November 19, 2017

يمكن لكل عراقي مظلوم أن يقاضي الاحتلال

IRAQ-WAR-END1ضمن فعاليات مؤتمر نصرة الشعب العراقي في إستانبول، والذي عقد الشهر الماضي، استضاف موقع (المسلم) سعادة الدكتور هيثم مناع (المتحدث الرسمي باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان)، دار الحديث خلاله عن مشاركة اللجنة في مؤتمر النصرة، وكيف يمكن لها تفعيل دورها بشكل أكبر في نصرة الشعب العراقي المنكوب، وطبيعة علاقتها مع الدول العربية، وعملها هناك..
سعادة الدكتور هيثم، نرحب بكم في موقع (المسلم)، ولنبدأ من مشاركتكم في هذا المؤتمر، ما هي طبيعته، وهل وجودك شخصي أم رسمي باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان؟

في الواقع أنا لم أشارك في المؤتمر، كما أن اللجنة العربية ليست طرفاً في هذا المؤتمر، ولكن هناك عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان المشاركين في هذا المؤتمر، وارتأينا أن نعقد على هامش المؤتمر بعد انتهائه، أكثر من اجتماع لمناقشة انتهاكات حقوق الإنسان في العراق من منظار الآليات الدولية وإمكانيات محاسبة المسيئين عبر القانون الدولي.
هل هناك أية أعمال استطاعت اللجنة العربية لحقوق الإنسان أن تقوم بها في سبيل الدفاع عن الشعب العراقي ضد الانتهاكات الحاصلة له في العراق؟

منذ اليوم الأول لمشروع الاحتلال ومنذ بدأ واضحاً أن المحطة القادمة بعد أفغانستان هي العراق؛ بدأنا تحركاً عالمياً ضمن جبهة واسعة اسمها (جبهة مناهضة الحرب) وكانت هذه الجبهة تضم حوالي 185 منظمة عالمية (أوروبية وعربية وإسلامية وأمريكية لاتينية وأمريكية شمالية) وبذلنا كل ما نستطيع من أجل وقف العدوان قبل حصوله وقلنا بأن هذا العدوان لا يمكن أن يؤدي إلى وضع أفضل من الوضع والمأساة التي تعيشها الجماهير العراقية سواء في ظل الاستبداد الصدامي أو في ظل الحصار الجائر الذي فرضته الأمم المتحدة على الشعب العراقي، وهو حصار يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة من جهة ويتعارض مع الشرعية الدولية لحقوق الإنسان.

وقد أرسلنا منذ ذاك الوقت أول بعثة إلى العراق (كنت أحد أعضائها) للتحقيق في الأوضاع بعد أسبوعين من الاحتلال، ثم تابعنا ذلك في عدة رسائل تحقيق، وتابعنا الوضع في العراق عبر عدة تقارير أعدها أصدقاء وزملاء لنا من العراق في الميدان وفي المدن المستهدفة أحياناً مثلاً في الفلوجة والنجف والأنبار، ثم بعقوبة، تابعنا جميع الجرائم التي استهدفت مدناً عراقية، ووثقناها وحاولنا أن نحدد حولها موقفاً موحداً في لجنة حقوق الإنسان، ثم عرضناها بعد ذلك على مجلس حقوق الإنسان لاتخاذ ذات الموقف، ونجحنا في التعاون مع العديد من المنظمات في الوصول إلى ذلك، كذلك نجحنا مع العديد من المنظمات في أن يكون هناك مقرر خاص للعراق لأوضاع حقوق الإنسان في العراق، وأن يصدر عن المكتب أكثر من تقرير لا يكتفي فقط بزيارات موسمية.

ولكن للأسف، عندما نتحدث عن المحاسبة سنجد نجاحاً بسيطاً جداً، ولا يكاد يذكر، ولا أعتقد أن السبب ينحصر في قلة التعاون الممكن إقامته مع الدول الغربية وفقاً للاختصاص الجنائي العالمي، وإنما السبب يكمن في عدم المعرفة بمعنى الاختصاص الجنائي العالمي، أي القوانين الجنائية الدولية التي أقرت خاصة بعد اتفاقية روما لعام 1998م، فعدم وجود ثقافة حقوقية عند الناس، يجعلهم يسألونك دوماً “لماذا لم تفعل شيئاً قانونياً حول ذلك؟”، ولا يعرفون أنه إذا لم يكن لدينا وكالة قضائية شخصية من المعني مباشرة، أو من أهله إذا كان قد توفي، ومنه إن كان ضحية تعذيب أو عاهة دائمة، فلا يمكننا أن نتدخّل، لأننا في أي دعوى لا بد أن نطالب بالحق الخاص وصولاً إلى تشخيص الوضع العام، وليس العكس. وهذا الأمر مطبق في القانون الأوروبي وفي المحاكم الأوروبية لحقوق الإنسان وفي المحاكم الوطنية بكل الدول التي تقبل الاقتصاص الجنائي العالمي في مختلف القارات.
من هنا نجد أن عدد الدعاوى التي شاركنا فيها قليلة جداً نسبة للجرائم التي ارتُكبت، وأنا شخصياً أتمنى أن يسمعنا كل من هو مطلوب أو كان ضحية، وأقول لهم “إن كنتم قد أخذتم 2500 دولار كتعويض عن وفاة قريب، فاعلموا أن هذا التعويض غير قانوني، وحتى لو كتبتم عشر وثائق تقولون فيها أنكم تنازلتم عن حقكم، فهذا لا يعني أن هناك تنازلاً جنائياً، لأن الجريمة هي الجريمة، والتنازل الفردي قد يكون بسبب الضغط، أو قد يكون بسب الضائقة المالية، لذا من حقكم إقامة دعاوى قضائية في أي وقت تشاؤون، كما أن الجرائم الجسيمة لا تزول بالتقادم لا بعشرة أعوام، ولا بثلاثة عشر عاماً، ولكن الدعوى عندما تكون قريبة من تاريخها يكون الشهود أكثر، وتكون المعلومات أخصب، وتكون إمكانية توثيق الجريمة أفضل، من هنا جاءت ضرورة التحرك من قبل المعنيين أنفسهم، وعليهم أن يعتقدوا أن حقوقهم يمكن لمنظمات حقوق الإنسان أن تحصلها لهم. منظمات حقوق الإنسان تستطيع أن تغطي الجانب القضائي، أن ترشد، أن تساعد في الحصول على محامٍ جيد، أو أن تتابع إعلامياً، أو أن تحول وضع الجلاد إلى وضع المحاكَم أو المُدان، ولكنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تضع نفسها محل الضحية، وفي كل القضايا الجنائية لا بد من حضور الضحية حتى نتمكن من محاصرة الجلاد، وهذا لا يعني أي خطر على عائلات الضحايا.

فاليوم نعيش في العراق حالة مروعة من القتل، لا ينجوا منها إلا من كتب له الله النجاة، وقلة هم الذين ينجون من الموت في كل مرة يتم استهدافهم فيها، ومن الفارقة العجيبة، أنه وقبل شهرين تقريباً، بلغ عدد القتلى في العراق خلال شهر واحد، أكثر من القتلى الذين ماتوا على يد الديكتاتور بينوشيه في تشيلي بأمريكا اللاتينية. ومن ينج اليوم قد لا ينج في الغد، فلا يجب أن يكون الخوف من الموت سبباً في عدم رفع دعاوى قضائية ضد المعتدين.

نحن اليوم نعيش مأساة ومجزرة كبيرة في العراق، وهذه المجزرة إذا لم نفكر بعقلية المحاسبة، فإنها ستزداد، وستكثر عمليات القتل، وترتفع عمليات التعذيب، وسنجد في كل يوم عدد كبير من الجثث. من هنا النداء لتصديق الحكومة العراقية على ميثاق روما إن كانت فعلا غير طرف في الجرائم التي تحاسب عليها المحكمة الجنائية الدولية.
إلى جانب ما وصفت من الأعمال العظيمة التي تقومون بها، هل هناك أي جهود في موضوع التوثيق لما يحصل في العراق، سواء أكان التوثيق مصوراً أو بشهادات مكتوبة أو غيرها؟
الفضل الأكبر لعمليات التوثيق المكتوبة والمصورة تعود للعراقيين، وخاصة للذين يعملون في حقوق الإنسان أو يعملون في القضاء، أو في تنظيمات تعتمد إقامة العدل.

وفي الحقيقة نجد أن فكرة إقامة العدل تعتمد منهجاً يستند إلى بعد أخلاقي، وهو ما تعتبره الأساس في نضالها. لذلك تجد أنها لا تضع ف حسبانها المخاطر التي قد تحدث يوماً ما. وأحب أن أوجه شكري هنا إلى هيئة علماء المسلمين التي قدّمت لنا أرشيفاً بحوالي 160 سي دي بأفلام موثقة لضحايا تعذيب، لأناس تم قتلهم بعيداً عن إطار القضاء، لاعتداءات على عائلات آمنة في مناطق لا يوجد فيها أي خطر على الجندي الأمريكي أو القوات الأخرى المحتلة، ونتمنى من كل المنظمات أن تفعل الشيء نفسه، هناك أعمال أيضاً فردية كثير من الأشخاص يوثقون ما حصل معهم ويرسلون لنا ذلك وهم مشكورين.

ونعترف أنه لم يكتمل لدينا توثيق كل شيء، ولا يمكن الحديث عن أرشيف مكتمل بالنسبة للعراق حتى بنسبة 30%. ولكن هذا هو الوضع دائماً، ففي عام 1944 وبعد ست سنوات من الحرب العالمية الثانية، لم يكن هناك أي أرشيف يضم أكثر من 10% من الجرائم، إذن هذا طبيعي، لكن وبسبب وجود وسائل نقل المعلومات، ووسائل التواصل الحديثة، لا بد من أن نعمل بسرعة أكبر، ولا بد من أن تتشابك الأيدي كلها للعمل معاً، لأن عمل منظمة واحدة لا يكفي. فنحن بحاجة لكل المنظمات ولكل النقابات (كنقابة الأطباء ورابطة أطباء العراق، ونقابات المحامين في العراق وغيرها)، بحاجة إلى التنظيمات السياسية الشريفة، ولكل الأطراف، كي نتمكن من توثيق الجرائم التي تحصل في العراق. (لم يقبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في رسالته المؤرخة في 9 فبراير 2007 شهر الاستمرار بما قدم له من شكاوى لضعف الملفات ولكنه اعتبر  هذه الملفات في عدة حالات من اختصاصات المحكمة وهذه فرصة لتوثيق جيد وعمل دؤوب للوصول إلى تفعيل العلاقة بين جرائم الحرب في العراق والمحكمة الجنائية الدولية هـ.م)
ألا ترون أنه من خلال مثل هذه المواد التي حصلتم عليها، تستطيعون أن تساهموا في تحريك هذه القضية من خلال الضغط الإعلامي والحقوقي؟
بالتأكيد، وهذا ما نحاول فعله دائماً، لذلك نحن الآن بصدد بناء محكمة مدنية دولية، سيكون نقطة انطلاقها على الأغلب في يوليو القادم، وهذه المحكمة تضم نخبة من القضاة من كل دول العالم، وستتناول عدة حالات، في لبنان والعراق وفلسطين، وهي تعتمد على فكرة أساسية هي أن المحكمة الجنائية الدولية، ولسبب عدم تصديق الولايات المتحدة  على ميثاقها، وبسبب عدم تصديق العراق والدولة الصهيونية وحتى الحكومة اللبنانية عليها، فهي خارج إمكانيتنا، ولا يمكن إقامة الدعاوى ضمن نطاقها إلا بموافقة مجلس الأمن، لذا لا بد من البحث عن صوت اعتباري أخلاقي عالمي، يضم نخبة من القضاة المعروفين بنزاهتهم من القارات الأساسية، ومن الثقافات الحقوقية المختلفة (كالثقافة الأنجلوسكسونية، والثقافة اللاتينية والثقافة العربية الإسلامية)، هذه المحكمة يمكن أن ترى النور إن شاء الله في يوليو 2007م، وعندها يمكن أن يكون لها تمثيل أو مكتب دائم في جنيف، تماماً مثلما حدث عندما تم عقد محكمة لمحاكمة جرائم الحرب الأمريكية في فيتنام، لا بد من هاذ العمل حتى لا نكون أسرى السيطرة الأمريكية على المؤسسات الدولية، وبشكل خاص مجلس الأمن. لا بد من مبادرات من المجتمعات المدنية على الصعيد العالمي لكي نتمكن من فضح الجرائم الجسيمة التي يقوم بها الاحتلال في العراق من جهة، ومن جهة ثانية لكي يكون هناك صوت أخلاقي قضائي يعتمد القانون الدولي والشرع الدولي لحقوق الإنسان، وبنفس الوقت يقوم بما عليه دون أي خوف من هذه الدولة أو تلك.
لو عمّمنا الحديث حول عمل لجنة اللجنة العربية لحقوق الإنسان، وسألنا ما هي الأعمال التي سوف تقومون بها سواء حول التوثيق أو محاسبة المجرمين، في كل ما يجري عموماً في العالم العربي من انتهاكات لحقوق الإنسان.. ما هي المؤتمرات التي عقدتموها، أو الوثائق التي أصدرتموها أو المواقع التي استطعتم من خلالها أن تبثوا هذا الفكر لدى عامة الشعوب العربية؟
نحن نعتقد أن اللجنة هي جزء من جسم كبير، هذا الجسم يشمل المنظمات غير الحكومية، ونقابات المحامين، ورجال الدين الواعين بمعرفة حقوقية وقانونية جيدة، وكل الوجوه الاعتبارية والشخصيات ذات الاحترام في بلدانها. لأننا بحاجة إلى جبهة واسعة لإيجاد صوت للفضاء غير الحكومي، الذي لا يرتهن لا لمصلحة سلطة مادية ولا لمصلحة سلطة سياسية، وإنما يكون رهينة لمبدأ إقامة العدل، ويعتمد في وجدانه باستمرار كرامة الإنسان.

إذا كان هذا المبدأ موجود بالفعل، فبالإمكان أن نفعل شيئاً كبيراً، ويمكن لهذا الشيء أن يكون مؤثراً. ولكن رغم ذلك ومع كل أسف، نحن رهينة محدودية كل ما ذكرت.
ورغم ذلك، نحن نقوم باستمرار بانتظام دورات تدريبية، مثلاً وفي عام 2006م قمنا بتنظيم أربع دورات تدريبية، وأعددنا العدة لتنظيم ست دورات في العام 2007 إن شاء الله. ونحاول من خلال هذه الدورات التدريبية تأهيل كوادر قيادية يمكنها من استخدام كل الطاقات الثقافية والحقوقية، بهدف توسيع هذه المنظمة في العالم، لأننا بحاجة إلى إمكانيات تقف معنا وأحياناً تكون النية موجودة والخبرة غير موجودة فلا بد من أن نجمع هذه النية بالخبرة عبر دورات التدريب.

كما أننا نحاول أن نصدر كل شهر أو شهرين كتاباً لتعزيز الثقافة الحقوقية في العالم العربي، ولا تشمل هذه الكتب انتهاكات حقوق الإنسان فقط، وإنما تشمل أيضاً الثقافة العربية الإسلامية، والتعريف بالمحطات الأساسية المفيدة، والتعريف بثقافتنا وعلاقتها بكرامة الإنسان وبالحريات الأساسية وبمناهضة الاستبداد ومناهضة التعذيب ومناهضة كل ما يمكن أن يشين أو يسيء إلى الشخص خلال مشاركته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أو أن يحرمه من حق أساسي من حقوقه.

كما أننا نقيم المؤتمرات، وهذه المؤتمرات تعتبر تعريفية أو خاصة، وهناك مؤتمرات ننظمها حول حالات معينة، كتنظيم مؤتمرات حول بلدان معينة، كالندوة التي نظمناها حول التغيير في موريتانيا، كي نفهم ما يحدث وإلى أين يمكن أن تسير الأمور وهل هذا الشكل من التغيير شكل مقبول ويمكن أن يؤدي إلى نتيجة أم هو استراحة بين حالتين ديكتاتوريتين.
كذلك تابعنا الوضع في لبنان ونظمنا ندوتين حول الحرب والعدوان على لبنان، ونظمنا قرابة 32 مظاهرة في العام 2006، للدفاع عن الحقوق الأساسية للمهاجرين من الشعب اللبناني والفلسطيني والعراقي، وأيضاً أقمنا مشاركات مع منظمات أخرى بما في ذلك منظمات في أمريكا اللاتينية وأوروبا، تم خلالها تنظيم حملات تضامن مع المنتهكة حقوقهم في العالم العربي، إذن هناك أشكال متعددة تحاول اللجنة العربية أن تحقق من خلالها هدفاً أساسياً من التواصل مع الآخر، وحماية نفسها وحماية مَن يعمل في نفس الحقل، ونعترف أننا وجدنا هذا غير كاف؛ لذا باشرنا من أربعة أشهر بإقامة شكل جديد من العمل، هو الأول من نوعه على الصعيد العربي والإسلامي والعالمي أيضاً. حيث قمنا بإعداد برنامج أسبوعي لحقوق الإنسان، وهذا البرنامج الأسبوعي يعرض على قناة الحوار، ونحاول عبره أن نعرف الانتهاكات الأساسية لحقوق الإنسان، وأن نعرّف بثقافة حقوق الإنسان، وبالمفاهيم الأساسية له. بحيث نعزز هذه الثقافة. خاصة وأن التلفزيون بات أوسع انتشاراً بكثير من الإعلام المكتوب.
وكم مضى من عمر اللجنة حتى الآن؟
نحن نعمل منذ تسع سنوات.
وأين يقع المقر الرئيس لكم؟
يقع في باريس، ولدينا مقر مشترك مع منظمات أخرى في جنيف، كما أن لدينا مندوب في نيويورك، إضافة إلى أعضاء موزعين في كافة الدول العربية.

هل هناك أي تعاون أو ترحيب حكومي في الدول العربية بأعمال اللجنة؟
يمكن القول أن هناك دولاً تحارب اللجنة بشكل مفتوح، وهناك دول لا تهتم بها، وتتركها تعمل مع مراقبتها وعدم رغبتها في العمل. وأحياناً كثيرة عدم الرد على رسائلها أو استفساراتها. وتوجد بعض الدول التي تقدم دعماً معنويا محدوداً لنا. وتشركنا أحياناً في حضور بعض جلسات المحاكمات العسكرية، كمصر، والتي لم تمنعنا أيضاً من عقد ندوة في العام 2005 عن حرية التعبير، وخلال 2006 عن الرسوم المسيئة للرسول الكريم _صلى الله عليه وسلم_ وعلاقتنا بحرية التعبير في العالم العربي والعالم الغربي.

وأرى أن هذا التعامل يأتي من مبدأ “دعه يعمل فإنه لن يضرنا شيئاً”. ولكن هناك من يمنعنا من أن نذهب في بعثات تحقيق، هناك من يمنعنا من القيام بعملنا وهناك أيضا من يمنع أعضاء اللجنة العربية حتى من دخول البلد، وهذا موجود في عدة بلدان عربية.
ما مدى علاقة لجنة حقوق الإنسان العربية مع غيرها من اللجان العالمية، خاصة فيما يتعلق بالعمل حول حالات معينة؟ وهل هناك أمثلة استطاعت اللجنة من خلالها أن تنجح في تدويل بعض القضايا الجنائية، سواء المتعلقة بالحروب أو غيرها من الممارسات؟

قبل الحادي عشر من سبتمبر كان لدينا نشاطات دولية أوسع، اليوم وبسبب تلك الأحداث حدث اختلاف وجهات نظر حول بعض القضايا، بين المنظمات الشمالية، والمنظمات الجنوبية، على سبيل المثال نحن نرفض إطلاق كلمة (الحرب على الإرهاب) ونضعها بين قوسين، ونعتبرها تراجعاً كبيراً على صعيد الحقوق والحريات، ونقول بأن هذه الحرب على الإرهاب أدت إلى صدور 24 قانوناً لمناهضة الإرهاب، وهي قوانين استثنائية ونوع من حالة الطوارئ بشكل جديد وثوب جديد، فضلاً عن أكثر من ثمانمائة قانون مؤقت على حساب دولة القانون في العالم، وليس فقط العالم الإسلامي. لذلك نعتبر أن هذه الحرب على الإرهاب كانت كارثية على صعيد الحقوق والحريات.
أما المنظمات الشمالية فإنها تحسب حساب مسألة الأمن، وترى أن تلك القوانين يمكن لها أن تخفف بعض الشيء من مخاطر الإرهاب على مواطنيها، وهي متفهمة أكثر لبعض القرارات الاستثنائية للأسف؛ لذا نحن نعمل اليوم مثلاً مع هذه المنظمات كما يقول التعبير اللاتيني بشكل (آدوك) في الموضوع والحالة، فنحن نتفق معها على القيام بحملة ضد الحكومة التونسية ضد الاعتقال التعسفي هناك، ونقوم بحملة مشتركة من الألف إلى الياء معها الآن، كما أننا نقوم بتجمع كبير من أجل جوانتانامو، ومتفقين حول ذلك تماماً. ولكن عندما نريد أن نصرح حول السياسة الأمريكية وضررها وما تركت من عواقب على العالم الإسلامي، فإننا لا نصرح بذلك في إطار نضالنا من أجل إغلاق جوانتانامو، ولكن في محفل آخر، وهو ما يمكننا من احترام العهود معهم في هذه الأعمال المشتركة، ونقوم بنفس الوقت بتقديم وجهات نظرنا.
عندما نقول “اللجنة العربية لحقوق الإنسان” هل يعني هذا اهتماماً عصرياً بالمواطن العربي، أو ببقائه في حدود الدول العربية؟ هل يعني هذا أي تقييد لاهتمامات اللجنة بالمشكلات الجنائية والحقوقية؟
نحن في الأمم المتحدة نعتبر كعضو مراقب لديه الصفة الاستشارية، ونغطي العالم العربي، بمعنى دول الجامعة العربية. ولكن الأمم المتحدة شجعتنا في مناصرة العرب حتى خارج إطار الوطن العربي. خاصة عندما حدثت حالات في أوروبا. فنحن الآن نتابع العرب والمسلمين خارج العالم العربي، وهناك حالات وأمثلة عديدة خاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر، استطعنا أن نوقف خلالها حوالي 120 حالة إبعاد من الدول الأوروبية، وسعينا لتوقيف ما نستطيع مما يسمى حالات العقوبة المزدوجة، (والمقصود بالعقوبة المزدوجة، هو الحكم على شخص ما مثلاً بالسجن 5 سنوات، وطرده من البلاد حال انتهاء مدة محكوميته)، وقد ساهمنا ضمن حملة واسعة مع عدد كبير من المنظمات الأوروبية لوقف قوانين العقوبة المزدوجة، أيضاً لدينا الآن عدة دعاوى ضد تعذيب أشخاص مسلمين وعرب في أوروبا، والذين يحاكمون في إطار قوانين الإرهاب، كما أننا تابعنا عدة محاكم مثل محاكمة تيسير علوني والخلية السورية في أسبانيا ونتابع الآن مجموعة 11مارس، كما نتابع الاتفاقيات الأمنية التي أقامتها 4 دول خليجية مع الناتو، ونطالب بوقف هذه الاتفاقيات لأن أي اتفاق أمني بين بلدين، يتم اعتماد القوانين في الدولة الأقل تقدماً والأقل استقلالاً للقضاء، وهو ما يعني أنه عندما يتم توقيع اتفاقية مثلاً بين الكويت وبريطانيا، فإن القانون الكويتي يصبح أساساً للتعامل!

من هنا تجد أن كل هذه الأمور هي أمور تحدث خارج الأراضي العربية، حتى في إيران تدخلنا أكثر من مرة وأوقفنا إعدامات في إيران أحيانا وفشلنا أحيانا، رغم أن هذا يعتبر بالمعنى الحرفي للكلمة خارج نطاقنا، لكننا وجدنا عبر مناضلين إيرانيين أو أحوازيين أو دوليين وسائل لنشاط مشترك نستطيع فيه التدخل من أجل مساعدتهم.
في الوسائل الإعلامية وفي كتابات كثير من المفكرين في العالم العربي وخاصة ذوي الاتجاه الليبرالي، نرى تحسرهم على ما يحصل في البلاد العربية من غياب لحقول الإنسان، وتغني بتغييب العدالة والمساواة، وهناك جملة من المثقفين والرموز والكتّاب والصحفيين يدعون لذلك، فهل لمثل هؤلاء أية مساندة أو دعم حقيقي واقعي للجنة؟

توجد بيننا وبين الليبراليين الجدد مواجهة سياسية، والسبب أن اللجنة العربية لحقوق الإنسان تقوم على عدة أسس نعتبرها نحن عالمية ولا نعتبرها غربية ونعتبرها أساسية لإخراج حقوق الإنسان من قوقعة المفهوم الغربي لها، أول هذه الأسس هو الخروج من المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان، الذي يعتبر هذه الحقوق هي الحقوق المدنية والسياسية فقط، فنحن نعتبر الحقوق الإنسانية الستة الأساسية هي اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية ومدنية وسياسية. والولايات المتحدة حتى الآن لم تصدق على العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أن موقفها السلبي من اتفاقيات البيئة وحق التنمية معروف. فلذلك نحن نعتبر بأن مفهومها مجتزأ وموظف لغايات ومصالح ضيقة الأفق، وهذه المقاربة غير كافية، خاصة بالنسبة للدول النامية التي تحتاج إلى حقوق أساسية مثل حق التعليم وحق الصحة، ونحن ما نزلنا بصدد رفع نسبة مستوى الحياة تخفيض نسبة وفاة الأطفال تخفيف نسبة الأطفال الذين لا يجدون مدرسة ليدخلوا إليها عندما يصلون إلى سن الدراسة كل هذه المسائل مسائل جوهرية من أجل أن نعثر على شخص عمره ثمانية عشر عاماً قابل وقادر على القيام بدوره الانتخابي، أي ممارسة الحق السياسي والمدني فهناك حقوق أساسية ضرورية في مجتمعاتنا حتى نتمكن من إعادة التوازن للمواطن ليفكر ويسهم ضمن الحق السياسي والحق الاقتصادي والاجتماعي.
للأسف المدرسة الليبرالية الجديدة لا يهمها أبداً ذلك، حتى المثل الأم لهم (الولايات المتحدة) يموت فيها شخص على باب المستشفى إذا لم يكن قادراً على دفع رسوم المعالجة، وبالتالي نحن نجد أنفسنا بحاجة لنماذج أفضل من النموذج الأمريكي، مثلاً النموذج الفنزويلي الذي يستورد 65 ألف طبيب من أجل معالجة الفقراء مجاناً، من وجود أطباء لا يقبلون في عيادتهم أشخاصاً غير قادرين على الدفع.
النموذج الذي نحتاجه في بلدانا اليوم ليس هو النموذج الأمريكي بأي حال من الأحوال، أولاً لأننا نحن نشكل هنا المحيط وهو المركز، أي أن العلاقة ستبقى علاقة تبعية وغير متكافئة، ثانياً لأن النظام العالمي الاقتصادي الحالي هو نظام جائر، وبالتالي يكفي أن يحدث تغير بسيط في بورصة نيويورك لكي يؤثر على مستوى العملة في بوركينا فاسو، فما هو ذنب العمال والفلاحين في بوركينا فاسو الذين يشعرون فجأة بأن عملتهم قد أصبحت قيمتها أقل، رغم أنهم ما زالوا يعملون 16 ساعة في النهار، إذن في هذا النظام الجائر هناك انتهاكات لحقوق الشعوب وهناك انتهاكات للحقوق الأساسية كلها للإنسان ليس فقط الحقوق السياسية، حتى في الحق السياسي والمدني المفهوم الليبرالي الجديد هو مفهوم مريض أذكر بجملة قالتها وزيرة الخارجية الأمريكية قبل أيام قالت: “الحكومة الفلسطينية نجحت في الانتخابات الداخلية يعني شرعيتها الداخلية موجودة، ولكن لا تمتلك الشرعية الدولية” بمعنى أن الشعب الفلسطيني هو المصوت رقم واحد، والمصوت رقم 2 هو كونداليزا رايس. بمعنى آخر أن الإدارة الأمريكية، وبعد أن يصوّت الشعب الفلسطيني لإحدى الجهات، تأتي لتقول “أنت أخطأت وعليك أن تأت بحكومة جديدة غير المنتخبة، لأنها لا تناسبنا”، وتطلب إعادة الانتخابات.

إذن هذا المفهوم يمكن تسميته بالديمقراطية التابعة، لم يعد هناك ديموقراطية مستقلة في ذاتها، ومن أجل ذاتها، أصبح الآخر هو الذي يحدد إذا كانت ديموقراطيتك صحيحة وأمينة أو لا، انتخابك ناضج أو لا، فالنضج والقصور عند الشعوب يحدده الآخر وهذا شيء ليس له أي أساس لا في الأعراف الدولية ولا في ميثاق الأمم المتحدة ولا في حتى ثقافة التنمية التي الثقافة الغربية تعتمد عليها نفسها عندما يتم الحديث عن القيم الديموقراطية، أيضاً نحن نعرف بأن المجتمعات وحركة المجتمعات تنطلق باستمرار من الداخل، ومن الأسفل، يعني المجتمع هو الذي يفرز وهو الذي يعطي ويكتشف أشكال تجاوزه لنفسه.

رأينا ماذا حدث في العراق، جاءت مجموعة من الخارج لا يعرفون البلد بشكل حقيقي، ومعها مجموعة من قوات الاحتلال، وجرى تقسيم البلد. والنتيجة كانت مئات آلاف القتلى، كما أن مستقبل العراق يحتاج إلى 50 سنة حتى يستعيد عافيته.

822007

No Favorites Has Been Added!