October 25, 2020

أصدقاء وأعداء النوم

sleepبعد حلقة حول اضطرابات النوم واليقظة اقترحها الصديق نزار ضو النعيم لبرنامج ما وراء الخبر، وردتني عدة أسئلة من عدة مشاهدين وصحفيين  وأصدقاء، واختصارا للإجابة ولكونني لم أعد أملك الوقت للعمل الطبي النفسي، كتبت هذه الملاحظات الجامعة للفائدة العامة من خبرة 21 سنة في مخابر النوم واليقظة، من نافل القول أن حقوق الطبع والنشر غير محفوظة.

————————————————————————————

كتب أرسطو ثلاثة أعمال حول النوم، النوم واليقظة، الحلم والأرق، في حين لم يخصص أبو قراط عملا خاصا بالنوم، في ما عدا ما ينسب له بقوله: “النوم واليقظة إذا جاوز كل منهما المقدار القصد فتلك علامة رديئة”. جالينوس أيضا لم يفرد للنوم رسالة في مؤلفاته، لكن فرفريوس كتب بعده كتاب “النوم واليقظة”. الفيلسوف الكندي هو أول من أفرد كتاباً بالعربية حول النوم بعنوان ”في ماهية النوم والرؤيا“، حيث يعرّف النوم بترك استعمال النفس للحواس جميعا. السجستاني، أستاذ أبي حيان التوحيدى، كتب من ناحيته كتابا بعنوان “الإنذارات اليومية”، ضاع مثلما ضاعت عشرات آلاف الكتب من المكتبة العربية والإسلامية.

ننتقل بالنوم من نظرية الطبائع والاستقصات اليونانية القديمة إلى العلوم الحديثة، مع الثورة الصناعية التي جعلت المجتمع البشري كالقلب، ينبض على امتداد 24 ساعة. وبالتالي أجبرت ما بين 23 و 29 % من البشر على العمل في الأوقات الطبيعية للنوم. وذلك في أول عدوان واسع النطاق على العلاقة الطبيعية بين النوم والليل. ورغم أن الرأسمالية لم تطرح خلال توسعها السؤال عن مدى الخسائر التي سيسببها نظام الورديات الكاملة على الفيزيولوجيا البشرية بقدر ما طرحت السؤال التقليدي حول زيادة الانتاجية، إلا أن الطبيب والباحث لم يتأخرا عن دخول عالم النوم برؤية جديدة.

يعود للطبيب الفرنسي فران، في إطروحته مطلع  القرن التاسع عشر، الفضل في طرح تصورات ثورية حول النوم. يقول: “ها نحن نترك فرضيات القدماء لتوجيه اهتمامنا إلى نتائج المشاهدة العيانية، ونحو الاستقصاء الدائم للأسباب التي تحدث النوم أو تبعده، الظواهر التي نلاحظها عند الانتقال من اليقظة إلى النوم، زمن النوم، والانتقال من النوم إلى اليقظة. لتأثيرات النوم في حدوده العادية، زيادة زمن النوم المحدودة أو المفرطة، والوقت الأنسب له. تأثير العمر والجنس والسلوك والطقس والفصول والعادات والأمراض على مدته وعلى مجمل الظواهر المرتبطة به”.

بعد 200 عام على أعمال فران، عاشت البشرية فيها ثورات علمية أساسية في البيولوجيا والتكنولوجيا وتقدم العلوم الطبية والمخابر والأدوية وسبل المعالجة، تحول النوم من تعريفه المبسط كحالة سلبية لاستعادة القوى إلى شكل آخر للنشاطات الحيوية. من قضية مبسطة إلى ظاهرة متعددةة الميادين، والوظائف، والأدوار التي تترافق بفعاليات. نقص النوم قد يكون مرضا أو عرضا، وزيادته مؤشر لعدة أمراض نفسية أو جسدية أو مرض في ذاته. وحتى في القرن الواحد والعشرين، ما زالت الظواهر النومية (الكوابيس، الصرع، البيلة الليلية، الشخير، الحلم، الكلام والمشي أثناء النوم) موضوعا تختلط فيه العلوم بالخرافات. بحيث بات لدينا شعورا دائما بأن النوم لن يكشف كل أسراره.

لكن منذ الكتابات الفرعونية القديمة حتى أبحاث 2008، هناك سؤال أزلي لم يتغير، رغم كل ما عاشته البشرية من تحولات في الطبيعة والثقافة ونمط الحياة وأنماط المعرفة الطبية، وهو: من هم أصدقاء النوم ومن هم الأعداء؟ تشير الإحصائيات باستمرار إلى وجود قرابة ربع البشر يعيشون مع مشكلات ذات صلة بالنوم، أكانت كمية أو نوعية. ولوجود نسبة هامة ممن لديهم هشاشة ولادية أو نقاط ضعف سهلة الصعود إلى السطح. فيكفي بضع مناوبات ليلية أحيانا أو سفر عابر للقارات ليكتشف الشخص بأنه بطئ أو صعب التأقلم مع تغير ساعات النوم أو تغير البلد! لذا من المفيد أن نتذكر قبل الصداقات والعداوات النومية بعض المسلمات:

كما أن كل إنسان فانٍ كما يقول سقراط،  فإن كل إنسان ينام. وكما أن الموت يأتي ولو كنتم في بروج مشيدة، فالنوم يتكرر مادام هناك حياة. كل إنسان يحتاج للنوم، لكن المعدل يختلف بين ست ساعات عند البعض وعشر ساعات عند البعض الآخر. الحرمان الكامل من النوم يعني الحرمان من الحياة، والحرمان المؤقت من النوم يترتب عليه نتائج مؤذية. لذا لم يتورع البعض عن استخدامه كوسيلة تعذيب.

منذ اكتشاف التخطيط الكهربائي وتطوره الشامل في الخمسينيات من القرن العشرين، تغيرت عدة تعاريف ومعطيات قديمة عن النوم. لم يعد الوقت سوى مؤشر عام وفضفاض. وصار من الضروري اعتبار كل مشكلة نومية متعددة الأسباب. بات يتوجب التذكير بأن هناك نوم ذاتي ونوم موضوعي، ولا يمكن تثمين الثاني دون الأول. فإن أعطانا التخطيط الكهربائي نوما ممتازا لثمانية ساعات، في حين قال المريض في الصباح لم أغمض عيني، فهذا ليس كذبة على المعالج أو مجرد ادعاء. إنه دليل على نشاط ذهني مفرط أو وضع نفسي محدد أو أكثر من عامل. عدد ساعات النوم لا يعني أرقا، بل تصنيفا فيزيولوجيا لأشخاص قليلي النوم وآخرين كثيري النوم، كون النوم في الجودة لا في المدة.

الأرق هو شكوى معلنة يقدمها الشخص، لا حالة تقدمها الاختبارات الموضوعية. وكذلك حال فرط النوم. النوم البشري ثنائي الحقبة. والقيلولة ليست نقطة ضعف ثقافية بقدر ما هي ربط مفيد للثقافي بالطبيعي، خاصة القيلولة الطبية (من عشر دقائق لعشرين دقيقة). وقد عرف سكان بلاد الرافدين والكنعانيون وعرب الجزيرة والفينيقيون أهميتها. وجاء اسمها اللاتيني sieste من كلمةsexta ، أي الساعة السادسة بعد الاستيقاظ. فالنوم باختصار مثل بصمة الأصبع، حالة فردية وشخصية. وكل ما يذكر من قواعد عامة هي ملاحظات عند نسبة عالية من الناس، لكن ليس كل الناس. لذا لا بد من قراءة نسبية ومرنة ودينامية لكل ما نسميه أصدقاء النوم، أو العوامل المسهلة والمؤثرة في الحصول على أفضل نوم. وذلك أخذا بعين الاعتبار ان النوم ليس فقط مشكلة كمية أو نوعية، بل جملة مظاهر. وليست النظائر النومية (الرعب الليلي والأزمات والشخير ووقف التنفس النومي والكوابيس والبيلة الليلية والسرنمة وصرير الأسنان إلخ) سوى تعبيرها الأكثر مشهدية.

أصدقاء النوم

الإنسان هو الصديق الأول للنوم. فالنوم يتعامل برفق مع من يحبه ويعتني به. وهذه العناية ليست بالضرورة مثالية، بل تنسجم مع ما هو متوفر وممكن. ورغم أن النوم يبدأ مع غياب الصحو العقلي ومظاهر لا واعية، ويتزخرف بالحلم كتجربة فردية لا تخضع للسيطرة الواعية للأشخاص، إلا أنه يحترم قاعدة ذهبية تقول: لا يكلف النوم نفسا إلا وسعها. تعلمت هذه القاعدة من مريض كان يعمل ليلا حين قال لي:” قبل عشر سنين راجعت الطبيب من أجل تغيير نظام الورديات لأنني لم أعد احتملها لا صحيا ولا اجتماعيا، فغيرت النظام لعمل ثابت في وردية تأكل نصف الليل وتعطيني نصفه للنوم. اليوم، وأنا قادم للمعاينة فكرت أنه من الصعب أن أطلب تغيير العمل وفي البلد مليوني عاطل عن العمل. لذا حضّرت نفسي لما يمكنك أن تساعدني به لأتحمل الوضع بشكل أفضل”.

قد يأتي اليوم الذي يقوم به الإنسان الآلي بالعمل الليلي مكان البشر. لكن حتى هذه اللحظة، لا بد من تقوية الطاقة البشرية للتعامل مع كل الظروف. وعندما نقول تقوية، يصبح من الضروري التفكير بالمشي كل يوم، التمارين الصباحية قدر الإمكان، السباحة كلما أمكن، الخروج من المكان المغلق ما استطعنا. كذلك تغيير وضعية العمل المزمن والجلسة، خاصة جلسة الكومبيوتر (النظر إلى الجدران أو الفضاء الخارجي وتغيير مطابقة العين كل ربع ساعة وتحريك الجسد وتغيير الحركات المزمنة). أيضا التفكير بأن الغذاء الأفضل هو ذاك الذي يحوي أكثر من ستين بالمائة من الخضار والفاكهة، وأربعين لما تبقى. وأن كل ما هو أخضر من الطعام صديق لتوازن النوم/اليقظة. التمسيد والاسترخاء عادات من الجيد اتباعها مع الجسم، والسرير الأفضل هو الأقسى. يضاف لكل هذا توظيف الضوء لتقوية النوم واليقظة وعدم الوقوع ضحية له. فالضوء مسهل للاستيقاظ والنشاطات الفيزيولوجية المرتبطة باليقظة. أما الظلمة فتسمح باسترخاء ضروري، خاصة للعامل الليلي الذي يستطيع بها الحفاظ على نسبة صحو جيدة.

مهما كانت مدة النوم المهني، لا بد من احترام وقت شخصي للنوم أو أجندة شخصية نظرية. وهذا الاحترام يسمح للفرد بالتعويض عن لحظات الخروج عن القطار الطبيعي للنوم. ومهما كان العمل مستمرا ورتيبا، يمكن الحصول على استراحة قصيرة للاسترخاء. عشرة إلى عشرين دقيقة تمكّن من استراحة نفسية-جسدية أثناء العمل الليلي. أما في المؤسسات الطبية أو العلمية أو الصحفية التي لا تحتاج فقط للعمل في الليل، بل أيضا لحالة تركيز وإنتاج ذهني، من الضروري إجراء معاينة شاملة للعاملين تعتمد وسائل الاستجواب البديلة. أي تنظيم استجواب كامل يلقي الضوء على الصحيفة المرضية والنفسية والبيئية لكل شخص. وإجراء الاختبارات البسيطة من قبيل أجندة النوم والاختبارات الاستقصائية الأولية. كذلك أخذ ضعف وقوة النوم عند العامل بعين الاعتبار في تغيير أوقات العمل. ليس فقط لأن هذا هو الأنسب لصحته وإنما لكونه ايضا يتناسب مع نوعية أعلى لعمله.

من الضروري الاتفاق على عقد عائلي-اجتماعي، يقوم على مبدأ تضامن صاحب الظروف الأفضل للنوم مع صاحب الظروف الأسوأ. وتضامن القوي مع الضعيف، والبالغ مع الطفل والكهل. الحرارة المناسبة للغرفة مهمة. وهناك أطروحة تعود بقوة حول النوم بالجوارب، كون دفء القدم يسهل النوم. العشاء الخفيف والمبكر مفيد لكل الأشخاص على اختلاف أوقات عملهم ونومهم. في الليل أو النهار، لا بد من ترتيب مكان النوم بشكل يوحي به. أي اللجوء لستارة قاتمة اللون، مع تغطية العيون لذوي النوم الحساس، ووضع كرة شمع صغيرة في الأذن لتقليل الضجة. كذلك يجب التدرب على القطع مع فعاليات قد تكون محببة للنفس، إلا أنها ضارة بالنوم (التلفزيون المزمن، الأنترنيت بلا حدود، السهر مع منشطات ومنبهات وتدخين بوتيرة عالية..). إن إدخال ثقافة المعالجة النفسية بالاسترخاء هي من وسائل العلاج الرخيصة، حيث في كل بيت مسجلة وأشرطة وسي دي. فالمعالجة بالكلمات والموسيقى، أو الموسيقى وحدها، هي في غاية الفائدة. كذلك المعالجة بالماء التي عرفتها المشافي العربية منذ القرن التاسع الميلادي. فللماء فعل مزدوج: إنه من جهة مريح ومركن ومسهل للنوم ومخفف للألم، ومن جهة ثانية منشط ومقو. كذلك هناك مجموعة أعشاب طبية مسهلة للراحة والنوم مثل: المليسة والجنجل (حشيشة الدينار) والشبث والناردين والخزامة (لاونده) والشوفان والزيزفون.

وله أعداء ؟

أعداء النوم هم الضجيج، والشدة، والمشاكسة اليومية له، وسوء التعامل مع الضوء، وإهمال الأعراض المنذرة مثل: الشخير وضيق النفس والنرفزة وضعف التركيز وحالة الإرهاق والنعس النهاري إلى غيرها من عناصر اضطراب النوم. كذلك انعكاس هذا الاضطراب على الوظائف البيولوجية المختلفة، وبالتالي ظهور اضطرابات نفسية وجسدية، أو تسريع وقوع أمراض وظيفية مختلفة تتركز على الأعضاء الأضعف، وإضعاف المناعة بشكل عام. كما أن الاستعمال المبالغ للأدوية هو عامل مضعف للنوم واليقظة. كذلك عدم القدرة على إقامة حواجز بين لحظات الاستنفار المهني أو النضالي ولحظات الدخول والخروج الهادئ من عالم النوم.

يمكن أخيرا اختصار المبدأ الأساسي في التعامل مع اضطرابات النوم واليقظة بجملة لعالم النفس الفرنسي بياجيه حين قال: “يحتاج التوازن إلى الوقت، وهذا الوقت يقيسه كل شخص على طريقته”.

16/06/2008

No Favorites Has Been Added!