November 19, 2017

ست سنوات مضت

ستة أعوام مضت، وقرابة نصف المجتمع السوري سيشهدها من خارج بيته وحارته. والنصف الآخر يعيش تحت رعب مناطق سيطرة داعش في الرقة ودير الزور، وصراع الغلبة الذي تخوضه جبهة النصرة بلباس هتش (هيئة تحرير الشام) للسيطرة على إدلب، مناطق قوات سوريا الديمقراطية برعاية قوات أميركية، مناطق درع الفرات بقوات دعم تركية، وجيوب غير متّصلة لتنظيمات سوريّة لا يخلو إسم بعضها من رائحة المذهبية (في الغوطة وحوران وتلبيسة والرستن والوعر…) وأخيراً مناطق تحت سيطرة الجيش السوري وحلفائه من إيران وحزب الله والقوات الروسية عملياً، لم يعد هناك جبهة قتال بين طرفين، بل خمسة أطراف تتصارع… لم يكن لمشروع العسكرة الذي بدأ بالمجموعات الجهادية السلفية المُطلَق سراحها من سجن صيدنايا إلا أن يصل إلى هذا المشهد السريالي الدرامي. ومن كان يتوقّع أن يشكّل جيشاً حراً سيادياً من بائع السمك الذي حصل على “براءة اختراع” مدفع جهنّم، أو كسب حلفاء باتّهام حزب الله بالقتال في درعا منذ آذار 2011 مع وعدٍ بهزيمته في عقر داره؟  أو تقسيم التدخّل الخارجي بين محمود ومذموم، والاعتماد على اعتراف سبعين دولة لإسقاط النظام في أسابيع، إلا أن يضعوا رأسهم في الرمال.
احتاجت أطراف الصراع الاقليمية والدولية إلى ست سنوات من الوجع السوري وإغراق البلاد بالعنف والدمار والقتل، لتنظر إلى الموضوع السوري بطريقة ترامبية: السياسة أيضاً بزنس، واستمرار العنف في سوريا تعدّى الحدود السورية، وقد أصبحت أرباح الجميع أقل من الثمن الذي يدفعونه لاستمرار مستنقع القتل والدمار. فكل من احتضن وموّل وسلّح، بدأت الارتدادات تعود إليه، وكل من دعم فريقاً أو فصيلاً سياسيا أو عسكرياً باعتباره ورقته، رآه يتهاوى في مستنقع الفساد أو التطرّف… وحده الإسرائيلي اليوم، رابح في استمرار الحريق السوري. وكل الأطراف الاقليمية والدولية تحاول النظر إلى ما بعد حمّامات العنف، وتعمل للحصول على حصّتها من الكعكة التي يجري إنضاجها في أكثر من مخبز.

خلال ست سنوات، خاض الوطنيون الديمقراطيون النضال المدني السلمي بكل وسائله المعروفة والمُبتَكرة. كانت الحرب علينا من كل الأطراف، وفي فترة الفصام بين العالم الافتراضي والفضائيات من جهة والواقع الشعبي من جهة ثانية، تم تشويه وتزوير حقائق الميدان. وتنصيب جوقة “النفاق والارتزاق” ممثلة رسمية معتمَدة للشعب والثورة والمعارضة، على حساب الشبيبة الثائرة من أجل الحرية والكرامة. حتى تاريخ انطلاق الحراك الشعبي تم تزويره. وكأن ثورة “الفيس البوك” الإخونجية على بشّار الأسد  في 15 آذار هي التي حدّدت لحظة الإنطلاق؟ وقناة الجزيرة هي الملّكفة بفبركة “القيادات”، وقناة العربية ما زالت، تبدأ الخبر السوري بعنوان “سوريا الثورة” (كذا!!).. زمن “القمامة” لا ينتج إلا الموت، ولن نستحق الحياة إلا بالخروج من هذا المستنقع.

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2011، قلنا للمجلس الوطني: “تمضي الخراف حياتها تخشى الذئب، وفي آخر المطاف يأكلها الراعي”. تعالوا إلى كلمة سواء وبرنامج مشترك للتغيير نتحرّك به من أجل إنقاذ سوريا، انسحب الإخوان المسلمون من المفاوضات في أول ديسمبر واستمر وفد من المجلس يقوده الوطني الليبرالي وليد البني بالمفاوضات. وتمكّنا من صوغ ورقة عمل مشتركة في نهاية ديسمبر 2012. لكن أسياد “المجلس” ألقوا بها في القمامة في أقل من 12 ساعة من توقيعها، لأن غايتهم لم تكن التغيير الديمقراطي بل قبر الحراك الشعبي في مسبح الدم. عدنا في مؤتمر الجامعة العربية في تموز 2012 نطالب الحاضرين بالموافقة على “بيان جنيف” الموقّع قبل أيام، فإذا بالفرنسي والبريطاني العائدين من جنيف للتوّ يحدّثاننا عن الخطة باء.

بدأت دولة قطر التحضير لهيكل جديد في الدوحة، طلبنا ممن نثق بوطنيّته ممن قرّر المشاركة، بأن يدافع عن تثبيت فكرة الحل السياسي في وثائق الائتلاف، فإذا بمموّلهم يثبّت عوضاً عن ذلك مادة تقول: “لا للتفاوض ولا للحوار”. فدعونا لمؤتمر في جنيف في آخر يناير 2013″ من أجل سوريا ديمقراطية ودولة مدنية”. لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسية، لم يجد أكثر من خمسة “أسماء” معارضة لدعوتها إلى باريس لمؤتمر صحفي في وقت افتتاح مؤتمرنا، طالب فيه برحيل الأسد ودعم المقاتلين “من أجل الحرية”.  إلا أن بهلوانيّات الفرنسيين لم تنجح، ويوم صدور البيان الختامي لمؤتمر جنيف، أعلن رئيس الائتلاف قبوله بالتفاوض على أساس “بيان جنيف 2012″، فأبُعد معاذ الخطيب عن قياد الائتلاف.  انفجرت حنجرتنا وجفّت أقلامنا ونحن نقول “إذا استقبلتم ألفاً من الشيشان فسيأتيكم ألفان من لبنان، التطبيع مع فكرة المقاتل الأجنبي والتدخّل الخارجي والعنف في أي لبوس كان، ستدمّر البلاد والعباد”، كان ردّ بعض السُفهاء: “منّاع وجماعته يريدون بقاء الأسد في السلطة”.

لقد أصيب النخاع الشوكي السياسي لمعارضة الارتهان بالعُطب التام، ولم يعد بإمكانها أن تشكّل رافعة سياسية لأصحابها. هرمت البرامج والمفاهيم وبكل أسف لم يعد الكثير يميّز بين هذا البرنامج السياسي أو ذاك أو هذا المشروع وذاك. وفي هذه الحال يتقزّم الخطاب السياسي بالقدرة الخارقة على الشتم (أحزاب اللات و… أم فلان أبو زميرة ويلعن روح علان وهولاكو الروسي حليف النصيرية والرافضة والشعوب التي توصف بماسحة أحذية). لقد أعلن عزرائيل المعرفة سقوط جيل من أدعياء الديمقراطية الذين حمدّوها وبندروها بالأمس القريب، وحوّلوها إلى مجرّد آليات وصندوق اليوم، كما أعلن تهافت الحركة الإخوانية الوصولية والانتهازية، وانحطاط الحركة الجهادية إلى فقه الدم وقتل زوّار الأماكن المقدّسة باعتبارهم “ميليشيات”. وكونهم لم يتوقفوا عن الحديث عن تغيير موازين القوى والسلاح النوعي والنصر العسكري، فقد قدّموا على طبق من فضة لمن حرص على هذه الثلاثية في الميدان وليس في فنادق الخمس نجوم، معركة حلب التي أعادت بعضهم على الأقل، إلى محاولة فتح العين على الواقع العياني الذي يتحمّلون مسؤولية أساسية في وصول سوريا إليه.

استجابت فصائل عديدة لمشروع الأستانة، وطلب الضابط الأميركي المُكلّف بمتابعة ملف إطلاق النار في جنيف من ستافان ديميستورا الدعوة إلى جنيف 4، فنفّذ الطلب بعد أقل من ساعة. رغم كل نقاط ضعفها، أعادت الأستانة الدينامية الضرورية لحتميّة الحل السياسي، وأصبح من واجب السوريين، العمل الجدّي من أجل وقف العنف ووضع ملف الانتقال السياسي على الطاولة.
لا يمكن لمباحثات أممية تحت السيطرة، وبشروط إقليمية ودولية مُسبقة لتحديد مَن يُشارك ومن يتم إبعاده، أن تنجح. ففي واقع الأمر، انتهت صلاحيات الهيئة العليا للمفاوضات في ديسمبر الماضي، وقد تخلّت عن نصف مقاعدها للمقاتلين من دون مقاومة تُذكر، والجميع يعرف أن “منتدى موسكو” مجرّد اجتماع تشاوري بين السلطة ومَن يحضر من المعارضة، وقد جرى اختطاف ما يُعرف بمنصّة القاهرة من الوطنيين الديمقراطيين في وضح النهار وتهزيل تمثيلها ودورها. لا نقول هذا بحثاً عن “طربيزة” عند ديميستورا أو غيره، بل للتذكير بأن أية مفاوضات جدّية، داخل أو خارج قصر الأمم، تحتاج إلى أطراف جدّية وتمثيلية، وقناعة راسخة بأن الحلّ في سوريا سيكون سياسياً أو لن يكون، وأن الحل السياسي لن يكون باستمرار ما أوصلنا إلى ما نحن فيه.  في وضع كهذا، يصبح من واجب كل وطني ديمقراطي، اعتبر منذ سقوط شهداء الحل الأمني العسكري في الأيام الأولى لربيع المواطنة، أن الدم السوري مُقدّس، أن يناضل من أجل دور مركزي للسوريين في تقرير مصيرهم، وجعل بناء دولة القانون والمؤسسات هدفاً جوهرياً ووجودياً لمستقبلهم. وبناء الجيش الوطني الحامي للوطن والمواطن في صلب رؤيتهم لسوريا المستقبل.
رغم كل إغراءات السوق، بقي التيّار الوطني الديمقراطي صامداً في استقلال قراره، وحرصه على سوريا حرّة موحّدة ذات سيادة، واعتبار الديمقراطية النظام السياسي الأنسب لعودة اللحمة المجتمعية وإعادة بناء البلاد.
لقد سعينا في مؤتمر القاهرة في حزيران 2015 لبناء هيكل سياسي لهذا التيّار فوقفت العصبيات التنظيمية المتكلّسة حجر عثرة. ولعبت أطراف عديدة دوراً تخريبياً حال دون نجاح محاولتنا. اليوم، لم يعد بالإمكان أن يقزّم هذا الصوت، ومسؤولية رموزه توحيد جهودهم وصوتهم. صحيح أن العديد من الدول نجحت في شراء هذا المثقّف أو ذاك السياسي، إلا أنه من الصحيح أيضا أن مَن قال لا، ورفض الارتهان، كانوا أكثر بكثير، ومن واجبهم الاجتماع والتنسيق والنضال المشترك. بحيث لم يعد تجمّع الوطنيين الديمقراطيين ترفاً ذاتياً بل حاجة موضوعية.
هذا ما أعلن عنه جمعٌ من الديمقراطيين السوريين في دعوتهم إلى “المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري” الذي سيجمع نخبة من الديمقراطيين الوطنيين قولاً وفعلاً، وسيعقد في جنيف في عطلة عيد الفصح المجيد، وينتهي في يوم الاستقلال (15-17 نيسان/أبريل 2017). في الأرض السورية كانت الأبجدية الأولى، وفيها أضيف للقاموس البشري كلمة الحرية (آمارجي)، منها انطلقت النهضة والثورة السورية الكبرى الأولى على الاستعمار تحت شعار “الدين لله والوطن للجميع”، ومنها انطلق جيش الإنقاذ لفلسطين والمتطوّعين لاستقلال الجزائر والتصدّي للعدوان الثلاثي على مصر… سوريا المعطاءة هذه لن تموت.

اليوم، أمانة في أعناقنا أن نضع حداً للتحطيم الذاتي المُمنهج خارجياً، وأن نقف من جديد وطناً سيداً، ومواطنة جديرة بالتسمية، في دولة مؤسسات مهمتها إقامة العدل والتنمية المُستدامة والشراكة الحقيقية بين مكوّناتها، وذلك رغم سنوات ست، كان قاسمها المشترك الأعظم، تحطيم البلاد، وإذلال العباد.  .

No Favorites Has Been Added!