والمعرفي ومحاولة استنباط القراءة الأكثر استيعاباً للتجربة البشرية والأكثر راهنية في استفادتها من الخبرات المختلفة. بهذا المعنى يمكن تناول الأزمات والحروب والكوارث وفق محور يستعيد المحطات التاريخية الكبرى، ومقاربة فلسفية تبحث عن زوايا التيارات الفكرية على اختلافها عن ككل عطاء جديد في الميدان، وأخيراً الترجمة العملية لما آلت إليه القوانين البشرية عبر مسارها الطويل في معركة الحقوق والحريات غير المنجزة.

لم تكن القوانين الإنسانية وليدة تأمل عقلاني مجرد بقدر ما جاءت استجابة لاحتياجات طارئة وكبيرة لمصائب وجرائم جسيمة قاست البشرية منها. فهناك باستمرار تداخل وتفاعل بين تاريخ الناس وتاريخ الأفكار وصاغة القوانين والمصدرين لها والمصدقين عليها. ولا شك بأن البعد التطبيقي أيضاً هو ابن مركب انعجنت مكوناته في سبيكة الواقع المجتمعي والتراث العرفي وموازين القوى بين السلطات والسلطات المضادة، وتصبح شبكة العلاقات بين الإنسانية في الزمان والمكان طرفاً أساسياً كلما تجاوزت فكرة القانون السيادة الجغرافية أو الاعتقادية للدول والمجتمعات، تبدو هذه العملية في اجتهادات محمد بن الحسن الشيباني (748-805م) في كتاب السير الكبير باعتبارها ردود تنبثق من معطيات الثقافة العربية الإسلامية في عصرها، كذلك في كتابات هوجو غروتيوس (1583-1645م) بعده بسبعة قرون أيضاً وفق مرجعية أوروبية تنويرية، كل منهما حاول وفق مرجعيته الفكرية وثقافة عصره ومفهوم العلاقات بين الشعوب والأمم في حقبته الإدلاء بدلوه وكل منهما أيضاً اعتبر ما يقترحه عابراً للحدود والثقافات.

مقدمات تاريخية..

رغم فظاعتها ونتائجها المدمرة على البشرية والطبيعة والحياة، مازالت الحرب مقبولة من حيث المبدأ في منطق الدول والمنظمات الدولية بين الحكومية ومازال الإنفاق من أجل التسلح يكفي لحل المشكلات الإقتصادية والإنسانية الكبرى في بلدان الجنوب والشمال حيث تبلغ نفقات التسلح وفقاً لمعطيات برنامج الأمم المتحدة للتنمية في 1998 ما مقداره 780 مليار دولار. إن ثمن الطائرة الواحدة من القاذفات الأمريكية Bomber-B2 التي شاركت في حرب الكوسوفو مجموع الدخل الإجتماعي الصافي لألبانيا وتكفي المساعدة العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل منذ حرب 1967 إلى 1997 لتأمين الماء الصالح للشرب وتأمين تعليم أولي لكل المحرومين منهما على سطح البسيطة للفترة نفسها أما تكاليف حربي الخليج فتفوق المبلغ اللازم لتوفير الحد المقبول للعيش لكل الذين تضعهم إحصاءات الأمم المتحدة تحت مستوى الفقر في العالم الإسلامي في الثمانينات والتسعينات من هذا القرن، ومن الصعب تقدير حالة الرفاه البشرية فيما لو وظفت تكاليف الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين لصالح الإنسانية تبعاً لحاجياتها بغض النظر عن اللون والجنس والعرق والثقافة. الأمر الذي يجعلنا نصر على الحرب كجريمة وعدم حصر اهتمامنا بجرائم الحرب. ومن الصعب حتى اليوم تقدير مدى التكاليف البشرية والمادية لما صار يعرف “بالحرب ضد الإرهاب”، إلا أن المؤكد أن نفقات التسلح الأمريكية اليوم لا سابق لها في التاريخ البشري برمته حتتى في فترة الحرب العالمية الثانية.

يترك تاريخ البشرية في الحلق غصة بكل ما يتعلق بالحرب، وإن أظهرت معطيات علم الإناسة أن الحرب ظاهرة منتشرة بكثرة وإن اختلف تواترها وتواجدها بين الشعوب وكان لبعضها الاعتزاز بعدم ممارستها، فمن الصعب معرفة كم من الشعوب المسالمة قد أبيدت لأن خيار السلام لم يكن عالمياً وبقي قانون الغاب يعطي الأقوى، بالمعنى العسكري للكلمة، الحق في البقاء والهيمنة!

قبل وصايا التوراة نجد في الحضارة الفرعونية القديمة منظمات تهدف إلى لجم أضرار الحروب والصراعات، وقد تناولت محاولات تأريخ القواعد الإنسانية الأولى ما عرف في الحضارة المصرية القديمة باسم “الأعمال السبعة للرحمة الحقيقية” وهي تنص على

  • إطعام الجياع.
  • إرواء العطاشى.
  • كساء المرأة.
  • إيواء الغرباء.
  • تحرير الأسرى.
  • العناية بالمرضى.
  • دفن الموتى. (بالعربية من دراسة محمد برادة غزيول، مدلول القانون الإنساني الدولي)

تعرض قانون مانو في الهند القديمة منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد لمجموعة من المبادئ الإنسانية تحرم على المقاتل قتل عدوه إذا استسلم أو وقع في الأسر، ومن كان نائماً أو مجرداً من السلاح، أو غير المقاتلين من المسالمين، وفي النصوص القانونية والفلسفية اليونانية ثمة قواعد أساسية لتخفيف ويلات الحرب.

إذا جسدت حياة السيد المسيح القصيرة ووصاياه نضالاً لا سابق له ضد منطق الحرب، فقد بقيت الاتجاهات السلمية في التاريخ، داخل وخارج الأديان أضعف من تلك المناصرة للحرب، “عادلة” كانت أم جائرة. وحتى يومنا الراهن، يلاحظ أن الأدبيات والدراسات المخصصة للسلام أقل بكثير من تلك المتعلقة بالحرب، ومن الصعب ونحن نفتح جهاز التلفزيون أن نستمع لصدى القديس أغسطين “لا يمكن السلام الحقيقي وحسب في غياب الصراعات المسلحة وإنما في النظام السلمي tranquilitas ordinis على العكس من ذلك غياب الحرب لا يعني بالضرورة غياب الصراع”. بتعبير آخر، لا يقوم المجتمع المشهدي الحالي بأي دور في وقف عملية تزييف الوعي القائمة على جعل العنف والحرب “أمر لا مناص منه” وبالتالي إعطاء الحرب حيزاً فحولياً خالياً من أي مقاومة تحليلية نقدية في الوسائل السمعية البصرية الرئيسية على سطح البسيطة.

لقد أوجدت البشرية أشكالاً متعددة للحماية من فظائع الحرب أو التقليل من أهوالها، وسعت بوسائل ثنائية أو جماعية لقوننة الوضع البشري في ظل النزاعات المسلحة. وفي المجتمع العربي قبل الإسلامي ابتكر العرب الأشهر الحرم وهي أشهر يحرم فيها وقوع الحرب لأي سبب كان ولأي مبرر كان حفظاً للنفوس ورداً للعدوان وبحثاً عن الوسائل السلمية في حل النزاعات. وقد سميت الحروب التي جرت في الأشهر الحرام بالفجار والمفاجرة وعًيّر من قام بها.

في صدر الإسلام، كان المبدأ الأساسي في رفض القتال والحرب وإن كان ثمة نقطة يجمع عليها أصدقاء وأعداء الإسلام، فهي أن القتال لم يكن اختيار النبي والمسلمين وإنما من منطلق الدفاع عن النفس. وقد أبيح القتال من أجل إنقاذ الدين وديمومته لا إنشاء الدولة، ومن أجل حرية العبادة لا مصادرة حق الإختلاف، وهذه نقطة جوهرية لأنها الأساس في كل جدل إسلامي حول الجهاد والإمامة والحكم. وقد كانت منطلق الاعتزال والإصلاح في الإسلام قديماً وتعبر عن وجهة نظر الخط الإسلامي المنتور اليوم. ويؤيد ابن هشام، مؤرخ السيرة النبوية هذا الرأي بالقول:

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فراراً منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله عز وجل، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال والانتصار على من ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب، وإحلاله الدماء والقتال، لمن بغى عليهم، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء، قول الله تبارك وتعالى: “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس ببعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع صلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره..) أي أني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس، إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة، وأتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.”.

رخص الإسلام بالقتال لرفع الظلم ووقف جريمة العدوان. ويضيف الدكتور السباعي لهذا المبدأ الدفاع عن حرية الشعب واستقلاله وسلامه في ضمان لحرية العقائد كلها، كذلك نجدة الشعوب المظلومة كافة: “أروع ما نادت به حضارتنا أن الدفاع عن الضعفاء المستذلين في الشعوب الأخرى واجب علينا كما يجب الدفاع عن حريتنا وكرامتنا”.

ويظهر نص صلح الحديبية آخر السنة السادسة للهجرة (أيار/مايو 628) بين قريش والمسلمين تفضيل النبي لعد غير متوازن يرافقه سلام عشر سنوات على الحرب، رغم كل ما أتت به الحرب من غنائم زرعت أولى الإمتيازات المادية للإنتماء الإسلامي:

“باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بين عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فين الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة (أي صدور منطوية على ما فيها)، وأنه لا إسلال ولا إغلال (أي لا سرقة بالخفاء ولا خيانة) وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.”.

حرم النبي محمد قتل النفس غير المقاتلة والإعتداء على النساء والشيوخ والأطفال والأملاك وقطع الشجر والإضرار بمصادر المياه والتحريق وكل ما يعود على الإنسان بنفع في الحروب ويروي عنه قوله: “انطلقوا باسم الله وعلى بركة رسوله لا تقتلوا شيخاً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا إمرأة ولا تغلوا (أي لا تخونوا)، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”.

كذلك الحديث “لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا شيخاً” في أول تحديد عربي إسلامي للعدوان أثناء القتال أو جريمة الحرب بمصطلحنا المعاصر. ويحض القرآن على مبدأ الحياد الإيجابي، أي السعي إلى المصالحة في الحروب كمبدأ أول ثم التدخل ضد الفئة الباغية في حال استمرارها في العدوان. وقد بقيد الوصايا الأساسية مجتمعة على لسان وصية أبو بكر الصديق الشهيرة: “يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا صغيراً ولا شيخاً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة”. تجمع أسس حماية الحقوق الأساسية للناس في زمن الحرب حيث تمنع التعرض للمدنين والفئات المستضعفة وتطالب بالحفاظ على ما هو حي من النبات والحيوان. وقد أضيف لها عدم هدم بيت أو صومعة أو مكان عبادة في مأثورات لعلي بن أبي طالب كقوله “لا تقتلوا مدبراً ولا تصيبوا معوراً ولا تجهزوا على جريح ولا تهيجوا النساء بأذى” أو نصائح لعمر بن عبدالعزيز ووصايا للأئمة الشيعة الأوائل.

إن كانت الحرب تثير العداوات والأحقاد. فهي تستوجب أخلاقاً عليا ورحاً سمحة تخفف من أهوالها وتحد من تبعاتها المدمرة على الناس. وفي العفو العام الذي أصدره النبي محمد يوم فتح مكة: “لا تثريب اليوم عليكم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. اذهبوا فأنتم الطلقاء”، في هذا العفو أمثولة لكل قيادة سياسية تثق بنفسها وتربط بين بناء المستقبل وكرامة الانسان. وفي ظلال هذا المسلك، نجد شكوى أهل سمرقند لعمر بن عبدالعزيز من توطين مسلمين في مدينتهم غدراً بغير حق. فعين الخليفة قاضياً ينظر في الشكوى. وقد حكم القاضي (المسلم) بإخراج المسلمين. مثل آخر في رسالة الإمام الأوزاعي لعلي بن عبدالله بن عباس عامل لبنان يستنكر عليه أن يبعد بعض السكان عن مناطقهم بعد انتفاضة قام بها الأهالي طالباً إعادة من أجلاهم لبيوتهم ورفض مبدأ العقوبة الجماعية: “كيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى”.

لقد برز محمد بن الحسن الشيباني (748-804م) كعالم في قوانين وفقه الحرب، وهو أول من أفرد لمعاهدات السير اهتماماً وصل حد الاختصاص، وقد عاصره الإمام الأوزاعي (707-774م) الذي كتب في معاهدات السير ولكنه كان مؤسساً لمذهب أكثر منه صاحب اختصاص. ولاشك بأن للعالمين باعاً كبيراً في ما يمكن اعتباره قوانين الحرب في الإسلام مع كل ما قدماه من إغناء للثقافة العالمية في موضوع النزاعات المسلحة.

تروي أكثر من مخطوطة لاتينية أن صلاح الدين الأيوبي سمع بمرض أهم قادة الجيش الصليبي الذي يحاربه، فأرسل له طبيبه الخاص مع العلاج والفاكهة. كذلك نجد في مخطوطات أيا صوفيا قصصاً عن السلطان محمد الفاتح الذي طلب جمع كل آثار القديسين وأماكن العبادة الأرثوذكسية التي سرقت بعد دخول القسطنطينينة لتسلم إلى الكنائس والأديرة. ورفض التدخل في انتخابات البطريرك معتبراً قواعد عمل الكنيسة في الوظيفة والتركيب وطريقة الحياة وتقاليد العبادة والعيش حقاً لا يجوز الإعتداء عليه، وقد استلهمت الخلافة العثمانية واستكملت العديد من أعمال المذهب الحنفي الذي انتمى له الشيباني وطورته.

برزت مدارس قانونية متعددة في الحرب وقوانينها وقواعدها في الغرب فقي هذه الحقبة. وهي قريبة من الموقف الإسلامي الأول. ففي 1635 اقترح الحقوقي الكبير غروتيوس رأياً في الموقف من الأطراف المتحاربة يلخصه قوله “إن من واجب كل غير المشاركين في حرب أن لا يقوموا بأي عمل يمكن أن يعزز قوة المدافع عن قضية سيئة أو إعاقة عمل من يخوض حرباً عادلة”. “وفي حالات الشك، من واجب الأطراف غير المشاركة أن تقف على الحياد تجاه الطرفين المحاربين”. في حين مالت الدفة عند حقوقيي القرن الثامن والتاسع عشر إلى موقف كورنيليوس فان بنكرشوك Cornelius van Binkershoek “قضية العدالة والجور في الحرب لا تخص الأطراف المحايدة”. واعتبروا المساواة في الحقوق بين الأطراف المتصارعة وعدم التدخل من أسباب تسوية الصراع بينهما.

بينما كان الجيشان الفرنسي والنمساوي يخوضان معركة سولفرينو في شمالي إيطاليا، في يونيو (حزيران) 1859 ولدت في ذهن هنري دونان، وهو مواطن سويسري شاب، فكرة تخفيف معاناة المرضى والجرحى أثناء الحرب. وقد ألف دونان كتاباً بعنوان “تذكار سولفرينو” نشر عام 1862 دعا فيه إلى إنشاء جمعيات وطنية لرعاية المرضى والجرحى مهما كان عنصرهم أو دينهم أو جنسهم. وإثر قبول الفكرة في عدة دول أوربية التئم أول مؤتمر لهذه الغاية في جنيف عام 1864 بحضور وفود من 16 دولة أوروبية لإعداد اتقاقية لتحسين حال الجرحى العسكريين عالمية الطابع. ومنذ ذلك التاريخ تتابعت الاتفاقيات الدولية وتوسع نطاقها. فصارت تشمل تحريم الأسلحة التي تتسبب في معاناة لا طائل منها. واعتمدت مؤتمرات السلم التي عقدت في لاهاي في عامي 1899 و1907 اتفاقيات تحدد قوانين وأعراف الأعمال الحربية وتحظر قصف المدن واستخدام الغازات السامة، وقد أكدت عصبة الأمم على هذا الحظر عام 1925. لقد اتبعت اتفاقيات لاهاي المبدأ الذي يعتبر الحرب أمراً واقعاً وعدم التدخل لصالح أي من الطرفين. ولحسن الحظ أن شخصيات عربية وإسلامية مثل المحامي عبدالرحمن الكواكبي والمفكر المصلح جمال الدين الأفغاني قد انتقدت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين قبول فكرة المبارزة التي يمكن أن تسبب القتل وتحدثت عن نسبية موضوع السيادة. وكان الكواكبي من محاربي فكرة الخدمة الإلزامية للشعوب كافة لأنها تسهم في عسكرة الحياة وجعل الحروب أمراً مقبولاً وطبيعياً. فيما يظهر بوضوح أن النظرة النقدية لأي اتفاقية دولية ذات فائدة للناس وتسمح بفتح مجالات التقدم للقوانين الإنسانية الدولية.

هدف تشكيل عصبة الأمم في 1919 فيما هدف إلى وضع الحرب “خارج القانون”. وقد فشلت في ذلك. كذلك لم يصمد عهد باريس الموقع في 27 أغسطس (آب) 1928 والذي أقرته 63 دولة والذي نص في مادته الأولى على إدانة اللجوء إلى الحرب وإقرار الجميع في المادة الثانية حل جميع الخلافات والصراعات مهما كانت طبيعتها أو أصلها بالطرق السلمية. وقد ولدت الحركة السيريالية من جمرات الحرب العالمية الأولى لتشكك بمفاهيم الغالب والمغلوب وتفوق الأمة والحضارة وقيمة الجنسية والحدود ووطن الرأسمال والحرب. ومن الجدير بالذكر أن موقف جماعة مجلة كلارتيه CLARTE الشيوعية الفرنسية وأندريه بروتون كان متقدما عن موقف العديد من منظمات حقوق الإنسان الغربية من حرب المغرب في 192-1926 وقضية نزع الاستعمار في العشرينات.

فيب 1929 اعتمدت اتفاقيتان إحداهما تتعلق بأسرى الحرب والثانية بمعاملة الجرحى، إلا أن وتيرة الحروب في أوروبة كانت أسرع من وتيرة حماية السكان المدنيين وكرامة المقاتلين. ولم تأت اتفاقيات جنيف الأربعة الشهيرة إلا بعد سقوط ملايين القتلى ضحايا للحرب وجرائمها.

كرد على مآسي الحرب،  كانت فاتحة ميثاق الأمم المتحدة: “نحن شعوب الأمم المتحدة. وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجر عنها الوصف” وبمادة تمس حفظ السلم والأمن الدولي ومنع الأسباب التي تهدد السلم وإزالتها تبدأ أولى مواد الميثاق. ثم في الفقرة الرابعة من المادة الثانية يعود الميثاق من الإطلاق إلى التحديد: “يمنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أخرى أو على أي وجه لا يتفق ومقاصد “الأمم المتحدة”. ولا شك بأن الفصل السابع قد عاد إلى مبدأ “لجنة أركان الحرب”، لاختياره طب الطوارئ على الطب الوقائي القائم على الوقف الجدي لسباق التسلح وتوظيف الأموال الهائلة الموجهة له في خدمة الحقوق الأساسية للبشر والطبيعة في البقاء.

بعد ذلك توجهت الأنظار نحو صيغ الحماية الانسانية بعد تشكيل لجنة تحضيرية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد جرى اعتماد اتفاقيات جنيف الجديدة بشكل منفصل عن التكوين الهرمي للأمم المتحدة في مؤتمر دبلوماسي عقد في هذه المدينة بين 21 نيسان (أبريل) و12 آب (أغسطس) عام 1949 وخصصت الأولى لمرضى وجرحى القوات المسلحة في البر والثانية لجرحى ومرضى القوات المسلحة في البحر والثالثة لمعاملة أسرى الحرب والرابعة لحماية الضحايا المدنيين. وقد تعززت هذه الاتفاقيات في عامي 1974 وعام 1977 بتوقيع بروتوكولين إضافيين الأول لحماية ضحايا المنازعات الدولية والثاني لحماية ضحايا المنازعات المسلحة الداخلية. ومع مطلع القرن الجديد كانت أهم ومعظم دول العالم قد أصبحت طرفاً في اتفاقيات جنيف.

وفي مقابل الاتجاه الذي اعتبر الحرب ظاهرة بشرية وبالتالي لابد من تخفيف كوارثها وحماية الإنسان والبيئة والبنيات الأساسية للحياة قدر الإمكان، كان هناك باستمرار اتجاه يدعو إلى تحريم الحروب. هذا الموقف الراديكالي من الحرب يعبر عنه بنجامان بيريه في نصه “فضيحة الشعراء” (1945) الذي يتصدى فيه لكل من وظف الشعر لخدمة الحرب ونجدة جنرالاتها: “إن الحروب، مثل الحرب التي نقاسيها، ليست ممكنة إلا بفضل تضافر كل قوى الارتداد، إنها تعني، فيما تعني، توقف التقدم الثقافي الذي تحبطه هذه القوى الارتدادية المهددة من طرف الثقافة. إن هذا الموضوع أوضح من أن نلح عليه”.

من الطريف أن نلاحظ أن الصوت المؤيد للاستنكار الراديكالي للحرب وقتئذ في المنطقة العربية جاء من حركة “الفن والحرية” في مصر كذلك من مصلح إسلامي كبير (الشيخ عبدالله العلايلي) الذي كتب في مقالة له: “كان النبي محمد أول من حارب الحرب وألغى مشروعيتها وأعلن حرمة الإنسان أيا كان”.

ليس هناك حرب نظيفة، وإن كان من دور للتحديد الحقوقي لجرائم الحرب، فهو في السعي للتقليل من فظائعها. هذا السعي لا يتناسب أبداً مع الصراع اليومي بين عنجهية القوة ومٌثل العدالة، فقد كلّفت الحقيقة حول مجزرة قانا التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي منصبه لولاية جديدة شبه أوتوماتيكية في عرف المؤسسة الدولية لأن سيد القوة (الولايات المتحدة) حذرته من أن يخرج للعلن نتائج التحقيق. وضغطت الإدارة الأمريكية على الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليطلب تأجيل التصويت على تقرير غولدستون الذي يوصي بملاحقة مجرمي الحرب لحماية المسؤولين الإسرائيليين. الأمر الذي أعطى ما أسميناه انتفاضة حقوق الإنسان الفلسطيني. إذن ليس لأن محكمة نورنبرغ أو اتفاقيات جنيف أو المحكمة الجنائية الدولية قد أقرت بتعريف لجرائم الحرب، فإن بالإمكان دائماً معاقبة مجرمي الحرب، أو الحؤول دون استمرار هذه الجرائم. ولغياب العدالة في مواقف كبرى لمنظمة الأمم المتحدة فإن وضع المنظمات غير الحكومية جد حساس ودقيق ويتطلب منها أمانة عالية لكونها، من كل الأصوات الحقوقية والثقافية المستقلة، تشكل نداء المسؤولية الأخلاقية والإنسانية، تمهيداً للوصول إلى المسؤولية الحقوقية التي تنصّب العدالة مصدراً للقانون وتضع القانون فوق القوة على كامل الأصعدة: محلية وإقليمية وعالمية.

إن قراءة متمعنة لاتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولات الملحقة باتفاقيات جنيف، ومتابعة يقظة لآليات تطبيقها لمن وقّع عليها، لا تبدي وحسب مناطق رمادية تسمح بهوامش كبيرة لارتكاب فظائع بحق البشر، ولكنها تظهر أيضاً العديد من نقاط الضعف التي مازالت تسمح للمعتدي بالتهرب من التزاماته الدولية. كذلك فإن ضغوط الدول الكبرى مازالت تحمي العديد من الدول (المدللة) كما هو حال دولة إسرائيل أو القوية (كما هو حال الولايات المتحدة). ولعل ازدواج المعايير والثغرات الموجودة هي التي جعلت العديد من الناس يشككون في جدوى وأهمية وجود هذه الاتفاقيات. ولكننا من أصحاب الرأي القائل بأن هذه الاتفاقيات تشكل خطوة هامة في تشذيب الصراعات المسلحة وجعل البشر يحترمون قواعد حد أدنى في اقتتالهم. ومن الأفضل لسد الثغرات وتعزيز أساليب إدانة الحكومات وإغناء وسائل محاكمة مجرمي الحرب على أن نتعامل مع هذا الانجاز الإنساني بشكل عدمي.

تاريخ الحضارات الحضارة العربية الإسلامية الحضارة الأوروبية نحو العالمية
كراهية التمثيل بالجثث تحريم العدوان عدم دعم المعتدي مبدأ الإنسانية
إدانة قتل الأطفال تكريم الإنسان وإقامة العدل منع قتل الأسير ومبادلته حماية حقوق الأسرى والمدنيين
منع قتل الأسير صون الوالبة وحماية غير المقاتلين تحريم الأسلحة الفتاكة قوننة جرائم الحرب

ردة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر..

في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، توجهت طائرتان مختطفتان نحون بنايتي مركز التجارة الدولي في مدينة نيويورك وثالثة نحو وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن بركابهم الذين ارتكبوا ذنباً واحداً هو كونهم على متن هذه الطائرات. وبعد ذلك بأقل من شهر كانت الطائرات الأمريكية تقصف في أفغانستان أهدافاً أصابت آلاف المدنيين لا ذنب لهم إلا تقاسمهم التواجد على أرض أفغانستان مع أشخاص استهدفهم القصف. أما بالنسبة للمقاتلين، فلم يتورع وزير دفاع أكبر قوة عسكرية في العاليم اليوم عن القول بأنه يفضل أن يكون العدو ميتاً عن أن يكون أسيراً بل وأن يرفض اعتبار خصمه المحارب أسير حرب تنطبق عليه اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 والبروتوكول الأول لعام 1974 مبتدعاً تسمية “المقاتل العدو”.

وضعت الإدارة الأمريكية القانون الدولي الإنساني على الرف وتم استبداله بما عرف بالتعليمات العسكرية Military Instructions التي تسمح بتفسيرات فضفاضة ومريحة للعديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وقد تم تعزيز ذلك بصيرورة Patriot Act صيغة أمريكية لحالة الطوارئ، الاعتقال التعسفي شمل آلاف الأمريكين والمقيمين في الولايات المتحدة. أعدت سجون سرية في عدة دول حليفة وتجهز معتقل غوانتانامو في 11 يناير 2002، صدرة عدة قوائم سوداء بالأشخاص والمنظمات وصارت الأدلة السرية خصم المحامين المدافعين عن ضحايا الحرب على الإرهاب في المحاكم الأمريكية ووصل الأمر بالرئيس الأمريكي لتجميد Habeas Corpus في 17/10/2006.

دشنت هذه الإجراءات عولمة الحالة الإستثنائية، وسجلت تراجعاً على صعيد انجازات كلفت البشرية ملايين الضحايا وزعزعة أكثر من نصف قرن من التراكم المدني والحقوقي والقانوني، وانتقلنا كمدافعين عن الكرامة الإنسانية إلى جبهات دفاعية نحاول فيها إنقاذ ما يمكن إنقاذه أمام ما تجاوز الجرح النرجسي لعنجهية القوة إلى مشروع إعادة رسم خارطة الهيمنة على الصعيد العالمي بكل الوسائل وبأسرع وقت.

إن قدرة المنتصر على فرض قوانينه باعتبارها المنظم الأول للعلاقات بين البشرية يمس في الصميم مفهوم العالمية ومفهوم العدالة الدولية، لقد أعطت حرب البلقان وبعدها احتلال أفغانستان والعراق صورة لمدى قدرة حلف شمال الأطلسي على استعمال وتوظيف العديد من السياسيين والمنظمات غير الحكومية مع تأثير ذلك على حق التدخل لهذه المنظمات التي نطالب به. فكما قال يومها أحد الكتّاب الفرنسيين، “إن ولادة نمط جديد من الحرب والنظام الدولي أصبح يخيفنا مما قد يصل إليه موضوع التدخل. وكم كان أجدر بالمنظمات غير الحكومية أن ترفض دور خدمات الصيانة S.A.V وأن تكون أكثر نضجاً وتأخذ المسافة الضرورية والموضوعية من الأحداث حتى لا تتحول إلى وسيلة من وسائل الاحتواء في زمن الحرب. فبين حق التدخل للمنظمة غير الحكومية واستعمال هذا الحق من قبل قوى عظمى لغاياتها ومصالحها فرق كبير”.

هذه الأسئلة الكبيرة هي التي تعيدنا من جهة إلى القيم الإنسانية والأخلاقية الكبرى في التاريخ البشري من جهة بحثاً عن تعميق للأفكار الحقوقية في الوعي الجماعي. فكما يقول إسماعيل بن غزوان: “كل علم لا يكون في مغرس عقل. وكل بيان لا يكون في نصاب علم، وكل خلق لا يجري على عرف، فليس بذي ثبات”. ومن جهة ثانية، تستحث فينا دوراً فاعلاً أكبر في تطوير وإغتناء القانون الإنساني الدولي الذي يستحق من المفكرين والنشطاء من أبناء الجنوب والعالمين العربي والإسلامي العناية التي تستحقها فضية الكرامة الإنسانية في مواجهة العنجهية من أي طرف كان وفي أي مكان. فالإنسان يتغير ويمكن أن يختفي وقد تتبدل أفكاره، ولكن التاريخ يبقى شامخاً وحده في الميدان، وكأنه مواطن خالد في كل الأوطان والأزمان. هذا التاريخ لا يرحم، وهو يسطر باستمرار أسماء كل من يحمل في أعماق نفسه شوقاً نبيلاً لإضافة شيء إلى تراث الحقوق والأخلاق والحرية، ويكاد يغلق على من سواهم بسواد صفحاته غير الناصعة.

منهج البحث..

تنطلق هذه الدراسة من منهج اعتمدناه في دراسات سابقة يقوم على منطلقات أولية وأساسية تحدد نظرتنا لعنصري الدراسة: القانون الوضعي من جهة والإسلام من جهة ثانية:

  • عندما نتحدث عن الإسلام، كدين، إنما نتحدث عن الأبدي، المطلق والمقدس؛ في حين أن حديثنا عن القانون الإنساني الدولي، حديث عن حالة وضعية محددة بالزمان وإن كانت عالمية الطابع. من هنا فهي مطبوعة بسمتين أساسيتين: الأولى طابعها غير المنجز والثانية طابعها النسبي. من هنا لن نقع في المنطق الشكلي القائم على مقارنة آية قرآنية هنا بمادة من اتفاقيات جنيف الأربعة هناك. إن المنطلق الأساسي لهذه الدراسة هو محاولة استنباط الأركان الأساسية المنظمة للعلاقات بين الإنسانية في زمن الصراعات المسلحة في الإسلام. الأمر الذي يظهر لنا بوضوح التقاطعات الجوهرية بين القراءات الإسلامية في الموضوع والقانون الإنساني الدولي هذا من جهة،
  • ومن جهة ثانية لا تشكل حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ديناً جديداً، كذلك فهي ليست إيديولوجية. إنها مواثيق مقترحة من رجال ونساء من بلدان وأديان وألوان مختلفة في لحظة معينة من تاريخ البشرية. ولحسن الحظ ليست لها صفة القداسة. من هنا واجبنا كعرب ومسلمين أن نتعامل معها بشكل دينامي ومشارك، لا بشكل رافض أو ببغائي. خاصة وأنها تفتقر للعديد من مقومات بناء السلم وحفظ النفس. فهي مثلاً لم تنجح في تحديد تعريف دولي لجريمة العدوان حتى لحظة كتابة هذا النص، وهي تقع في مطب منطق السلطة الذي يحمي القوي في مواجهة الضعيف ولم تضع بعد آليات تحول دون العقوبات الجماعية التي تجعل البريء يذهب بجريرة الجاني ولم تتضمن نصوصها معايير تحول دون اللجوء إلى الضرر لإزالة الضرر لوم تثبت اتفاقية دولية لحق التضامن بعد. وفي كل هذه الإضافات الضرورية، نجد في ثقافتنا وخبرتنا ومعاناتنا ما يشكل مادة إغناء ضرورية لتغطية نقاط الضعف هذه.
  • أعيد الاستشهاد بالدكتور محمد خاتمي في محاضرة له في بيروت: “أي إسلام نريد ونعني حين نتحدث عن الإسلام؟ إسلام أبي ذر؟ أم إسلام ابن سينا؟ أو إسلام الغزالي؟ أم إسلام محي الدين بن عربي؟ أإسلام الأشاعرة؟ أإسلام المتصوفة؟ أم إسلام الظاهرية؟ بلى إنها كلها شواهد تاريخية لا يطالها الشك في نسبية معرفة الإنسان حتى عن الدين. إننا جميعاً كائناً من كان الدين الذي يؤمن به أحدنا، لا نتفق مع آبائنا لا في التفكير ولا في العمل. عل أنني لا أقول بأن سنة التغيير تدرك كل شيء. بل تدرك جلّ شؤون الوجود الإنساني، ومن هنا نسبية العقل والحياة أمر جدي وأساسي”.

إنطلاقاً من هذه النقاط الثلاث، سنحاول تناول موضوعنا. والحقيقة أنه موضوع سهل بالمقارنة مع دراسات أخرى أكثر حساسية ومثار للجدل والخلاف. كونني لم أجد في مطالعاتي أي تعارض يستحق الذكر بين المعطيات الإسلامية المتفق عليها وما يعرف بالقانون الإنساني الدولي.

تكريم الإنسان..

يعود مفهوم الإنسان في الإسلام إلى قصة خلق آدم وحواء في القرآن الكريم. القصة التي ترد في سورة البقرة الأيات 30-34 والتي تقول: “وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قال سبحانك لا علم لنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين”.

في هذه القصة ثلاثة معطيات مركزية: الأول: القرار الإلهي باعتبار الإنسان خليفة الله في الأرض. المعطى الثاني إعطاء الإنسان المعرفة الكافية ليتفوق على الملائكة والثالث، الطلب إلى الملائكة الذين يسجدون لله وحده أن يسجدوا للإنسان تكريماً وتحت طائلة الخروج من رحمة الله.

تشكل هذه المعطيات أساس التصور الإسلامي للإنسان وتعززها مجموعة آيات وأحاديث كثيرة يستوقنا منها الآية 70 من سورة الإسراء: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً”. وهي آية تطلق التكريم للجنس البشري دون تمييز بين مؤمن وكافر، مسلم أو غير مسلم، رجل أو إمرأة، عربي أو أعجمي. وفي اللغة والشرع والقانون، التكريم أعلى من الحق، ومن ينال التكريم لا توضع حقوقه الأساسية موضع شك أو ريبة بحال من الأحوال. وتوضح الآيات الأولى من سورة الرحمن التي تقول “الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان”، فضل المعرفة العقلية على الإنسان وقيمها في تكريمه وخلافته.

لم يكن الانتقال من النصوص إلى القراءات البشرية لها انتقالاً مجرداً وموجهاً بل كان ابن العلاقة المركبة والمعقدة بين الفكر والواقع، بين الصراعات النظرية والثقافية من جهة والصراعات السياسية والمجتمعية من جهة أخرى. لذا يصعب الحديث عن تبلور متجانس ومنهجي في المدارس الإسلامية المختلفة لمفهوم الإنسان بقدر ما يمكن الحديث عن مخاضات ولادة مفاهيم انطلاقاً من عملية بناء التصور الإسلامي المعرفي بشكل عام والعلاقة بين عملية البناء هذه والصراعات الإسلامية-الإسلامية من جهة والمواجهات الفكرية بين المسلمين وغير المسلمين.

كما في كل الثقافات الكبرى، لم يكن مضمون الفكرة الإنسانية مستقراً بل دائم التحول في الثقافة الإسلامية. ولكن باستمرار، كانت فلسفة التكريم في جوهر الفكرة الإنسانية، وبالتالي، اعتمدت جملة المدارس بلا استثناء على اعتبار العقل مكرمة الله في الإنسان والعدل الترجمة الأمثل لإرادته في خلقه.

إقامة العدل..

يؤكد الإمام الماتريدي على “أن الشرع يتبع في أوامره ونواهيه ما يصف به العقل الإنساني الأشياء من حسن وقبح. وإذا كان هذا العقل لا يستطيع التمييز بين هذين الأمرين، في جميع الحالات، فإن الوحي إنما جاء ليأخذ بيد الإنسان وينير أمامه الطريق” (1). وأهم قواعد الإنارة، كما جاء في القرآن الكريم، أمر الله الناس بالعدل والإحسان (النحل: 90).

في تحليل أصيل للعلاقة بين الإسلام والعدل، كتب العلّامة مرتضى مطهري: “إن أصل العدل من المعايير الإسلامية التي ينبغي أن نقيس بها الأشياء. فالعدل من مجموع علل الأحكام، وليس من المعلولات. كذلك فهو لا ييعني أن كل ما قاله الدين عدل. بل أن كل ما هو عدل يصدّقه الدين. هذا هو مقياس العدالة في فهم الدين. إذا ينبغي علينا البحث لنرى هل إن الدين مقياس العدالة أو إن العدالة هي مقياس الدين؟ فالتقديس يقتضي القول إن الدين مقياس العدالة. إلا أن الحقيقة ليست كذلك. فهو نظير لذلك الذي يبحث في باب الحسن والقبح العقليين لدى المتكلمين، حيث صنف على ضوئه الشيعة والمعتزلة بأنهم من العدلية. أي اعتبروا العدل مقياس الدين، وليس الدين مقياس العدل” (2).

شكل العدل منذ ولادة الإسلام المفهوم المركزي في تكوين التصور الإسلامي للحياة والإمامة والعلاقات بين الإنسانية وسببية الوجود. ولعل في طرح القياس بين العدالة والدين بحد ذاته، ما يعطي فكرة عن أهمية ومكانة العدل في الإسلام. وحتى لا يتصور القارئ أن هذا الموضوع حصر بالشيعة والمعتزلة، نذكّر برأي الإمام الحنبلي ابن تيمية القائل: “لهذا كان العدل أمراً واجباً في كل شيء وعلى كل أحد، والظلم محرماً في كل شيء ولكل أحد. فلا يحل ظلم أحد أصلاً سواء كان مسلماً أو كافراً أو ظالماً” (3). وقال تلميذه ابن القيم الجوزية: “إذا ظهرت أمارات العدل وأسفر صبحه بأي طريق فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره” (4).

برغم تقاطع مفهوم العدل الإسلامي وقبل الإسلامي في المجتمعات العربية، إلا أنه بوسعنا القول أن مفهوم العدل لغة قد تأسلم عبر السنين، وما نقرأه في القواميس الكبرى ، إنما هو ابن الثقافة العربية الإسلامية أكثر منه المفاهيم التي سبقتها. ولعل ابن منظور من أحسن من أوفى الكلمة حقها في “لسان العرب” فقال مما قال: “العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور. عدل الحاكم في الحكم عدلاً وهو عادل من قوم عدول وعدل”. “العدل الحكم بالحق، يقال هو يقضي بالحق ويعدل”. “وكتب عبدالملك إلى سعيد بن جبير يسأله عن العدل فأجابه: إن العدل على أربعة أنحاء: العدل في الحكم، قال الله تعالى: وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل. والعدل في القول، قال الله تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا. والعدل الفدية: قال الله عز وجل: لا يقبل منها عدل. والعدل في الإشراك، قال الله عز وجل: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون؛ أي يشركون. وأما قوله تعالى: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم؛ قال عبيدة السلماني والضحاك: في الحب والجماع. وفلان يعدل فلاناً أي يساويه: (5).

من مترادفات العدل القسط والإنصاف والاستقامة والقصد والوسط والحصة والميزان. وفيها الشبيه والنظير وفيها الاعتدال وفيها المساواة.

وهناك 28 آية في القرآن تتناول مباشرة لفظ العدل، أما تلك التي تضمنت مفهوم العدل والظلم فتفوق الألف عدداً. ومما يستوجب التذكير منها لهذا البحث “وأمرت لأعدل بينكم (الشورى 15)، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن لا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى” (المائدة 8)، “وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون” (الأعراف 181)، وإذا قلتم فأعدلوا ولو كان ذا قربى” (الانعام 152)، “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” (النساء 58)، “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” (النحل 90).

كذلك ثمة عشرات الأحاديث حول العدل والجور، ولعلها في مقصدها جميعاً تقوم على الترهيب بالظلم أياً كان مصدره والترغيب بالعدل بكل معانيه. “فعدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة” و”أحب الناس لله إمام عادل وأبغضهم إلى الله إمام جائر”، “الإمام العادل ودعوة المظلوم ليس بينهما وبين الله حجاب” وقد رفضت في الحديث الشهادتان من حاكم جائر، و”الظلم ظلمات يوم القيامة” وعن أبي ذر: “إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” (مسلم والترمذي). ولعل من بدائع التراث العربي محاورة تنسب للنبي وأبي ذر الغفاري عن صحف إبراهيم الخليل جاء فيها: “سأل أبو ذر الغفاري النبي: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالاً كلها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور. إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكنني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر؛ وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات. فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكرر فيها، في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل أن لا يكون ظاعناً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه” (6).

يقسم ابن مسعود بشكل واضح بين حقوق الله وحقوق الآدميين. حيث الأولى موضوع غفران ورحمة إلهية أما الثانية فهي موضوع قصاص في الدنيا كما جاء في القرآن “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”. أما في الآخرة فيصف مشهد الحساب بالقول: “ينادي على رؤوس الخلائق يوم القيامة هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه. قال فتفرح المرأة أن يكون لها حق على أبيها أو أخيها أو زوجها ثم قرأ: “فلا أنساب يومئذ ولا يتساءلون” قال: فيغفر الله من حقه ما شاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً، فينصب العبد للناس ثم يقول الله تعالى لأصحاب الحقوق: أئتوا إلى حقوقكم، قال: فيقول الله لملائكته أعطوا كل ذي حق حقه بقدر طلبته” (7).

يمكن استنباط حقول العدل الدنيوية في الإسلام من المواضيع التي شملها التعرض للظلم في القرآن والحديث وأهل الإسلام الأول. وتعتبر “رسالة الحقوق” للإمام علي بن الحسين زين العابدين (المتوفى عام 95 للهجرة) عن الفارق التاريخي بين التجربة العربية والأوربية، فهي تتناول العلاقة بين حق الله وحق الإنسان من منظور متماسك ومتكامل لا من منظور صراعي، وتدمج في نص واحد حقوق الله والأفعال المرتبطة بها (من عبادة وطاعة) وحقوق الناس في قراءة تفصل بين حق الحاكم وحق المحكوم إلخ. هذه العلاقة التكاملية يلاحظها المؤرخ في كل كتب السير وواجبات وحقوق الأشخاص في مختلف المدارس الفقهية الإسلامية فيما بعد.

اعتبر الحسن البصري العدل مرجعاً للمحاكمة الدينية وقد وصف الإمام العادل في رسالة له لعمر بن عبدالعزيز بالقول: “الإمام العادل قوام كل مسائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم” (8).

أغنت المدرسة العقلانية في الثقافة العربية الإسلامية مفهوم العدل. ويقول الطبيب الفيلسوف أبو بكر الرازي: “الهدف الأسمى الذي من أجله خلقنا وإليه نساق لي تحقيق الملذات الجسدية، بل اكتساب المعرفة وممارسة العدل: فهذان المسلكان هما سبيلنا الوحيد للخلاص من هذا العالم إلى عالم ليس فيه فناء ولا ألم” (9). ويتابع  في منطق العلاقة بين الذات والآخر في العدل والجور قائلاً: “لما كان ليس للإنسان في حكم العقل والعدل أن يؤلم غيره، تبع ذلك أنه ليس له أن يؤلم نفسه أيضاً” (10).

وقد كتب الماوردي في أدب الدين والدنيا: “ليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق، من الجور، لأنه ليس يقف على حد. ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسسط من الفساد، حتى يستكمل. وقد روي عن النبي أنه قال: “بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد”. (11) وحكى الإسكندر قال لحكماء الهند: وقد رأى قلة الشرائع بها: لم صارت سنن بلادكم قليلة؟ قالوا: لإعطائنا الحق من أنفسنا، ولعدل ملوكنا فينا. فقال لهم: أيهما أفضل: العدل أم الشجاعة؟ قالوا إذا استعمل العدل أغنى عن الشجاعة. وقال بعض الحكماء: بالعدل والإنصاف تكون مدة الائتلاف. وقال بعض البلغاء: إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ونصبه للحق، فلا نخالفه في ميراثه، ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وكثرة الورع. فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا، التي لا انتظام لها إلا به، ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره. ويتابع في المرجع نفسه: “روي عن النبي أنه قال: أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه، فجار في حكمه” وقال بعض الحكماء: الملك يبقى على الكفر ولا يبقي على الظلم”، ولست تجد فساداً إلا وسبب نتيجته الخروج فيه عن حال العدل، إلى ما ليس بعدل من حالتي الزيادة والنقصان، فإذن لا شيء أنفع من العدل، كما أنه لا شيء أضر مما ليس بعدل” (12).

ليس بالإمكان تناول العدل الإسلامي من وجهة تطورية، بل وحتى النظرة التاريخية للموضوع تتطلب الكثير من الحذر فمن معاصرينا الإسلاميين من لم يرتق بعد لمستوى ابن رشد في فهمه للعدل الإسلامي، وفي الثقافة الإسلامية اليوم دون شك تراكماً استوعب أو تصارع أو تداخل مع أهم النظريات القديمة والمعاصرة حول العدل، وبالتالي هناك إزدواجية فاضحة بين رؤية مقيدة للعدل وأخرى تجعل من هذه الكلمة نقطة انطلاقة لتجديد مفهوم العدل السياسي ودولة القانون ومفهوم السلطة القضائية في المجتمعات الإسلامية.

ليس بالإمكان حصر العدل أو الحجة في دين أو طائفة أو معتقد عند إخوان الصفا: “فالحق في كل دين موجود، وعلى كل إنسان جار، وأن الشبهة دخولها على كل إنسان جائز ممكن! فاجتهد يا أخي لأن تبين الحق لكل صاحب دين ومذهب مما هو في يده، أو مما هو متمسك به، وتكشف عنه الشبهة التي دخلت عليه، إن كنت تحسن هذه الصناعة، وإلا فلا تتعاطها ولا تدِّعها إن كنت لا تحسنها. ولا تمسك بما أنت عليه من دينك ومذهبك، واطلب خيراً منه، فإن وجدت فلا يسعك الوقوف على الأدون، ولكن واجب عليك الأخذ بالأخير الأفضل، والانتقال إليه، ولا تشغلن بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب. واعلم أن الإنسان العاقل قد تخفى عليه عيوب مذهبه، كما تخفى عليه مساوئ أخلاقه وقبائح أفعاله” (13).

العدل عند ابن عربي منهج حياة: “العدل سار في جميع الأشياء فاجعل العدل حاكماً على نفسك وأهلك ورجلك وخولك وعبيدك وأصحابك، وجميع من توجه عليه حكمك وفي كلامك وفعلك ظاهراً وباطناً” (14). وللعدل حكم اعتباري لأن “الحكم العدل لا يحكم إلا بين اثنين، فلا بد أن يميل بالحكم مع صاحب الحق، وإذا مال إلى واحد مال عن الآخر ضرورة”.

يعتمد ابن خلدون في مفهومه للعدل على رفض العدوان على الناس في أموالهم وأنفسهم وحرمهم وأسرارهم وأعراضهم وملكاتهم العقلية ومعتقداتهم ودمائهم. ويشمل فيه ظلم الحاكم للمحكوم والتسلط على أموال الناس وإفساد العمران وتسخير الرعايا بغير حق واغتصاب قيمة عملهم (15) ويحدد مكانة العدل في القضاء والعمل بالقول: “اعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان الذي فوقه شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي تعدُل عليه أحوال الناس في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم وتأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة” (16).

حق الحياة..

باستثناء الدكتور محمد هيثم الخياط الذي يضع حق الحرية قبل حق الحياة، معظم من كتب في الإسلام والحقوق، اعتبر حق الحياة أهم حقوق الإنسان في الإسلام. وقد جاء في القرآن الكريم:

“من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً” (المائدة: 22). ويقول الأستاذ محمد الزحيلي: “يعتبر حق الحياة مكفولاً بالشريعة لكل إنسان، ويجب على سائر الأفراد أولاً، والمجتمع ثانياً، والدولة ثالثاً، حماية هذا الحق من كل اعتداء، مع وجوب تأمين الوسائل اللازمة لتأمينه من الغذاء، والطعام والدواء، والأمن، والانحراف” (17).

وحيث كانت القاعدة “العين بالعين” أقر القرآن هذا المبدأ مذكراً بأن الله لا يحب الظلم والظالمين: “إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء، فإن الله كان عفواً قديراً، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين”. وقد نشأ في التاريخ العربي مبكراً الاتجاه القائل بإطلاق الأحكام الحاجية لحفظ النفس وحمايتها كالدية والكفارة والإعتقال فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. وعلى أساس هذا الربط بين حق الحياة وفكرة العفو قال العديد من المسلمين بعدم التعرض بين الإسلام وإلغاء حكم الإعدام. وقد أعطى الإمام فخرالدين الرازي سلامة النفس والجسد مبكراً أهيمة خاصة في مؤلفاته وهو القائل: “النفس البشرية أشرف النفوس في هذا العالم، والبدن الإنساني أشرف الأجسام في هذا العالم”.

وفي حق الحياة يقول ابن عربي:

“أعلم أن النشأة الإنسانية بكمالها روحاً وجسماً ونفساً خلقها الله على صورته، فلا يتولى حل نظامها إلا من خلقها، إما بيده – وليس إلا ذلك – أو بأمره. ومن تولاها بغير أمر الله فقد ظلم نفسه وتعدى حد الله فيها وسعى في خراب من أمره الله بعمارته. وأعلم أن الشفقة على عباد الله أحق بالرعاية من الغيرة في الله. أراد داوود بناية البيت المقدس فبناه مراراً، فكلما فرغ منه تهدم، فشكا ذلك إلى الله فأحى الله إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء، فقال داود يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك؟ قال بلى! ولكنهم أليسوا عبادي؟ قال يا رب فاجعل بنيانه على يدي من هو مني، فأوحى الله إليه أن ابنك سليمان يبنيه، فالغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الإنسانية، وأن إقامتها أولى من هدمها. ألا ترى عدو الدين قد فرض الله في حقهم الجزية والصلح إبقاء عليهم. وقال “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله”؟ ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرّع لولي الدم أخذ الفدية أو العفو، فإن أبى حينئذ يقتل؟ ألا تراه سبحانه إذا كان أولياء الدم جماعة فرضي واحد بالدية أو عفا، وباقي الأولياء لا يريدون إلا القتل، كيف يراعى من عفا ويرجح على من لم يعف فلا يقتل قصاصاً؟ ألا تراه عليه السلام يقول في صاحبة النسعة “إن قتله كان مثله”؟ ألا تراه يقول “وجزاء سيئة سيئة مثلها؟” فجعل القصاص سيئة، أي بسوء ذلك الفعل مع كونه مشروعاً. “فمن عفا وأصلح فأجره على الله” لأنه على صورته. فمن عفا عنه ولم يقتله فأجره على من هو على صورته لأنه أحق به إذ أنشأه له، وما ظهر بالاسم الظاهر إلا بوجوده فمن راعاه إنما يراعي الحق. وما يذم الإنسان لعينه وإنما يذم الفعل منه، وفعله ليس عينه، وكلامنا في عينه. ولا فعل إلا الله؛ ومع هذا ذم منها ما ذم وحمد ما حمد. ولسان الذم على جهة الغرض مذموم عند الله. فلا مذموم إلا ما ذمه الشرع، فإن ذم الشرع لحكمة يعلمها الله أو من أعلمه الله. كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النوع وإرداعاً للمعتدي حدود الله فيه. “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب” وهم أهم لب الشيء الذين عثروا على سر النواميس الإلهية والحكيمة. وإذا علمت أن الله راعى هذه النشأة وإقامتها فأنت أولى بمراعاتها إذ لك بذلك السعادة، فإنه مادام الإنسان حياً، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له، ومن سعى في هدمه فقد سعى في منع وصوله لما خلق الله” (18).

وفي تأكيده على أن الحياة والموت لله وإليه يرجع الأمر بقرارهما يقول: “شرع القتل وحكم بالموت لعلمه بأن عبده لا يفوته: فهو راجع إليه. على أن قوله “وإليه يرجع الأمر كله” أي فيه يقع التصرف، وهو المتصرف، فما خرج عنه لم يكن عينه، بل هويته هو عين ذلك الشيء، وهو الذي يعطيه الكشف في قوله “وإليه يرجع الأمر كله” (19).

أما الدكتور مصطفى السباعي فيعتبر: “الحياة منحة الله تبارك وتعالى للإنسان، لا يملك أحد انتزاعها بغير إرادة الله “وإنما لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون”، “وأنه هو أمات وأحيا”، “إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير”. (20)..

فلسفة الحقوق..

مع تحول العالم لقرية كونية صغيرة، تحطمت العديد من الجدران والحواجز وقامت حواجز رد فعلية جديدة. ومهما كان للتعصب أو الإنغلاق أو روح الهيمنة من جمهور، فإن هناك عدداً من القيم العالمية أصبحت قاسماً مشتركاً أعلى للشعوب على خلاف معتقداتها وتقاليدها ولغاتها وألوانها. فالتعدد الثقافي والإعتقادي لا يحول دون وجود قواعد أخلاقية مشتركة. بل ويمكن الحديث ببساطة عن قيم متداخلة ليس بوسع الحدود منعها عن شعب أو ثقافة. من هذه القيم الكرامة واحترام النفس والآخر والآثرة ومبدأ التضامن والحق المشترك في الرفاه. وللثقافة العربية الإسلامية دور كبير في تعزيز القيم الإنسانية المشتركة الكبرى. فهناك مبادئ أساسية تكفل منطق رفع المظالم أو تجنب وقوعها، هذه المبادئ تشكل ركنا أساسياً من أركان فلسفة الحقوق والكرامة الإنسانية اليوم ولم تعد ملكاً أو حصراً، برأينا، بالإسلام والمسلمين. منها:

  • “الناس سواسية كأسنان المشط”.
  • “الأصل براءة الذمة”.
  • “الضرر لا يُزال بالضرر”.
  • “الخير فيمن يقوم بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس”.
  • “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”.
  • “لا تزر وازرة وزر أخرى”.
  • “العفو والإحسان والرحمة والعدل دائماً أقرب إلى التقوى”.
  • “الانتصار للمظلوم وإغاثة الملهوف شأن عام”.
  • “لا إكراه في رأي أو دين”.
  • “لا ضرر ولا إضرار”
  • “ما تشاور قوم إلا هدو لأرشد أمورهم”.
  • “العاقل من اتعظ بغيره”.
  • “المصلحة العامة كالضرورة الخاصة”.
  • “الضرورات تبيح المحظورات”.
  • “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”.
  • “الإختلاف بين الناس بركة”
  • “أحب للناس ما تحب لنفسك”

إن قراءة متمعنة لما اخترنا من مبادئ. تظهر حرصاً عميقاً على الجميع بين الحكمة والعدل،  مع رغبة واضحة بتحجيم جنوحات القوة والسلطان. وليس من الغريب أن نجد عدداً هاماً من هذه القواعد في التاوية والبوذية والكتابات المسيحية واليهودية، كذلك نجدها في صلب حركة التنوير في أوربة كأساس ذهني للرفض النضالي للاستبداد. ولعلها من الأسس التي مهدت لقانون إنساني دولي يعتبر المعاملة بالمثل قاعدة أساسية من قواعد إقامة العدل على الصعيد الدولي.

إن الحرص على تبيان منطق لمواجهة الحروب والأزمات أكثر منه نصوصاً قانونية يعود إلى قناعتنا بنسبية القانون وعلاقته الحتمية بالزمان والمكان وكينونته مشروعاً غير منجز. فأي قانون هو في المحصلة النهائية ابن حضارة ونمط معرفي خاص بها وصياغة فلسفية منبثقة عن معطياتها ويصعب أن يفلت من المنظومة السائدة التي تعتبر القانون والاقتصاد من صلب سيادتها أو هيمنتها. والعالمية في هذا المعنى، هي القدرة على تجسيد المشترك في منظومة القيم الحقوقية ومنظومة القيم الإنسانية ناظماً جامعاً للناس فوق اللغة والدين والقارة والثقافة، وهي تخضع بشكل أو بآخر لمواقف الدول أكثر منه طموحات الشعوب. نجد ذلك في الصيغ الغامضة المتعمدة في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تركت الدول لنفسها فيه مسارب غير ملزمة وعودة للقانون الوطني في مسائل أساسية وهامة على صعيد الحقوق والحريات. من هنا جهود المنظمات غير الحكومية في استنباط قواعد واضحة فيما يمكن تسميته بالنواة الصلبة للحقوق، أي تلك المفترض أن لا تتأثر بأزمة أو كارثة أو حرب، كسلامة النفس والجسد مثلاً. هذا الاستنباط ينسجم تماماً مع التصور الإسلامي في قاعدتين متكاملتين، الأولى تسمح باستثناءات في الظروف الطارئة (الضرورات تبيح المحظورات) والثانية تحدد من إمكانيات التجاوز (الضرر لا يزال بالضرر). ومنها حظر التعذيب إطلاقاً ومنع الإغتصاب في أي ظرف وزمان ومكان إلخ.

منطق القانون الإنساني الدولي والمنهج الإسلامي..

يمكن القول أن الجد المباشر لاتفاقيات لاهاي وجنيف (إعلان سان بيترسبورغ لسنة 1868) قد أسس للمنطق الذي اعتمده القانون الإنساني الدولي: لقد فشلت التجربة البشرية من التخلص من آفة الحرب، ومن المثالي المطالبة بتحريمها في كل ظرف وموضوع وزمان ومكان، لذا من واجب التقدم الحضاري “أن يؤدي إلى التخفيف قدر الإمكان من ويلات الحرب”. المعاملة الإنسانية هي المبدأ الأول لهذا الاختيار، والضرورة العسكرية هي المحدد القانوني لأول معانية العملية. ومع تقدم التأمل القانوني والنضال المدني أضيفت عدة مبادئ أساسية مثل مبدأ التمييز ومبدأ التناسب وتطور مفهوم جريمة الحرب، أي الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان والمجتمعات والبيئة أثناء الحروب ليصل إلى أعلى المحددات القانونية وأوضحها في ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية (1998) (21).

لقد أوضحنا في أول محاضرة لنا في القانون الإنساني الدولي في الثقافة العربية الإسلامية في 1995 أن الإنسانية تشكل المنطلق الأساسي للمفاهيم الدنيوية في الإسلام، حيث التكريم لغة فوق الحق وتكريم الإنسان في القرآن يستوجب ضمان حقوقه الوجودية المادية والمعنوية. وتابعنا التقاطعات الأساسية في كتاب “الإسلام والقانون الإنساني الدولي” (2003). وقد ذكرنا في عدة مداخلات أن مفهوم الضرورة الحربية مثلاً لم يكن وحسب قضية حديث هنا أو مأثورة لصحابي أو فقيه هناك، بل كان موضوع محاسبة مباشرة لكل من تجاوز ما نسميه اليوم بالضرورة الحربية. وثمة دراسات إسلامية عديدة وأخرى أعدها الصليب الأحمر الدولي تظهر بوضوح تجريم العلماء للاستخدام المفرط للقوة وتحريم استعمال ما يسبب ضرراً لا داعي له كالأسلحة الخطيرة. إلا أننا نود الإشارة في هذه الورقة إلى مسألتين في غاية الأهمية، الأولى، أن الموقف الإسلامي الواضح من العديد من القضايا التي مازالت تشكل مناطق رمادية في القانون الدولي الإنساني لا يشكل دافعاً لعدد كبير من المسلمين للإنخراط في معركة تعزيز وتنمية القانون الدولي، فهم لا يستشعرون الحاجة للقيام بحملات دولية لتنمية وتعزيز هذا المشروع البشري غير المنجز والذي يحتاج إلى المجتمعات المدنية والحقوقية في العالم الإسلامي كطرف فاعل لا كطرف متلقٍ لتشريعات يصنعها الآخرون. فعلى سبيل المثال، يغيب الإلزام عن القوننة الوطنية لجرائم الحرب، الأمر الذي يسمح للمجرمين بالإفلات من العقاب في بلدانهم أو في بلدان تتعاون معهم، ولا يطبق الثقانون الدولي الإنساني بشكل صارم في المحكمة الأمريكية القارية لحقوق الإنسان ومازال 18 بلد عربي مثلاً خارج نطاق التصديق على المحكمة الجنائية الدولية، ورغم كل جرائم الحرب المرتكبة في أفغانستان والعراق ما زلنا في حالة غياب محاسب كاملة وتمتنع الطبقة السياسية العراقية عن التصديق على ميثاق روما. ويشكل موضوع حماية غير المقاتلين مساحة ضبابية فيما يتعلق بالصحفيين وعاملي الإغاثة رغم أن التعرض للفئة الأخيرة صار يعتبر جريمة حرب بقرار من مجلس الأمن. أما الثانية، فتكمن في وجود نقاط رمادية في المفاهيم الإسلامية وبشكل خاص عند من كتب في القانون الجنائي الإسلامي لم يجد أصحابها أية ضرورة لمناقشة فحواها وقوتها والمعنى العملي لتطبيقاتها خاصة المتعلق منها بالعقوبات الجسدية وحكم الإعدام وإعتماد القراءة الشكلية والحرفية دون استقراء الروح والغاية من الحكم.

من هنا تفقد كل الدراسات الدالة على التوافق والانسجام بين روح الإسلام ومنطق القانون الدولي الإنساني أهميتها في غياب قوة مدنية وحقوقية فاعلة تدافع عن هذه القيم باعتبارها التعبير الأكثر واقعية لأنسنة حالات العنف والصراعات المسلحة في عصرنا الراهن وتسعى بشكل دينامي لتقدمها وتشذيبها من كل نقاط الضعف التي تظهرها الحياة البشرية وتستلزم الرد المناسب عليها حتى لا تتحول إلى نصوص جامدة وتتوقف عن مواكبة التقدم البشري.

ملاحظات:

  • محمود محمد قاسم، مفهوم العدل في الفلسفة الإسلامية، مصباح الفكر (ديوجين)، العدد 22 1973، اليونسكو، ص 18.
  • محمد خاتمي، بيم الموج، دار الجديد، ط2، 1998، ص74-75. عن: دراسة مجملة لمباني الاقتصاد الإسلامي، الطبعة الأولى، صفر 1403 هجري، منشورات الحكمة، ص14.
  • عبد الكريم زيدان، مجموعة بحوث فقهية، مؤسسة الرسالة، بيروت ومكتبة القدس، بغداد، 1976، ص29، عن فتاوى ابن تيمية، ج1 ص341-352.
  • محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي، دار الشروق، 1982، بيروت-القاهرة، ص6.
  • انظر ابن منظور، لسان العرب، مادة عدل، طبعة دار صادر، بيروت، مجلد 11 ص430-431.
  • عن المنذري، الترهيب والترغيب في الحديث الشريف، إحياء التراث العربي، ط3، 1968، جزء 3 ص188-189 الأحاديث السابقة الذكر من نفس المرجع: فصل الترهيب من الظلم.
  • شمس الدين الذهبي، كتاب الكبائر، الكمتبة العصرية، بيروت، 1988، ص92.
  • نفس المصدر، ج3 ص182.
  • أبو بكر الرازي، عن مجيد خدوري، مذكور، ص 131.
  • أبو بكر الرازي، رسائل فلسفية، دار الأفاق الجديدة، بيروت، 1979، ص105.
  • الماوردي، أدب الدنيا والدين، البابي الحلبي بمصر، ط5، 1986، ص141-142.
  • نفس المصدر، ص144، 142.
  • رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، صادر، بيروت، 1957، ج3 ص501.
  • ابن عربي، إنشاء الدوائر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 1998، ص119.
  • العلامة ابن خلدون المقدمة، دار الكتاب، لبنان، الفصل الثالث والأربعون، في أن الظلم مؤذن بخراب العمران، ص 286 وما بعدها.
  • العلامة ابن خلدون، المقدمة، مذكور، ص307-308.
  • د. محمد الزحيلي، حقوق الإنسان في الإسلام، دار الكلم الطيب ودار ابن كثير، دمشق-بيروت، ص143.
  • ابن عربي، فصوص الحكم، مع تعليقات أبو العلا عفيفي، انتشارات الزهراء، إيران، 1370، ص167-168.
  • نفس المصدر، ص170.
  • مصطفى السباعي، اشتراكية الإسلام، الطبعة الثالثة، الدار القومية للطباعة، مصر، 1960، ص39. والأيات تباعاً: الحجر: 23، النجم: 44، ق: 43.
  • في كل ظرف ومكان، لا يجوز ارتكاب أي جرم من الجرائم الواردة في ميثاق روما التي تؤكد وتوضح ما اعتمدته اتفاقيات جنيف وملاحقها في واجب عدم تنافي مقتضيات الحرب مع احترام الذات الإنسانية بما يشمل:
    • حصانة الذات البشرية: ليست الحرب مبرراً للإعتداء على حياة من لا يشاركون في القتال أو الذين لم يعودو قادرين على ذلك.
    • منع التعذيب بشتى أنواعه، ويتعين على الطرف الذي يحتجر رعايا العدو أن يطلب منهم البيانات المتعلقة بهويتهم فقط، دون إجبارهم على ذلك.
    • احترام الشخصية القانونية، فضحايا الحرب الأحياء ممن يقعون من قبضة العدو يحتفظون بشخصيتهم القانونية وما يترتب عليها من أعمال قانونية مشروعة.
    • احترام الشرف والحقوق العائلية والمعتقد والتقاليد وتكتسي الأخبار العائلية أهمية خاصة في القانون الانساني وهناك جهاز خاص في “جنيف” هو وكالة الأبحاث تتولى جمع الأخبار ونقلها إلى من له الحق في ذلك.
    • الملكية الفردية محمية ومصونة.
    • عدم التمييز، فالمساعدة والعلاج ومختلف الخدمات والمعاملة بصورة عامة تقدم للجميع دون فرق إلا ما تفرضه الأوضاع الصحية والسن.
    • توفير الأمان والطمأنينة ووحظر الأعمال الانتقامية والعقوبات الجماعية واحتجاز الرهائن، وإذا أرتكب شخص يحميه القانون الإنساني جريمة فانه يعاقب وفقاً للنصوص المعمول بها مع مراعاة الضمانات القضائية على مستوى الإجراءات قبل التحقيق وبعده وعند المحاكمة وبمناسبة تنفيذ الحكم.
    • حظر استغلال المدنيين واستخدامهم لحماية أهداف عسكرية.
    • منع النهب والهجوم العشوائي والأعمال الانتقامية.
    • منع أعمال الغش والغدر.

هيثم مناع..

درس الطب والعلوم الاجتماعية والقانون، صدر له 26 كتاباً منها مستقبل حقوق الإنسان وموسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، كتب في الإسلام والقانون الإنساني الدولي في 1995 وأصدر كتاباً بهذا العنوان في 2003. رئيس المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخير، المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان، منسق التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب ورئيس المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان.

No Favorites Has Been Added!