December 05, 2020

مابعد كورونا

هيثم مناع

بعد حرب 1967، كنا مجموعة مراهقين تبني الخيام للنازحين في النهار وتقرأ في الليل.. وصلنا لكتاب “رأس المال” لكارل ماركس، ولم يكن بيننا خبير اقتصادي واحد، فلم نتمكن من الغوص بعيدا في القراءة… ذهبنا للمركز الثقافي في درعا نبحث عن كتب أبسط، فكان أمامنا مجموعة من الكتيبات التي “تلخص” الرأسمالية بجملة لم تغادر مخيلتنا، رغم كل ما مر علينا من كتب وآراء وفلسفات ونظريات، جملة أطلقها الاقتصادي الفرنسي فنسنت دي جورناي في خمسينيات القرن الثامن عشر، وعاد الاسكتلندي آدم سميث ليثبتها في كتابه “بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم”:

Laissez-faire laissez-passer

 (دعه يعمل دعه يمر)…

وأنا ذاهب إلى مقر المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان في جنيف الخميس الماضي 19/03/2020، أوقفني البوليس على الحدود الفرنسية – السويسرية التي تبعد كيلو متر واحد عن منزلي، طالبا مني العودة، إثر القرارات الأوربية بمنع التنقل والسفر دون أوراق ثبوتية محددة وترخيصات بالخروج من المنزل أكثر تحديدا.

لأول مرة منذ خمسين عاما على اكتشافي مقولة (دعه يعمل.. دعه يمر)، يقف بوليسي شاب ليقول لي عكس ما قام عليه نظامه الاقتصادي برمته. شعرت بقسوة القدر، ليس على هذا الموقف السريالي، ولكن على فقداننا إيمانويل وارلستاين العام الماضي، وعدم تمكن هذا المفكر الكبير من رؤية أولى نبوءاته الكبرى حول العقود الخمسة الأولى من القرن الواحد والعشرين، والتي برأيه، ستنتهي المنظومة العالمية World-System السائدة قبل نهايتها، أي قبل 2050.

بعد أربعة قرون، تأسست فيها ميكانيزمات وآليات ثنائيتها المقدسة (دعه يعمل… دعه يمر)، كان الهدف فيها تحديد أسعار القيمة وفضل القيمة، تسهيل حركة السلع والبضائع والنفط والغاز، تيسير عمليات البيع والشراء بشكل سلس ما أمكن، وفي ظرف خرافي، بحيث تصل السلعة والخدمة إلى أية نقطة على وجه البسيطة. في لحظة فيضان الأجواء بالطائرات المقربة بين القارات والبلدان، وازدحام الفضاء بالأقمار التي حولتنا إلى قرية واحدة.  في وقت جنّ فيه البقر مما علف به لينتج أكثر، وصارت المطاعم تقدم الدجاج المشوه بالهرمونات بأسعار تسمح للطبقات الأفقر بتناول اللحوم… في زمن تاه الإنسان فيه عن وعيه وموقعه واضطربت فيه منظومات القيم الموضوعة على السقف مسبقا… زمن لم يعد الأشخاص يدركون مكانهم فيه: مستهلكون للسلعة، أم سلعة كباقي السلع؟ في هذا الزمن جاء العدو غير المرئي المسمى كورونا ليضع أكثر من ملياري إنسان تحت “الحجر”. أكبر مطارات العالم في حالة شبه إغلاق، أسواق المال تتهاوى، فوائد صندوق النقد الحكومي الأمريكي تقارب الصفر، أسواق البورصة ترتجف رعبا، الحجاب يسقط عن اقتصاد الظل فيسارع نحو طبع الورقة الخضراء دون غطاء، الملايين من صغار الكسبة لا يجدون ما يغطون به أساسيات العيش… قنوات تلفزيونية تنقل مباشرة حركة الفيروس في 198 بلدا.. أما المحطات الوطنية والعابرة للقارات، فقد وضعت الشعار الموحد لليسار واليمين، للموالاة والمعارضة، للملحدين والمؤمنين، ولمعسكر الخير ومعسكر الشر سواء بسواء: البقاء في المنازل.

ما من شعار حقق إجماعا منذ أربعة قرون مثل هذه “الوصية” التي انتصرت على الوصايا العشر، ووضعت “دعه يعمل… دعه يمر” لأول مرة في تاريخها، في الحجر الإلزامي.

 لقد قرأنا الكثير عن نهاية التاريخ، ولكن ليس بهذا المعنى على الإطلاق. لأننا نشهد انهيار نمط حياة، ونمط إنتاج، سماه البعض نهاية التاريخ. لم يخطر على بال خدمة “المنظومة العالمية” السائدة، أن التطبيع الوديع مع التوحش وعنجهية القوة وألوهية المال ستنتج فصلا جديدا لا يمكن لأبناء المنظومة استشرافه.

شكل وصول دونالد ترامب للسلطة مؤشرا هاما لتسارع انهيار المنظومة العالمية. فقد نقل ترامب، بوعي أو دون وعي، الإشكاليات الكبيرة للعولمة إلى واجهة المجتمع المشهدي la société du spectacle: القومية أولا/ اقتصاد السوق، عالم متعدد الأقطاب/ عالم أحادي القطب، المركز/المحيط، ربوبية المال/ حقوق البشر. إضافة إلى ربط “الأنا القومية”(أمريكا أولا) بالأنا الشخصية، باعتباره من سلالة المال والأعمال، وليس وكيلا سياسيا عنها.

قرر ترامب تحطيم الاتفاق النووي مع إيران بشكل أحادي الجانب. جعل العقوبات المادية نبراسا للسياسة الأمريكية الخارجية، احتقر بصراحة ووقاحة كل ما سمي بالقانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة، سلّم مدير المخابرات المركزية CIA وزارة الخارجية، أصدر عدة قرارات عنصرية في وضح النهار، لم يخف على أحد أنه العدو الأول لما يسمى “حماية الطبيعة والبشر من التغييرات المناخية”، وكذلك تعامل مع المؤسسة القضائية الجنائية الدولية الوحيدة اليوم: المحكمة الجنائية الدولية.

تصوروا حاكما إفريقيا أو عربيا مكان السيد ترامب، ما هي الصفات التي ستعطى له؟

في مقالة له بعنوان “الترومبية أو فن الشتائم؟ “كتب إيمانويل والرستين:

”تظهر الإهانة كأداة مميزة للترامبية التي يستخدمها الرئيس بثبات وفرحة. سؤالان لمحلل Trumpian هما:

  1. لماذا يعتمد ترامب الإهانة؛
  2. ما هي فعالية أسلوبه هذا؟ 

“يعزو بعض المراقبين هذه الإهانات المستمرة – والإحالات إلى أهداف متتالية مختلفة – إلى شكل من أشكال الإضطراب العقلي. إنهم يرون ترامب مصابًا بجنون العظم شديد الحساسية: لا يستطيع السيطرة عليه؛ ليس لديه القدرة على ضبط النفس. أنا لا أعتقد ذلك. على العكس من ذلك، أعتقد أن الإهانات جزء من استراتيجية متعمدة، وهي برأيه الأكثر ملاءمة

 1) لهيمنته على المشهد الأمريكي والدولي،

 2) لتنفيذ سياسته. 

ما نوع المكاسب التي يعتقد ترامب أنه يحققها من الشتائم؟ عندما يهين فرداً أو دولة، فإنه يجبره على اتخاذ قرار: أو الانتقام، مع مخاطر ترامب المصمم على الأذى بطريقة تهم ضحيته؛ أو محاولة العودة إلى النعمة من خلال تقديم وكالة تهم ترامب. في كلتا الحالتين ، تتركز العلاقة على ترامب”.

في كتاباته عن ترامب، يؤكد والرستين أن كل ما يسعى له ترامب هو أن يكون لعبة أساسية في المشهد. وبقدر ما يحقق ذلك، يبقى في مركز اهتمام الناس وثنائية الإستقطاب. وهو بذلك ليس فقط تعبيرا عن الخواء الفكري السائد بل أيضا حالة تدنيس عامة لوعي الناس وثقافاتهم وأنماط تفكيرهم التي تنتجها المنظومة السائدة للبقاء على قيد الحياة بأي ثمن. رونالد ترامب، لا أقل أو أكثر من مؤشرات انحطاط المنظومة العالمية في أقوى مراكز قوتها.

قبل تسونامي كورونا، وفي احتفالية عهر شارك فيها ترامب ونتنياهو، قام ترامب وصهره بتشييع القانون الدولي والأمم المتحدة في البيت “الأبيض”. وتبادل المشاركون التهاني في صدور “سفر الأبارتايد” أو صفقة ترامب. أصيب العالم برجفة باركنسونية كاذبة. لم يستطع الكثير من الغلمان الغياب عن الإحتفالية. ولم يتمكن إلا قلة من التعبير عن رأيهم. بل ركض السوداني للقاء نتنياهو بعد عودته، وسارع أحد السماسرة الإقليميين المتقاعدين لنصح الفلسطينيين بقبول ما يعرض عليهم. ورغم أن ترامب قد وضع نعش الأمم المتحدة في صفقته قائلا: “بينما نحن نحترم الدور التاريخي للأمم المتحدة في عملية السلام، فإن هذه الرؤية ليست تلاوة لإصدارات الجمعية العامة ومجلس الأمن والقرارات الدولية الأخرى بشأن هذا الموضوع، لأن مثل هذه القرارات لم تحل ولن تحل الصراع “(صفحة5).

 كان رد الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريس أكثر من خجول.

من مكر التاريخ أن كانت هذه الإحتفالية آخر مراسم “البلطجة” الترامبية، فبعدها، سيطل علينا “الرئيس” وفريقه كل يوم ليحدثنا، وملامح القلق على محياه، عن “انتصارات” إدارته في مواجهة  الفيروس “الصيني”…

 في البدء سخر ترامب من فيروس كورونا، وأعطى الإنطباع بأنه لم يمس الولايات المتحدة، كذّب معطيات المنظمة العالمية للصحة رغم تحذيراتها في حوار له مع قناته التلفزيونية المفضلة “فوكس نيوز”، وتصرف كعالم من العلماء الكبار يدحض ويفند. أعلن ترامب سيطرة بلاده على الوضع عندما كان عدد الحالات  15 حالة فقط، وقال أن الولايات المتحدة ستعالج هذه الحالات وستصبح صفرا..

إلا أن هذا الفيروس الموغل في الصغر، أوقف العنجهية الترامبية، وأجبر ترامب على العودة إلى القليل من العقلانية، فشكل فريقا لمكافحة كورونا وصار يطل علينا يوميا ليحدثنا عن انتصاراته ضد هذا العدو غير المرئي. وأن يكرر تسمية كوديف 19 بالفيروس الصيني. ولا ينسى ترامب، رغم فظاعة الوضع، أن يؤكد على أن العقوبات الجماعية ستبقى سياسة إدارته لمواجهة معسكرات الشر. وأن يشيد بشركات أمريكية للدواء وقفت معه في حملته الإنتخابية. أن يعطي وصفة طبية من دوائين لضحايا الكورونا؟ وأن يستدعي مدير شركة أدوية ألمانية ليعرض عليه مليار دولار مقابل تطوير عقار لكورونا يسجل أمريكيا. وأخيرا وليس آخرا، تحديد 12 أبريل/نيسان موعدا لهزيمة كورونا والعودة للعمل والقداس الجماعي؟

هل هي نهاية حقبة؟ بداية نهاية المنظومة التي يقف على قمة الهرم فيها؟

قسّم النظام العالمي World-System العالم إلى دول مسيطرة بالمعنى الاقتصادي وعبر الهيمنة الاقتصادية على السلطات الثقافية والإعلامية ووسائل إدارة العنف والسيطرة، وعالم تابع يشكل مادة الاستغلال والاستعمال والتوظيف. وقد سمحت هذه المنظومة على الصعيد القومي بتخدير المستوى المطلوب لأكثر من نصف المجتمع، ليكون جزءا من المنظومة ويشعر بأنه مستفيد من امتيازاتها، وبالتالي يعطيها دوريا، عبر صناديق الإقتراع، ما تحتاج للبقاء باسم ديمقراطية شكلية وعالم حر. وهكذا تقوم هذه “الأغلبية” بإدامة الأوضاع التي “تتخيل” أنها شريك في صناعتها.

تفقد هذه الأغلبية مع الزمن ديناميتها لتصبح أكثر انغلاقا وتحجرا، ويصبح من الصعب الحديث عنها كتعبير عن وضع ديمقراطي كونها تُدخِل البلاد والعباد في منطق إيثار المصالح الخاصة على المصالح العامة. إلا أن العصبيات التي تقوم عليها (المجموعات الإنجيلية، الأيباك، لوبيات السلاح والطاقة والدواء، اليمين المتطرف) تبقى قادرة على ضمان الإستمرارية… حتى الربع ساعة الأخيرة.. ولو أنها، كأي منظومة في حالة نزاع من أجل البقاء، تُظهر في مراحلها الأخيرة، أسوأ ما عندها بالضرورة..

هل تتمكن الكورونا من وضع حد لسلطان حَمَلة شعار “أمريكا أولا” ؟ أو الشعبوية القومية وأحادية القطب وعنجهية القوة؟ أم أن هذا الفأس لن يصيب الرأس؟ وسيصمدون لسنوات أخرى…

من الصعب التكهن اليوم فيما إذا كان انهيار “الحضارة الأمريكية” سيكون بصيحة مدوية أو بالأنين، إلا أن ما هو مؤكد، أن أجراس القدّاس على روحها، لن تتأخر كثيرا..

No Favorites Has Been Added!