September 22, 2017

القاهرة… قاهرة

160124_cfd000077eهرج ومرج، بكاء وعويل، وتحليلات “موضوعية” (إقرأ موضعية) وصيحات استنكار تبعت اجتماع القاهرة الذي جمع لأول مرة أسماء قيادية في تنظيمات أساسية من المعارضة السورية مع شخصيات وطنية مستقلة للتباحث في القضية السورية ومحاولة استنباط خارطة عمل لتوحيد المعارضة الوطنية الديمقراطية على الأقل تحت سقف برنامج عمل مشترك وفي مؤتمر وطني جامع.
ثمة أسئلة مشروعة طرحها مخلصون للإنسان السوري والوطن السوري تستحق التوقف عندها والإجابة عليها. أما الذين انفصلوا عن آلام شعبهم ووضعوا لكل نشاط وموقف لهم تسعيرة في السوق السياسية والإقليمية وتحولوا لأدوات “تحت الطلب” في تحالفات المحاور وسياسات الآخرين. الذين حولوا أي اجتماع للسوريين إلى علبة كلينكس يتم استلام كلفتها وأرباحها المالية في الصباح ويلقى بمحارمها قبل غياب الشمس، الذين ربطوا “القطب والانتقال الديمقراطي” بمشيئة أجهزة هذا البلد أو ذاك، هؤلاء يبقون تحت مستوى الرد وتحت مستوى النقد، وإن كانوا موضوع نقدٍ وشجبٍ من كل مواطن سوري شريف دفع وطنه الفاتورة التي لم يدفعها بلد في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فكما جاء في القرآن الكريم، “والذي خبث لا يخرج إلا نكدا”.
بدأت مخاضات الفكرة في الأسبوع الأخير من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2013. كان السفير الأمريكي قد اتخذ قراره بالمشاركة في مؤتمر جنيف 2 بوفد حصري من الائتلاف السوري ووافق الطرف الروسي على ذلك مقابل عقد المؤتمر بالأيقونة الروسية المأثورة “دون أية شروط مسبقة”. اجتمعنا سرا في مطعم للبيتزا في مدينة مونترو السويسرية وقد وضع في الاجتماع ثلاث نقاط أساسية:
الأولى أننا لا نبحث عن مقعد في مؤتمر جنيف. ولن نشارك حتى لو تمت الموافقة على مقترحاتنا لأن القضية أكبر وأنبل من أن تكون شخصية. ولكننا دافعنا رغم كون أحدنا في المجلس الوطني والائتلاف والآخر في هيئة التنسيق الوطنية عن بيان جنيف منذ الأيام الأولى. وها نحن نرى أمام ناظرنا محاولة دولية لقتل البيان والمؤتمر عبر صفقة دولية بين الراعيين الكبيرين. صفقة تقوم على اعتبار عقد المؤتمر هو الأساس وليس نجاح هذا المؤتمر. وأهم معالم هذه الصفقة اتفاق بين الطرفين على إغماض العين عن إجراءات بناء الثقة والتحضير الجيد وتوفير جملة عوامل تعطي الحياة للحل السياسي. وكان الاستنتاج بكل بساطة، بأن من يأتي إلى جنيف قبل الإفراج عن إمرأة أو معاق أو طفل، ليس على برنامج عمله لا وقف جرائم الحرب ولا مناقشة هيئة حكم انتقالية.
ثانيا: بما أن مآل جنيف 2 هو الفشل حكما، فإن هذا الفشل بعد احتفالية دولية أعدت بعناية هوليودية فائقة، ومهما فعلنا، سيجرف في إعصاره الحل السياسي ويعطي الساحة لمزيد من العسكرة والدمار والتطرف في الجانبين. وكون الساحة العسكرية قد وصلت إلى طريق مسدود، فإن ترجمة اغتيال السياسة على الصعيد المجتمعي ستكون بدفع الشبيبة نحو التطرف والإرهاب أو الهجرة من جحيم هذه الحرب القذرة.
ثالثا: لقد فشلت كل محاولات توحيد المعارضة عبر جسم يتم تركيبه من فوق ومن الخارج. فرغم إشراف مساعد الإبراهيمي بنفسه على محاولة توسيع المجلس الوطني، وإشراف الدول الفاعلة في مجموعة أصدقاء الشعب السوري مباشرة على إعادة التكوين في بناء الائتلاف. لم ولن تنجح دول العالم كلها في فرض جسم تمثيلي ووازن للمعارضة السورية دون أن تكون عناصر النشأة والنمو والاستمرار عناصر وطنية القرار سيادية التصور. لذا لا بد من النضال من أجل مؤتمر للمعارضة الوطنية الديمقراطية المدنية بمبادرة سورية وأيد سورية ومال سوري. لأن تدويل القضية السورية لا يجوز بحال من الأحوال أن يجرف معه قرار السوريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
حاول كل منا التحرك في الفضاء المحيط به لخلق نواة صلبة بعيدة عن الإعلام والإعلان تهدف إلى استعادة المعارضة الوطنية الديمقراطية لدورها المركزي في إنقاذ البلاد والعباد وتهدف إلى تنظيم مؤتمر وطني جامع يرفض تفاهة الممثل الشرعي والوحيد والفكرة القائلة بأن أي من التنظيمات الموجودة قادر لوحده على التصدي للمهمات الوجودية للديمقراطيين السوريين.
بعد فشل مؤتمر جنيف 2 وتصاعد قوة التنظيمات الإرهابية في الساحة السورية وقرار السلطة السورية بتصعيد المواجهة العسكرية الأمنية والاعتماد أكثر فأكثر على قوات حليفة غير سورية باسم الحرب على الإرهاب، نجحت الأفكار الأولى لاجتماع مونترو بأخذ مكانها في العديد من التنظيمات السياسية وأولها، لله والتاريخ، وليس بداعي أية عصبية تنظيمية، هيئة التنسيق الوطنية التي وضعت استراتيجية عمل واضحة من أجل لقاء وطني جامع. وقد دخل في فلك هذه الحوارات من يسميهم الصديق وليد البني (الموالون لسورية في تجربة الائتلاف السوري). وتشكلت لجنة تحضير لهذا اللقاء كان أول نشاط لها في المجلس المصري للشؤون الخارجية في مصر في أيار/مايو 2014. ثم تابعت عملها في عدة اجتماعات شملت شخصيات أدبية وفنية وفكرية ورموز من المجتمع المدني وعدد من رجال الأعمال في جنيف وغيرها. وقد توافقت هذه الجهود وتعززت باتفاقيات ثنائية وحوارات بين عدد من التكوينات السياسية فيما بدأ يعطي للفكرة وسائل عملية لتحقيقها. لم يكن هناك كاميرات ولا صحافة. وكان ديدننا “أن نزرع نخلا لا أن نزرع فجلا”.
لم يستبعد عن هذه اللقاءات إلا من استبعد نفسه، ولكن وبكل أمانة، لم يكن هناك اعتماد كبير فيه على من وضع هذه الفكرة ورقة يستعملها لتحسين موازين القوى في تنظيمه السياسي أو زيادة مخصصاته الشهرية من هذا البلد أو ذاك أو ورقة ضغط عند مموليه وداعميه. لأننا نرفض بشكل صارم أن يكون هذا المشروع وسيلة استخدام من أي طرف أو دولة أو محور لخدمة مآربه الخاصة بعيدا عن آلام وأوجاع الإنسان السوري الذي أصيب بحالة قرف من كل من تاجر به وتعيش من مأساته.
لم ندع يوما بأننا منزهين عن الخطأ وفوق النقد. بل سمعنا حتى من أطراف تنتمي لتنظيمات مشاركة بأننا فشلنا ومن الضروري تجاوزنا بأساليب مختلفة. وقد حاولت أطراف دولية عدة ثنينا عن عقد اجتماع القاهرة أو على الأقل تأجيله. ولكن كان القرار بأن آخر موعد لعقد اجتماع القاهرة هو الذكرى الأولى لمؤتمر جنيف 2 وقد نجحنا في احترام هذا الالتزام الداخلي بيننا.
خرجت أصوات تتحدث عن الدخول الجماعي للمشاركين في اجتماع القاهرة في محور مصري سعودي إماراتي في وجه المحور التركي القطري، وأخرى تعتبر كل ما جرى في القاهرة مجرد تمهيد لإنجاح منتدى موسكو وتهيئة له.
من المعروف للجميع، أن الرموز الداعية والمشاركة في اجتماع القاهرة لم تكتب على ظهرها يوما “للبيع”. وقد رفضت منذ اجتماع تونس لاصدقاء الشعب السوري في شباط/فبراير 2012 بناء محاور وأقطاب تحول المواجهة بين الشعب والدكتاتورية إلى مواجهة بين الأقطاب والمحاور. هذا الرفض لتحويل الصراع في سورية إلى صراع على سورية دفعنا ثمنه حملات إعلامية مغرضة وظالمة وتهميشا ممنهجا في الإعلام ومقاطعة شرسة في العلاقات السياسية مع دول عديدة. ليس بيننا من يستقيل من تنظيم لمجرد أنه أرسل برقية تهنئة للرئيس المصري بانتخابه ولم يقدم استقالته عندما كان وزير خارجية بلد إقليمي يفرض عليه بقاء شبه حكومة بأشباه وزراء فيحني رأسه للباب العالي ويخضع. ليس بيننا من يلغي اتفاقا يقرر مصير العلاقة بين هيئة التنسيق والمجلس الوطني بمكالمة تلفونية من رئيس وزراء لم نعد نعلم في أي منتج يمضي إجازاته بعد انتهاء مدة صلاحيته الإقليمية والدولية…
لقد انعقد اجتماع القاهرة بمبلغ متواضع غطى سفر وإقامة غير القادرين على السفر. ومن دواعي الاعتزاز القول بأن المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية ونوابه الثلاث الذين حضروا المؤتمر دفعوا ثمن بطاقات سفرهم في الدرجة السياحية وهذا حال أكثر من ثلثي المشاركين. وأن الحكومة المصرية لم تدفع مليما واحدا لانعقاد المؤتمر، وإن كان الجهد والوقت الذي قدمه الأخوة المصريين من أجل إنجاح هذا المؤتمر لا يقدر بثمن. ومن الأمانة أن نذكر بأن تعامل الأخوة المصريين في المجلس المصري ووزارة الخارجية كان تعامل الحريص على استقلالية قرار المجتمعين باعتبار المجتمعين في وطنهم وليسوا مجرد ضيوف.
نعم، لدى المنظمين والمجتمعين حرصا كبيرا على دور عربي فاعل في القضية السورية. ومصر هي المكان الطبيعي لهذا الدور بغض النظر عن طبيعة وهيكل الحكومة فيها. فمَن مِن السوريين طرح السؤال: لماذا انعقد المؤتمر الوطني السوري للمعارضة السورية في القاهرة في تموز/يوليو 2012؟ بل مَن مِن القوى الإقليمية والدولية تجرأ على الاحتجاج على انعقاد هذا المؤتمر في مصر. وللتذكير فقط فقد احتجت هيئة التنسيق وقتها على انعقاد الاجتماع التحضيري لمؤتمر القاهرة في اسطنبول، واحتج المجلس الوطني ومن بعده الائتلاف السوري وهيئة التنسيق على عقد أية اجتماعات بين أطراف المعارضة السورية في طهران وموسكو. بينما لم نسمع أية أصوات احتجاج على القاهرة كمكان جامع لمختلف أطراف المعارضة السورية. فهل ما نجم عن مؤتمر القاهرة 2012 كان تحت سيطرة الخارجية المصرية أو خضع لأية ضغوط منها؟ وهل تدخلت القاهرة في المنتديات والاجتماعات التي عقدت على أراضيها؟
كتب أحد الناقدين لاجتماع القاهرة بأن هذا الاجتماع تم إعداد طبخته في الرياض وعقد في القاهرة. نود فقط أن نعلمه ونعلم غيره، بأننا ما زلنا في مرحلة الرد على التساؤلات السعودية حتى كتابة هذه الورقة. وليس بالإمكان الادعاء بأن المملكة العربية السعودية تبارك ما جرى حتى الآن. وأن اللجنة المنبثقة عن اجتماع القاهرة ستتواصل مع كل العواصم للتعريف بإعلان القاهرة والمؤتمر الوطني القادم. وهي حريصة على نقل الصورة الصحيحة عما جرى لكل معني بالقضية السورية.
هناك مثل إيطالي قديم يقول بأن “الداعرة ترى في كل امرأة مومسا”. والحقيقة أنني لا ألوم من يعمل سمسارا لهذا البلد أو تابعا لذاك بأن لا يعتقد بإمكانية الإنسان السوري على الحفاظ على قراره السياسي المستقل. ولكنني مضطر لتذكيره وتذكير غيره، بأن الملايين التي عرضت على بعض “بائعي القناعات والمزاودات” عرض أكثر منها على من كان في القاهرة. وأن خيارنا كان ومازال وسيبقى، لن نكون خدما إلا للوطن والمواطن مهما كانت التكاليف ومهما كانت الصعوبات. ونقولها للصديق والحليف والعدو: لا يوجد في العالم ثمن يوازي ما قدم الشعب السوري من تضحيات…
ثمة انتقادات وجهت إلى النقاط العشر التي أقرت في إعلان القاهرة. بعضها يعتمد المثل الشعبي (عنزة ولو طارت). بعضها يحاول إبراز مهاراته الشخصية في الكتابة والخطابة، وآخر ينتقد غياب الرصانة الأدبية واللغوية. ويمكن القول أن النقد الأساسي الذي يشكل نقطة خلاف سياسية جدية يتعلق بغياب موضوع تنحي بشار الأسد عن رئاسة الجمهورية قبل أية مفاوضات سياسية. هذا النقد يستحق توضيحا سياسيا من المشاركين والموقعين: لقد كانت النقطة الجامعة الأولى للحاضرين أن توحيد المعارضة بمختلف تكويناتها يحتاج إلى توافق كامل على أكثر من 90% في البرنامج السياسي المشترك. هذا ما جرى في كل تجارب الشعوب وهذا ما سمح بتكوين جبهات واسعة قادرة على الفعل والتأثير. أما النقطة الثانية فتنطلق من ضرورة أن يكون مشروع المعارضة في توافق مع القرارات الدولية المتعلقة بالقضية السورية. لأن مأساتنا لم تعد وطنية أو إقليمية بل صارت دولية. ولكي نكون أمناء مع الإنسان السوري علينا أن نقول بكل صدق أن الشعب السوري غير قادر بإمكانياته الذاتية على وقف تدفق المقاتلين الأجانب وإعادة بناء البنيات التحتية التي دمرت وضمان انتقال سلس من نظام دكتاتوري إلى نظام ديمقراطي دون توافق دولي قوي وضمانات والتزامات دولية فعلية. وليس بالإمكان تحقيق هكذا توافق بالخروج عن البيان الدولي الوحيد واليتيم الذي قدمته الأمم المتحدة كخارطة طريق. وبقدر ما نلتزم بهذا التوافق بقدر ما نضع الجماعة الدولية أمام مسئولياتها. لذا لم يتطرق إعلان القاهرة لما لم يتطرق له بيان جنيف. وكان ثمة حرص من المشاركين على أن أي تحديث أو تعديل في بيان جنيف إنما يكون داخل سيرورة جنيف نفسها وليس خارجها.
لقد وجهت السؤال لبرلمانيين ألمان في جلسة في البرلمان الألماني في نوفمبر الماضي: هل لدى أحزابكم القدرة على مواجهة عجز حكومي يصل إلى 350 مليار دولار، فأجاب أحدهم بأن الاتحاد الأوربي غير قادر على ذلك. لإعادة إعمار وبناء سورية نحن بحاجة لدول البريكس كما نحن بحاجة للاتحاد الأوربي وبحاجة لتعاون يشمل الدول الكبرى. ولعل من المؤشرات الواضحة لقصر نظر النظام السوري اعتقاده بأن من يدعمه عسكريا قادر على إعادة بناء سورية، وأن الخارطة العسكرية في الميدان تسمح بنصر عسكري على أنقاض البلاد وجثث العباد. لا يمكن أن تعود سورية دولة ذات سيادة وكرامة لأبنائها دون خطة ماريشال أممية وعربية. ولا يمكن لأي محور أن ينجح في إعادة الاستقرار وتوفير شروط إعادة البناء. لهذا يوجد لدى المعارضة الوطنية الديمقراطية حرص كبير على وضع كل الدول أمام مسئولياتها عبر تناغم برنامجها للخلاص مع القرارات الدولية. من نافل القول أن الائتلاف السوري قد قبل ببيان جنيف وتوجه للتفاوض مع السلطات السورية على أساسه.
غاب عن اجتماع القاهرة من لم يمتلك الجرأة على احترام قناعته الداخلية بضرورة المشاركة، وغاب عنه من ما زال ينتمي لحقبة ما قبل فشل جنيف 2. وغاب عنه من قال بأن دور الائتلاف ليس ضئيلا بل لا دور له وما زال يقدم الأوراق والاقتراحات للإصلاح بسقف ينتمي للعهد القديم، غاب عنه من ما زال يعتقد بأن منظمة الشلة وتنظيم أصابع اليد الواحدة سيضيعان في أي تجمع وطني ديمقراطي جامع. هؤلاء لم يكونوا طرفا يوما لا في بناء عمل كبير ولا في مشروع وطني استراتيجي فوق الأهواء والتقلبات اليومية لحالة الطقس السياسية. لكن من الضروري الاعتراف بغياب عناصر ارتكاز هامة، لأسباب مؤقتة تنظيمية حينا، وضعف تنسيق وتواصل، أو أسباب قاهرة أحيانا أخرى. مناضلون ومناضلات مكانهم الطبيعي في صلب هذا المشروع وسيكونون بالتأكيد في مؤتمر المعارضة الوطنية الديمقراطية في القاهرة في نيسان/أبريل المقبل.
————————–
هيثم مناع عضو اللجنة المنبثقة عن مؤتمر القاهرة ونائب المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية.

السفير، 17/02/2015

No Favorites Has Been Added!