December 05, 2020

تجارة الأعضاء: من بغداد إلى القاهرة

organكان الفنان الصديق حسام عبد الله قد حدثني عن تجارة الأعضاء خاصة عند أطفال الشوارع منذ أشهر وطالب اللجنة العربية لحقوق الإنسان بإجراء تحقيق، وللأسف لم تعط عدة منظمات حقوقية الموضوع حقه (ربما لأنه حتى اليوم لم يتحول لسلعة تمويلية). ولعل فيما يقوم به مركز النديم ومركز هشام مبارك وجمعية نور الحياة ما يحفظ لنا كمدافعين عن سلامة النفس والجسد لهذا الكائن المكرم في الديانات والفلسفات الكبرى، ما يحفظ لنا ماء الوجه في فضيحة تضع في العراء أولا المؤسسات الحكومية المسؤولة قانونيا وأخلاقيا عن حقوق الطفل، ثانيا المؤسسات التشريعية المكلفة بضمان احترام اتفاقية حقوق الطفل في التشريعات المحلية ووضع آليات محاسبة جدية للانتهاكات الجسيمة. وثالثا، المجلس القومي لحقوق الإنسان،أخيرا وليس آخرا، بعض حوانيت الحقوق والمجتمع المدني التي تتحرك وفق بوصلة واحدة اسمها التمويل.

لم تقصر التقارير الدولية في وضع المجهر على مصر باعتبارها من الدول الخمس الأولى في العالم في تجارة وسياحة وزراعة الأعضاء، التي تشمل حسب تقارير عدة، مصريين وغير مصريين. ويعود الفضل لصحيفة “البديل” في تحويل المسكوت عنه إلى قضية عامة في مصر، ومهمة كل الشرفاء (ولا أقول فقط المدافعين عن حقوق الإنسان) أن يتابعوا هذه المعركة، لأن الحرب الإعلامية والقضائية المفتوحة وحدها سمحت بتراجع هذه الظاهرة في العديد من دول أمريكا اللاتينية في حين تكفل فيروس الايدز بفرملة الظاهرة في القارة السوداء.

لا ندري إن كانت الاتفاقية الأمنية الأمريكية العراقية تسمح للقضاء العراقي بالتحقيق في قيام أطباء عسكريين أمريكيين بنزع بعض الأعضاء البشرية من القتلى وبعض الجرحى قبل القضاء عليهم نهائياً، لبيعها إلى المراكز الطبية والمرضى في أمريكا. فقد أصبح في حكم المؤكد وجود فرق سرية من الأطباء الأمريكيين ترافق القوات من الخلف في هجماتها على المسلحين العراقيين للتعامل الطبي السريع مع القتلى وإجراء عمليات انتزاع لبعض الأعضاء وحفظها بصورة عاجلة ومن ثم نقلها إلى غرفة عمليات خاصة قبل نقلها إلى أمريكا. وأكدت التقارير العثور على جثث عشرات العراقيين مشوهة وناقصة الأجزاء والأعضاء، وبعضها عثر عليها من دون رأس ويتم حين اتضاح الأمر حرق الجثث لإخفاء هذه الممارسات.

إن كان الجيش الأمريكي ينقل الأعضاء وراء الأطلسي، فالمواطن العراقي الفقير يقدم كليته مقابل الخبز على أبواب العديد من المشافي العراقية. حيث يقدر عدد المصابين بفشل كلوي بسبعة آلاف شخص يصعب معالجتهم بأجهزة الغسيل التي تراجعت قدراتها منذ الاحتلال عوضا عن أن تتقدم. ثمن الكلية يعادل مرتب مرتزق في شركة “بلاك ووتر” لمدة شهر. فإن علمنا أن هذه الشركة تنتدب لأحد المسؤولين العراقيين خمسين مرتزقا لحمايته، يمكن تصور الأولويات عند الفقير العراقي وعند المسؤول. لم يتحول بيع  الأعضاء عند المحتاجين بعد لمؤسسة مافيوية، فعادة ما يعمل أحد الموظفين بالمستشفى كحلقة وصل بين البائع والمشتري مقابل عمولة نسبتها 10%. اعتبر طبيب عراقي متخصص في جراحات الكلى “أنها كارثة ألا يجد الفقراء سوى بيع أجزاء من أجسادهم ليبقوا على قيد الحياة”. وتابع قائلا: “لقد اضطررت ذات مرة إلى رفض إجراء عملية زراعة كلى عندما علمت أن المتبرع طفل لا يزيد عمره عن 12 عاما، أجبره والده على بيع كليته لحاجته إلى 4000 دولار”.

في حين تفضل العصابات المنظمة ضحايا العنف وخاصة الجرحى منهم لقطع الأعضاء وتهريبها خارج العراق.

تسير خريطة تجارة الأعضاء مع خارطة المناطق الأكثر فقرا وضحايا الأزمات، هذا هو الوضع في مخيم البقعة الفلسطيني في الأردن. فقد كشفت لجنة حكومية أردنية برئاسة أمين عام وزارة التنمية الاجتماعية وعضوية مندوبين عن وزارتي الداخلية والصحة، ودائرة الاستخبارات العامة، ومديرية الأمن العام، عن رصد 81 حالة بيع كلى في المملكة تركز معظمها في مخيم البقعة. وذكر تقرير رسمي أن عمليات الاستئصال لغايات بيع الأعضاء غالباً ما تتم خارج الأردن، إذ تمت  في معظمها في العراق بنسبة 67.9% وفي مصر بنسبة 13،5%. كما أظهرت نتائج الرصد أن معظم بائعي كلاهم هم من الشباب الذكور، وأن 55% منهم تقل أعمارهم عن 31 عاماً، فيما كان 46،9% منهم متزوجين، كما بينت نتائج الرصد أن معظم بائعي كلاهم هم من الأسر الفقيرة فقراً مدقعاً.  إلا أن هذا الكشف لا يشكل سوى غيضا من فيض، فهناك إحصاءات أكيدة تشير لوفاة 35 مواطناً من بين 120 شاباً تم التغرير بهم وتشجيعهم على بيع كلاهم خارج الاردن خلال السنوات الثلاث الأخيرة تم حصرهم فقط من قبل جمعية مرضى الكلى الأردنية؟؟.

اتفق كارل ماركس وآدم سميث كلاهما على أن السوق الرأسمالية قد استبدلت العبودية القديمة بشراء قوة العمل المادية والذهنية للإنسان. هذا المفهوم النظري أصبح في أوضاعنا اللا إنسانية نعمة كبيرة في ظل واقع ألغى القيمة الاعتبارية لقوتي العمل الذهنية والعضلية ولم يترك  للكثير من الناس سوى تقديم جزء من أجسادهم أو بيع عرضهم للتمكن من البقاء على قيد الحياة..

بعد عولمة منظومة البغاء وعولمة الاعتداء الجنسي على الأطفال والنساء، هاهو انتزاع جزء من الجسد يتحول إلى وسيلة للعيش. والتناقض الصارخ، أنه يحدث في بلد يملك أحد أهم احتياطات النفط في العالم (العراق) كما يحدث في بلد شكل قبلة النهضة للعالم العربي وإفريقيا قبل قرن (مصر).

المشكلة في العالم العربي، وليس فقط في مصر والعراق، تتعمق في غياب القوانين المنظمة لقضية نقل الأعضاء وعدم تثبيت قواعد أخلاقية مهنية واضحة وتوقف الأمر على تعليمات من نقابة الأطباء أو وزراة الصحة أو إدارة المشفى أو فتوى رجل دين. كذلك في عدم تحديد التخوم القانونية بين التبرع لغاية إنسانية أو علاقة قربى وبيع العضو بكل بساطة بنفس آليات البغاء وتجارة الجنس مع محاذير أكثر خطورة وانتزاع جزء من الجسد لا يمكن تعويضه. ولعل الدول العربية تستفيد من قانون نقل الأعضاء البشرية الباكستاني للعام 2007  الذي يقترح مجموعة من الإجراءات من ضمنها فرض قيود على التبرع بالأعضاء وحصره”بأقارب الدم” ممن هم فوق سن 18 وحظره على من لا يرتبط بصلة قرابة بالمستقبِل. وقيام لجنة تقييم من خبراء طبيين للتحقق من أن التبرع قد تم بصورة طوعية وإيقاع عقاب يصل لعشرة سنوات على كل من يثبت ضلوعه في بيع الأعضاء لغايات تجارية.

إن الطامة الكبرى في منطقتنا، تكمن في تحويل التصديق على اتفاقية حقوق الطفل التي تحرم بوضوح أي اعتداء أو مس بسلامة النفس والجسد، إلى مجرد فيترينة (واجهة) للمناسبات والمؤتمرات والإحصائيات… إن فضح شبكات الاعتداء على سلامة الجسد في صلب مهمة المدافعين عن حقوق الإنسان ورجال الدين الإسلامي والمسيحي ومعلمي المدارس وحملة القلم ورموز السلطة الرابعة.  لا بد من التعريف بمعنى اتفاقية حقوق الطفل ومعنى سلامة الأشخاص ومعنى حماية الجماعات المستضعفة. والضغط من أجل تفعيل أشكال حماية حقيقية للعناصر الأكثر هشاشة وتهميشا في المجتمع، لأن استمرار هذه الجريمة، لا يشكل فحسب وصمة عار في جبين الحاكم والمحكوم، بل أيضا من وجهة نظر الطبيب، عائقا صحيا حقيقيا أمام احتمالات فرص التعليم والعمل والنمو، خاصة وأن الطابع السري لمعظم حالات الإتجار هذه، يحرم الضحايا من الضمانات الصحية الدنيا، وإن كان متوسط العمر بالضرورة سيتأثر بهذا الاعتداء الجراحي على الجسد ووظيفة أساسية فيه، فإن حوادث الموت تصل أحيانا لشخص من كل ستة أشخاص كانوا ضحية  عملية سرية لنقل لنقل الأعضاء.

————— 

مفكر وحقوقي درس الطب والعلوم الاجتماعية والقانون الدولي

البديل المصرية 28/11/2008

No Favorites Has Been Added!