November 19, 2017

ديميستورا: جزء من المشكلة أم من الحل؟

1280x960في الثورات والانتفاضات والحروب الأهلية، يشكل بيع الوهم التجارة الأكثر تدميرا للإنسان والمشاريع السياسية ذات الصلة بمستقبله. لهذا قلت وكررت لكل من طالبني برفع السقف والمزايدة: “لن أدفع متليكا واحدا من أجل الشعبية”. وقلت دائما وكررت عند اليساريين من المفيد التذكير بجملة لينين “الحقيقة دائما ثورية” وعند الإسلاميين بالحديث النبوي الشريف “الحقيقة ضالة المؤمن”.
منذ انطلقت اجتماعات فيينا، كان باديا للعيان أن الطرفين الروسي والأمريكي قد قررا إدارة العملية السياسية وفق القراءة المشتركة لهما. وكان من الواضح أن مواقف باقي الشركاء لا يتعدى تحسين مكانة بلدانهم في هذا التوافق. وكان من الواضح أيضا أن الروسي والأمريكي يطمحان لأطراف تفاوض “تحت السيطرة” لإدارة العملية وفق تصوراتهم، أي وفق رؤية تجمع بين مصالحهم ومقاربة مشتركة للحل. وإن كان الجميع يتحدث في قرار وإرادة السوريين، فالحقيقة أننا أمام مشهد لا يختلف كثيرا عن لحظة “سايكس- بيكو” في وقفة جديدة يمكن تسميتها “كيري- لافروف”. مع الاعتراف بأن مكانة وكفاءات السيدين كيري ولافروف أكبر من سايكس وبيكو حسب معرفتي بالسيرة الذاتية للمذكورين ولو أن التفويض لسايكس بيكو كان أطول زمنا وأكثر قوة.
بعد قرن من الزمن تغير العالم، وصار ثمة مظلة دولية تعطي الشرعية أو تسحبها، بالحق أو بالباطل، لا يهم، المهم أن عملية الربط بين مفهوم الشرعية الدولية الحديث قد بني على هذا الأساس. وكون هذا التفويض للأمم المتحدة يسحب نظريا السلطة الاعتبارية من القوى الكبرى لهذه المؤسسة الدولية، فقد تم وضعها تحت سندان مجلس الأمن ومطرقة حق النقض (الفيتو) وعند الحاجة، تجاوز “الشرعية” بالمبادرة خارج المؤسسة، ثم شرعنة التجاوز بعد وقوعه (كما حدث في الكوسوفو والعراق…).
السيد ستافان ديميستورا هو ابن المؤسسة، ولكنه أيضا ابن شبكة علاقات القوى التي تحكمها. وهو أكثر من يعلم بأن مهمته تحت الوصاية، ولكنه يعلم أيضا بأن لديه هوامش ضرورية تعطى لمن يكلف لاستعمالها فيما يطلق عليه “عناصر تيسير مهمة الوسيط”. إلا أن تجربته في هذا المجال لم تكن ناجحة، وقد أخبرني الوزير العراقي السابق والقيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي أحمد بيره أن خوف وتردد ديميستورا دفعه لطرده من أربيل أثناء مهمته في العراق. يعتز السيد ديميستورا بأنه في عمله كوسيط صافح أيد ملطخة بالدماء وأكثر من دكتاتور، لكنه يتجنب الحديث عن لحظات الضعف التي آثر فيها الاحتفاظ بمنصبه على نجاح المهمة الموكلة إليه.
منذ اجتماع فيينا الأول، اتضح أن دور ديميستورا لا يتعدى السكرتير التنفيذي للعملية السياسية. وأنه قبل لنفسه بهذا التحجيم. عندما شعر الأخضر الإبراهيمي بحصر دوره في هذا المكان، قدم استقالته. أما السيد ديميستورا فيشعر بالسعادة لأنه لم يعد المسئول عن النجاح أو الفشل. لقد سعينا بصدق لأن يكون له دور الوسيط الفاعل والمؤثر، ومعروف أننا اقترحنا عليه الخطة ب قبل نهاية اجتماع فيينا الثاني ثم فعلنا المستطاع لتكون الخطة ب جزء مركزي في قرار مجلس الأمن 2254 الذي يعطيه صلاحية التواصل بل وتحديد الفرقاء. لكنه كان يعمل كمتدرب منفذ للمعلومات، تصله قائمة روسية من الراعيين فيوجه لها الدعوة، تصله قائمة سيادية من المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية المنضوية تحت اسم “مؤتمر القاهرة” فلا يكلف نفسه عناء الرد ولو بالرفض. تأتيه معلومات للتعامل مع الهيئة العليا في الرياض فيطبقها بحذافيرها، يصله طلبا بحذف أي كردي من قائمة موسكو فيحذف حتى التركماني السوري طلال سلو ظنا منه أنه كردي. يغيب مساعده عن التصريح أكثر من ثلاثة أشهر ثم ينطق كفرا بعد صمت “لن يكون هناك أية دعوات جديدة في الجلسة القادمة للمباحثات”. “ما كو أوامر” يقول إخوتنا العراقيين في مثل هذه الحالة. ثم يأتي تحرك روسي مصري لإضافة بعض الأسماء فتضاف بشبه لقاء. يأتيه أمر باستقبال خمسة عشر شخصا من حميميم فيأتون بفيزا 3 أيام للقاء ديميستورا وأخذ الصور التذكارية معه والعودة لدمشق. والعرض الإعلامي والمشهدي مستمر.
يقول ديميستورا لكل طرف ما يحب أن يسمع بكل نفاق فيكتب تقرير لهيئة التنسيق (من الواضح أن ديميستورا أقرب لمواقفنا من مواقف النظام) ويكتب تقرير لوفد النظام (كان ديميستورا متفهم وأقرب في قراءته لنا من وفد الرياض). ويقول ديميستورا على الملأ بأنه استقبل كل الأطراف السورية دون استثناء؟؟ في وقت يجتمع فيه عدد كبير من الناس في الجزيرة السورية ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية للقول: ما دمتم تعتبروننا خارج سوريا التي تطبخون مستقبلها فنحن سنناقش الأمر خارج سقفكم وشروطكم؟ وتقوم جبهة النصرة باعتقال وقتل كل من يشارك في العملية السياسية في إدلب ويحضر النظام السوري لمجلس “شعب” جديد الخ…
لا يمكن لعملية لا تعتمد الشفافية والأمانة تشمل أطراف الصراع الفعلية وليس تلك المحددة سلفا على طريقة مسرح العرائس أن تتقدم. وكما تحرك الروسي والأمريكي خارج سقف ديميستورا لإقرار وقف إطلاق النار، سيقولون لنا بأن عدم نجاح ديميستورا في مهمته وحرصهم على نجاح العملية السياسية هو السبب في الإمساك برقبة العملية مباشرة وإحضار السوريين لتطبيق قرار مجلس أمن جديد يرسم للمعارضات والنظام ما عليهم فعله.
مسكينة سوريا، ومسكين هذا الشعب الموجوع حتى الثمالة.
برشلونة 17/3/2016

No Favorites Has Been Added!