July 23, 2018

الكاريزما والكفاءة والكرامة

 

G2كتب لي مواطن سوري شهد عملية اعتقال رجاء الناصر في البرامكة: «في حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف ظهراً، ومن أمام مستشفى التوليد، أي وسط البرامكة، اعتقل عناصر الأمن رجلاً يبلغ من العمر حوالي الـ 60 عاماً يرتدي بذلة رسمية، وله شارب أسود عرفت من الانترنت والصور أنه المحامي رجاء الناصر، ضربوه ضرباً مبرحاً وأذلوه لأنه رفض أن يضع يديه في الكلبشة، ومن ثم أخذوه مع شاب يرافقه، لم أتمكن من التعرف عليه، إلى سيارة الحاجز المتواجدة هناك، وعلى ما يبدو تم اقتيادهما في سيارتين إلى أحد الأفرع الأمنية».
كنت قد اتصلت بالخارجية الروسية على الفور بعد الاعتقال فأجابني (نائب وزير الخارجية الروسي) ميخائيل بوغدانوف «كل شيء سيكون على ما يرام، الاعتقال وقع بالخطأ». نفس الإجابة جاءت من الأمم المتحدة، بل كتب لي المبعوث الدولي والعربي الى سوريا الاخضر الإبراهيمي «هل عاد السيد رجاء إلى المنزل كما قيل لنا»؟
بعدها بدأ الإعلام السوري الرسمي أسطوانته المشروخة عن جماعة مسلحة اختطفت رجاء الناصر. ورغم مخاوفنا من هذا الإعلام، إلا أنه شكل بالنسبة لنا إقراراً واضحاً، ليس فقط بأن أجهزة الأمن السورية هي التي اعتقلت رجاء الناصر وإنما أيضا أنها تعتقل عبد العزيز الخير وإياس عياش وماهر طحان الذين كانوا ضحية عملية مشابهة على حاجز القوى الجوية في المطار في 20 أيلول العام 2012.
سألني بوغدانوف في لقائنا في جنيف الثلاثاء «ماذا يستفيدون من هذا الاعتقال الذي يسيء للسلطات السورية على كل الأصعدة». فقلت له: «أنت تطرح سؤالا منطقياً على من استغنى عن العقل والمنطق منذ زمن طويل».
في معتقلات السلطة السورية عبد العزيز الخير والمحامي رجاء الناصر، ومن لا يستطيع السفر رغم التدخلات الخارجية مثل منذر خدام. وما زال «الخواجات» و«ائتلاف» اسطنبول يضعون الفيتو على حضور هيثم مناع وصالح مسلم. أي أن معارضة الخارج وخواجات الملف السوري يلتقون مع السلطة في ضرورة تغييب أعضاء الوفد الأساسيين لـ«هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي» عن مؤتمر «جنيف2»!! في الوقت نفسه الذي يتحدث فيه السفير روبرت فورد لصحيفة «النهار» عن ضرورة حضور «لواء التوحيد» و«أحرار الشام» اللذين رفضا مؤتمر جنيف ويرفضان فكرة دولة مدنية ديموقراطية ويعملان في الميدان بتنسيق مباشر مع «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» (داعش) كما هو معروف للقاصي والداني.
ويحق لنا عبر معطيات إضافية كثيرة أن نطرح السؤال بصراحة: هل يجري العمل لإفشال مؤتمر جنيف منذ إعلان موعد انعقاده في العشر الأواخر من كانون الثاني المقبل؟
ليس في ذاكرتي وتجربتي مؤتمر ناجح واحد عقد بعد الحرب العالمية الثانية تم التحضير له بالطريقة التي نراها أمام أعيننا حتى الآن. فأول شروط عقد أي مؤتمر توفير المناخات الضرورية للنجاح. هذه المناخات تعتمد على الأطراف السورية والإقليمية والدولية المشاركة في المؤتمر. فكما قال أحد القرامطة قبل قرون: «لا تزرع بذرتك في أرض سبخة (أي مالحة)».
أما الأطراف السورية فتبدأ بالمعلوم منها قبل الأشباح، والمعلوم المحدد المعالم هو النظام السوري. وفد النظام السوري سيحدد أسماء الأعضاء فيه ومهمتهم أعلى سلطة في النظام. أي أن (الرئيس) الدكتور بشار الأسد هو صاحب القرار في ذلك. وهذا أمر معروف للأميركي والروسي والسوري. الحكمة تقتضي أن يكون في هذا الوفد كل المكونات السياسية المشاركة في حكومة الدكتور (وائل) الحلقي. من هنا نرى أن عملية القفز عند بعض الأطراف إلى وفد المعارضة عملية مسيئة لسمعة الحكومة ولكل من يدفع باتجاهها في آن معاً. وقد قلنا للمسؤولين الدوليين بوضوح: «عندما تدخلون مقر الأمم المتحدة تحملون بادجا مكتوب عليه «حكومي». وعندما أدخل أحمل بادج مكتوب عليه «غير حكومي» فكيف تريدون إقناع العالم بأن في وفد، أو وفود المعارضة، وزراء؟».
المسألة الثانية ميدانية. هناك من لا يزال على قناعة بأن من يحدد برنامج العمل في جنيف هي موازين القوى وليس إعلان جنيف. هنا أيضا نقطة جوهرية: اسم المؤتمر «جنيف 2» أي أن هناك استمراراً لعملية بدأت وليس الانطلاق من الصفر. كتاب الأمم المتحدة مكون من جزءين: جزء أول اسمه «إعلان جنيف» وجزء ثان اسمه «وضع هذا الإعلان موقع التنفيذ من قبل المشاركين السوريين والإقليميين والدوليين».
المسألة الثالثة مسألة نفسية اجتماعية أكثر منها سياسية: لا يمكن أن ينجح مؤتمر جنيف من دون توفير الأرضية الصالحة لاحتضانه من غالبية حقيقية من المجتمع السوري. الأمر الذي يعني ليس فقط شعور داخلي عند كل مواطن ومواطنة بأن جنيف يحمل آفاق حل، وإنما أيضا أنه بفضل بشائر مؤتمر جنيف أفرج عن النساء والأطفال وتم إطلاق سراح المختطفين والمختطفات، وجرى رفع كل العقوبات الدولية التي تمس الاحتياجات الغذائية والصحية وتلك المتعلقة ببناء مساكن مؤقتة تعوض قرابة مليوني عائلة من العثور على مأوى بعد عودتها من اللجوء الخارجي أو النزوح الداخلي. وسماح السلطة الموازي لإيصال هذه المواد الأساسية لكل المناطق السورية من دون تمييز.
وتأتي أخيراً مشكلة المعتقل من دون صفة (أي لا معتقل سياسي ولا مسجون مسلح)، أي ذاك الذي اعتقل في المكان الخطأ في الزمن الخطأ في علاقة القربى أو الجيرة أو الجوار الخطأ. حدثني أحد شباب «هيئة التنسيق» بعد الإفراج عنه، وقال «كنت في مهجع فيه قرابة 400 شخص من هذه الفئة من ريفي دمشق وإدلب. عندما عرفوا أنني من هيئة التنسيق كان على لسانهم سؤال واحد: هل سيعقد مؤتمر جنيف ومتى؟». هؤلاء المعتقلون الذين يشكلون حسب تقديراتنا ثلثي عشرات آلاف المعتقلين ينتظرون أن يفتح مؤتمر جنيف الباب لرفع الظلم والحيف الواقع عليهم.
يأتي بعد ذلك دور أطراف المعارضة المختلفة. لقد قلت بوضوح في لقاءات هذا الأسبوع لكل من قابلت «لا توجد قوة في العالم قادرة على الضغط على هيئة التنسيق الوطنية». ففي لحظة الحقيقة اليوم يبدو أمام العالم أن هناك معارضة وطنية ديموقراطية مدنية مستقلة القرار والإرادة دفعت غاليا ثمن هذا الاستقلال في القرار السياسي والاعتماد المالي والنضالي على النفس. وهناك من ربط قراره بالمال السياسي والعسكري الخارجي. ومن حسن حظ سوريا أننا منذ الثالث من تموز العام 2012 أيدنا عقد مؤتمر جنيف الثاني. وهذا مكسب لإنجاح المؤتمر ولكنه غير كاف. نعرف جيدا أن عالمنا فيه الوطني المستقل وفيه من يرتبط بولاءات وتحالفات خارجية. وهذا موجود في سوريا وفي غير سوريا. ومن المدمر للبلاد والعباد أن تدخل المعارضة السورية مؤتمر جنيف تحت مظلة «الائتلاف» لأن هذا يعني بوضوح أن قرار المعارضة بيد (رئيس الاستخبارات السعودية) بندر و(رئيس الاستخبارات التركية) حاقان فيدان وفورد الخ.. وليس بيد الشعب السوري. من هنا من واجب أصحاب الولاءات التخلي عن الخطاب البعثي الذي تخلت عنه السلطة في دستورها الأخير. عن تمثيل الدولة والمجتمع الذي يكرر بشكل ببغائي بالحديث عن تمثيل الشعب والثورة. وأن نذهب إلى جنيف باسم «وفد المعارضة الوطنية» وليس باسم التكوينات المختلفة التي يعرفها الجميع، ويعرف جيدا حجم وسقف واستقلالية كل منها.
من الواجب أن يتمتع وفد المعارضة بالكاريزما والكفاءة والكرامة حتى يكون مقنعا للسوريين والعالم. لدينا أوراق مشتركة ونقاط تقاطع أساسية مثل «الميثاق الوطني» وقرارات القاهرة وأوراق عمل «المجلس الوطني» و«الائتلاف» و«المنبر» و«الهيئة الكردية العليا» والوثيقة التنفيذية لـ«هيئة التنسيق الوطنية». وعلينا وضعها على الطاولة في اجتماع تشاوري عاجل لأقطاب المعارضة السورية المشهود لهم بالنضال والكفاءة والمصداقية بعيدا عن الحساسيات الشخصية والصراعات المسطحة التافهة. وهنا من الضروري أن يكون في اجتماع كهذا ليس فقط التكوينات الكبيرة بل أيضا شخصيات اعتبارية هامة مثل وليد البني وخالد المحاميد والشيخ معاذ الخطيب وسمير عيطة وأسماء معروفة أخرى.
يأتي بعد التمثيل السوري الموضوع الإقليمي. لا يخفى على أحد دور تركيا وإيران والسعودية في الحرب الدائرة في سوريا. وحتى الآن لم يحسم بعد حضور إيران والسعودية في المؤتمر. وكنا في «هيئة التنسيق الوطنية» قد طالبنا منذ الثالث من تموز العام 2012 بحضور مصر وإيران والسعودية مؤتمر «جنيف 2». وقدم مؤتمر «من أجل سوريا ديموقراطية ودولة مدنية» في نهاية كانون الثاني الماضي اقتراحاً بحضور دول «البريكس» الأكبر (الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا) إضافة لليابان لما يمكن أن يكون لها من دور في إعادة بناء سوريا. واليوم ندعو ونتمنى انعقاد مؤتمر قمة سعودي – إيراني يضع حداً للحرب الباردة المذهبية التي تحصد الأخضر واليابس في لبنان وسوريا والعراق واليمن. فقد أثبت التاريخ المعاصر الكلفة الباهظة للمواجهة الخليجية – الإيرانية، سواء في الحرب العراقية – الإيرانية التي مولت خليجياً وانتهت باحتلال الطرف المدعوم من دول الخليج لدولة الكويت. والاحتلال الأميركي – البريطاني الذي أنجب الطحالب المذهبية وجعلها في مواجهة مباشرة مع احتمال قيام دولة قانون ومواطنة وأمان في العراق. وليس من المعقول أن يستمر تصدير «الجهاديين» من أصقاع الأرض إلى الهلال الخصيب بدعوى مواجهة الاحتلال الإيراني، وأن تفتح السلطات السورية حدودها لأكثر من خمسة آلاف مقاتل شيعي بدعوى حماية الأماكن المقدسة الشيعية!
يأتي أخيرا الدور الدولي. وهنا نرى ضرورة أن يواكب عقد مؤتمر جنيف قرار واضح من مجلس الأمن بوضع كل المقاتلين غير السوريين على الأراضي السورية خارج الشرعية الدولية. وأن يسمح القرار بملاحقة كل من يتواطأ مع دخول أو مشاركة أطراف غير سورية في الصراع الدائر في البلاد.
يبقى على الصعيد الدولي خطر الصفقات والوصايات المنتظرة والمطلوبة من الشعب السوري والدولة السورية. فمن المثير للقرف أن بعض الأطراف تطرح من اليوم أسماءً لتشكيل حكومة من ثلاثين وزيرا، ثلاثية التكوين (ثلث من المعارضة وثلث من السلطة وثلث «محايد»). ومن المثير للاشمئزاز أن دولة غربية تقول إن ما يهمها هو وجود أشخاص موالين لها في الحكومة وقيادة الجيش مقابل الحفاظ على هيكلية الدولة الأمنية التي أنهكت ودمرت البلاد والعباد.
نقول لهؤلاء وباسم كل الضحايا والثائرين على الاستبداد والفساد: الشعب السوري وحده من يقرر من يحكمه وطبيعة النظام السياسي. وهو لم يقدم الغالي والثمين لإرضاء هذا البلد أو ذاك، أو تحقيق المصالح القومية لهذا البلد أو ذاك. وأية محاولة من هذا النوع تعني بوضوح خلق حالة فصام أكيدة بين الشعب السوري ومؤتمر جنيف الثاني.
لن نساوم على وطنية الجمهورية التي نطمح لأن تكون جمهورية في المعنى والقول والفعل، ولن نتنازل عن التغيير الديموقراطي باعتباره القاسم المشترك الأعلى للسوريين.
لا يمكن إنجاح مؤتمر جنيف من دون وضع اللبنات القوية التي تجعل منه أملا، لا كابوساً يضاف للكوابيس التي يعاني منها شعبنا. وهذه المهمة هي الاختبار الأكثر أهمية منذ انطلاقة درعا في 18 آذار العام 2011. فالهزيمة السياسية أكثر مرارة وقسوة من كل المعارك العسكرية. وهي حالة ترف لا تسمح به الأحوال السورية، التي تشكل أكبر حالة هدم وتمزق نال بلداً واحداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
([) رئيس هيئة التنسيق الوطني السورية في المهجر
—————————–

نشر النص في
موقع السفير   28/11/2013

No Favorites Has Been Added!